تأمل كيف بادر السائلُ بقوله:"بعض الناس يقولون كذا"، فلم يفوتها الشيخ رحمه الله بفطنته حتى يعقب عليها ويوجه السائل لخطورة رمي الكلام على عواهنه! فسأله"من هم الناس"فقال الأخ - بعد مراوغة - سمعت من شخص أو شخصين!! هذا هو"بعض الناس"الذي أشار إليه السائل في كلامه! شخص مجهول أو شخصين! فنهاه الشيخ رحمه الله عن أن يقول"بعض الناس"والحالة هذه ..
وهذا يستفاد منه فوائد:
في آداب المستفتي:
/// أن يحسن ضبط كلامه وأن يدقق فيما ينقل من الأقوال، فلا يخرج الكلام في السؤال بما يوحي بخلاف حقيقته .. فعليه أن يحسن إخراج سؤاله بين يدي المفتي حتى يكون أرجى لإصابة الجواب الصحيح.
/// ألا يتكلم أمام المفتي بما يوحي بأن له علما مسبقا بخلاف في المسألة (وليس الحال كذلك) ،
لا سيما والمعروف في صنعة العلم أن"الناس"المعتبر بقولهم في المسائل الاجهتادية إنما هم العلماء لا غيرهم، فقول المستفتي:"من الناس من يرى مشروعية كذا أو كراهة كذا"توحي بأنه قد وقف على كلام لبعض أهل العلم في هذا.
/// يصح بل يستحسن (وفي بعض الأحيان يتعين) أن يُنقل الكلام على هذا النحو"بعض الناس يقولون"في حالة ما إذا أريد الإخبار عن فرد أو جماعة تقول بقول منكر أو مشكوك في مشروعيته أو مخالف للمشهور والمعمول به بين الناس فيريد السائل نقله للاستفصال عن حكمه دون التشهير بقائليه (وكذا عندما يتكلم المفتي أو العالم أو الخطيب لنفس العلة بصيغة"ما بال أقوام يقولون كذا")
/// ينبغي أن يتحلى المستفتي بالصبر والأدب بين يدي مفتيه وألا يراوغه، وأن يتحرى الصراحة والصدق في إجابته إن سأله، فإنما هو كالمريض بين يدي مطببه، وهو طالبٌ مريد لما عنده، فإن لم يحسن الطلب فلن يحصل على ما يريد!
وفي آداب المفتي:
/// ينبغي أن يحرص المفتي على فهم مراد السائل، فإن لم يفهمه من أول الأمر فليستفصل منه، مرة تلو مرة حتى يستوضح كل ما يلزمه معرفته قبل الجواب.
/// قد يجزئ المفتي إن اقتصر على الجواب بقوله"يجوز"أو"لا يجوز"، أو"صحيح"أو"خطأ" (على حسب حال السائل وفي تفصيل) ولكن من فقهه ونصيحته للمسلمين ومن طلبه للخير والهداية لهم فإنه يحسن به أن ينبه سائله إلى ما قد يتعلق بالسؤال من أمور يغلب على ظنه أن هذا السائل يجهلها، وهو يجهل أنه يجهلها.
/// ينبغي له كذلك ألا يفوت كلمة في كلام السائل قد تحمل على محمل غير صحيح، أو قد توحي بوجود خلافٍ حيث لا يُعلم الخلاف، فإن سكوت العالم قد يحمله العوام وبعض صغار الطلبة على أنه إقرار، دون الرجوع إلى المعلوم عن مذهبه في هذه المسألة أو تلك. فما أسهل أن يأتي رجل يقول:"الشيخ سمع السائل يقول كذا وكذا ولم يعترض، فلو كان هذا الكلام غير دقيق لنبهه"! وما أكثر ما عبث بعض طلبة العلم بفتاوى العلماء ونقولاتهم بمثل هذا!
/// أن ينتبه المفتي عند سؤال السائل"ما رأيكم فيمن يقول كذا وكذا"حيث يقرأ هذا السائل كلاما منقولا ويطلب الحكم على قائله، فإن كثيرا من البغي في المطاعن والجراحات التي يضرب بها بعض المرضى في بعض أهل الفضل إنما تأتي من مثل هذا! اجتزاء للكلام ونزعه من سياقه وتعمية خبيثة على شخص ومكانة المنقول كلامه طلبا للحكم عليه، والله المستعان.
هذا والله أعلى وأعلم.
ـ [أبو الفداء] ــــــــ [16 - Jan-2010, مساء 02:21] ـ
ولعل فتوى الشيخ رحمه الله يخاطب بها أهل الإعلام، إذ الغالب على أسلوبهم في الإبلاغ بهذا الخبر والإنباء به: الطابع العلماني في نقل الأخبار، وأعني به الطابع المجرد من الحرص على تحقيق المقصد الشرعي التعبدي من إعلام الناس بأمر هذا الحدث .. فقد ينقل الخبر للناس مع الحرص على تحقيق مهابة ذلك الحدث عند السامعين، وتذكيرهم بالله تعالى وآياته، والحث على العبادة والصلاة والاستغفار وإحياء السنة في أثنائه - وليس تتبعه بالنظارات البلاستيكية في المنتزهات!
فصحيح إن هذا الإنباء المبكر قد يقتل الرهبة والمهابة من الحدث في نفوس كثير من الناس، ولكن هذا إنما مرده إلى غفلة الأكثرين منهم، وغلبة ذلك الطابع الغربي العلماني على نقل أخبار حوادث"الطبيعة"بصفة عامة، وليس الكسوف فحسب .. والله المستعان.
ـ [محمد ال سالم] ــــــــ [16 - Jan-2010, مساء 04:35] ـ
الشكر الكبير لشيخنا الفاضل أبا عبد الرحمن اليامي على هذه الفائدة القيمة جزاك ربي كل خير