الله عليه وسلم.
نعم، قد يكون للحم البقر في زمانهم آثار سلبية، بسبب الحرّ وغير ذلك، وأما في زماننا فلا مشكلة أبدًا، ويبقى الأمر على حاله أن لحم البقر لا داء فيه خِلقة، إلا إذا أُصيب بداء، وغير ذلك، والله أعلم.
حُكم بعض المعاصرين على حديث مليكة بنت عمرو وشواهده:
ذكره الشيخ الألباني في (( السلسلة الصحيحة ) )رقم (1533) ، وقال:"وهذا إسنادٌ حسنٌ إن شاء الله تعالى"، ثم نقل كلام السخاوي في المقاصد:"رجاله ثقات، لكن الراوية عن مليكة لم تُسم ..."، ثم قال الشيخ:"وحديث ابن مسعود شاهد قوي لحديث الترجمة".
وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط أثناء تعليقه على كتاب المراسيل:"إسناده ضعيف لجهالة المرأة التي روى عنها زهير"!
وقال نذير حمدان محقق الجزء الثامن من (( سير أعلام النبلاء ) )بإشراف الشيخ شعيب الأرنؤوط (8/ 187) :"زوجة زهير مجهولة، وكذا مُليكة"!
حديث عبدالله بن مسعود؟
أخرجه أبو نُعيم الأصبهاني في (( الطب النبوي ) ) (2/ 738) من طريق عمر بن الخطاب، عن سيف الجرمي. وأخرجه الحاكم في (( المستدرك على الصحيحين ) ) (4/ 448) من طريق معاذ بن المثنى العنبري، عن سيف بن مسكين، قال حدثنا عبدالرحمن ابن عبدالله المسعودي، عن الحسن بن سعد، عن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود، عن أبيه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (( عليكم بألبان البقر وسمنانها، وإياكم ولحومها؛ فإن ألبانها وسمنانها دواء وشفاء، ولحومها داء ) ).
قال الحاكم:"هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد، ولم يخرجاه".
قلت: هذا الحديث مقلوبٌ على إسنادٍ صحيح، ولهذا اغتر به الحاكم فصححه! والذي قلبه هو سيف بن مسكين.
قال ابن حبان في (( المجروحين ) ) (1/ 347) :"سيف بن مسكين السلمي: شيخٌ من أهل البصرة. يروي عن سعيد بن أبي عروبة، ومعمر بن يزيد، عن قتادة. يأتي بالمقلوبات والأشياء الموضوعات، لا يحلّ الاحتجاج به لمخالفته الأثبات في الروايات على قلتها".
فهذه الرواية عن ابن مسعود لا تصلح للاستشهاد بها كما زعم الألباني، ولا أدري كيف لم يتنبه لقول الذهبي في التلخيص:"سيف وهّاه ابن حبان".
وقد تعقّب الشيخ شعيب الألباني، فقال في تعليقه على المراسيل:"وهذا إسنادٌ تالف، سيف بن مسكين قال ابن حبان ... والمسعودي رمي بالاختلاط، وعبدالرحمن بت عبدالله تكلموا في روايته عن أبيه لصغره، فهذا خبرٌ شبه موضوع، فلا يصلح أن يكون بحال من الأحوال شاهدًا للمرسل ... وبهذا يتبيّن لك أن قول الشيخ ناصر الألباني في صحيحته عن حديث ابن مسعود هذا:"وهو شاهد قوي للحديث المرسل"، قول متهافت في غاية السقوط". انتهى كلامه.
قلت: تعقبه للشيخ الألباني صحيح، ولكن ذكره لاختلاط المسعودي، والكلام في رواية عبدالرحمن من أبيه لا يصلح في هذا المقام! لأن العهدة في هذا الحديث على سيف، بل إن رواية المسعودي عن الحسن عن عبدالرحمن بن عبدالله عن أبيه إسناد حسن. ولمّا لم يتنبه الشيخ شعيب إلى أن هذا الحديث مقلوب على إسناد صحيح! أتى بكلّ هذا الكلام على عادة المعاصرين في الكلام على الأسانيد دون التنبه إلى كيفية حدوث العلّة.
وأما من ضعّف حديث مليكة بجهالة المرأة التي لم تسم! ففيه نظر! فالمرأة هي زوجة زهير بن معاوية، وهي صدوقة كما قال، والعلة هي الإرسال كما بينت سابقًا.
شاهدٌ آخر من حديث صهيب الرّومي؟
أخرج أبو نُعيم في (( الطب النبوي ) ) (1/ 383) رقم (325) ، قال: أخبرنا أحمد بن محمد في كتابه، حدثنا محمد بن جرير -هو الطبري-، قال: حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، عن موسى بن محمد النسائي، عن دفاع بن دغفل السدوسي، عن عبدالحميد ابن صيفي بن صهيب، عن أبيه، عن جدّه صهيب، مرفوعًا: عليكم بألبان البقر، الحديث.
قال الدكتور مصطفى خضر دونمز التركي محقق الكتاب:"إسناد هذا الحديث لا بأس به، ولا سيما أن له شاهدًا قويًا من حديث عبدالله بن مسعود كما عند الحاكم ... انظر للتفصيل: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني: 4/ 46 - 47".
قلت: تَبِع الدكتور الشيخ الألباني في كلامه! ولا يلتفت إلى كلامهما! وقد بينت ما في حديث ابن مسعود.
(يُتْبَعُ)