فإن قيل: وهذا ابن مسعود لم يذكر صارفًا من لفظ رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لما قاله حذيفة.
فالجواب: أن الصحابي عدل في نقله ونقده , وهم أهل العلم بالشرع واللسان , فإذا قال: أوجب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كذا، أو حرم كذا؛ فلا نحتاج أن نطالبه بنص قول رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - , كما هو معروف في مثل هذا الموضع في كتب علوم الحديث , المعروفة بكتب المصطلح.
فإن قيل: ابن مسعود هنا لم يُحل حذيفة على معنى مأخوذ من قول رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أو فعله , بخلاف ما ذكرت عن كتب علوم الحديث.
فالجواب: أن هذا هو المتبادر من قوله:"حفظوا ونسيت", والله أعلم.
ففي نهاية الأمر ألخص الأدلة التي قّوت في نفسي الأخذ بالعموم:
(1) العقبات الكثيرة التي في سبيل من رجح ثبوت الحديث مجزومًا به غير مشكوك فيه , بصيغة لها حكم الرفع.
(2) عدم تسليم ابن مسعود لحذيفة بما ذهب إليه , وقوله له:"لعلهم حفظوا ونسيت , وأصابوا وأخطأت"وهذا يشير إلى دليل أقوى مما ذهب إليه حذيفة يُجَوِّزُ الاعتكاف في المسجد الجامع؛ لأن الرواية وردت بأنهم كانوا في المسجد الجامع بالكوفة.
(3) أن العلماء بعد ذلك رأوا جواز الاعتكاف في جميع المساجد , ولم أعلم أحدًا صحّ عنه القول بالمنع، إلا في المساجد الثلاثة غير حذيفة , أما سعيد بن المسيب؛ ففي سنده عنعنة قتادة , وأما عطاء؛ فقد اختلف عنه الرواية بوجوه أخرى , والله أعلم.
ومنهم من قال: وحديث حذيفة محمول على الاعتكاف الأكمل؛ لفضيلة هذه المساجد , والله أعلم.
وأما الاستدلال بحديث:"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ..."الحديث , وما ورد في فضل الصلاة في المسجد الحرام، ومسجد رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فقد أجاب عليه أبو بكر الجصاص في"أحكام القرآن" (1/ 295) فارجع إليه , ولا يلزم من فضيلة هذه المساجد تخصيص الاعتكاف فيها، والله أعلم.
وأما حديث عائشة:"السنة على المعتكف ألا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة , ولا يمس امرأة، ولا يباشرها , ولا يخرج لحاجة إلا ما لابد منه , ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع". أخرجه أبو داود وغيره , وسنده ضعيف , فيه عبد الرحمن بن إسحاق: صدوق يخطئ , وقال أبو داود عقب إخراج الحديث: غير عبد الرحمن لا يقول فيه: قالت:"السنة"وجعله من قول عائشة , وكلام البيهقي في"السنن الكبرى" (4/ 321) وفي غير السنن يدل على أن الحفاظ وهّموا من جعله عن عائشة, إنما هو قول عروة، والزهري , وانظر"سنن الدارقطني" (2/ 201) .
(تنبيه) : إذا كان الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة جائزًا؛ فهل يدخل في ذلك المسجد الجامع الذي تقام فيه الجمعة , وغير الجامع الذي تقام فيه الجماعات فقط , أم أن هذا الحكم خاص بالمسجد الجامع فقط؟
والذي ينظر في كلام أهل العلم يجد فيه خلافًا كثيرًا , والذي تميل إليه النفس، الأخذ بعموم الآية ,] وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ [و (ال) هنا تفيد العموم , وحجة من منع من مسجد الجماعات: أن من اعتكف فيه احتاج إلى الخروج منه للجمعة , ولا بأس في ذلك؛ فإنها مما لا بد منه , كما يباح للمعتكف الخروج لقضاء حاجته , وأكله , وشربه , ونحو ذلك , وإذا كانت مدة الاعتكاف بين الجمعتين؛ فالخلاف أخف , ولو اعتكف في مسجد جامع بدون تكلف ومشقة عليه؛ فهو الأولى؛ للخروج من الخلاف , وجواز الاعتكاف في مسجد الجماعة نسبه الجصاص في"أحكام القرآن"للأكثر , وعدّه الصنعاني في"العدة" (3/ 439) أوضح الأقوال، والله أعلم.
(تنبيه آخر) : ادعى جماعة من أهل العلم الإجماع على شرطية المسجد في الاعتكاف , وأنه لا يجوز خارج المسجد للآية - على خلاف في تحديد المسجد، كما سبق - إلا أن هذا الإجماع لا يتم؛ لمخالفة عائشة - رضي الله عنها - وبعض المالكية , وبعض الحنفية , لكن أثر عائشة يحتمل التأويل , ومخالفة الآخرين فلعلها محجوجة بما سبق من اتفاق , والله أعلم.
جواب الشيخ أبي الحسن المأربي