بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَحَلَّقَ حَلْقَةً ثُمَّ رَفَعَ إِصْبَعَهُ فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا"، ثُمَّ جِئْتُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَمَانٍ فِيهِ بَرْدٌ فَرَأَيْتُ النَّاسَ عَلَيْهِمْ الثِّيَابُ تُحَرَّكُ أَيْدِيهِمْ مِنْ تَحْتِ الثِّيَابِ مِنْ الْبَرْد"، فذكر هذه الصفة بعد السجود الأول، لكنا نظرنا في هذا الدليل فوجدنا أن العلماء أعلوا الحديث في موضعين بعلتين قادحتين:
أولاهما: قول زائدة في هذا الحديث بعد لفظ:"يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا"، ثُمَّ جِئْتُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَمَانٍ فِيهِ بَرْدٌ فَرَأَيْتُ النَّاسَ عَلَيْهِمْ الثِّيَابُ تُحَرَّكُ أَيْدِيهِمْ مِنْ تَحْتِ الثِّيَابِ مِنْ الْبَرْد"، فإن الحفاظ كمحمد بن جحادة وغيره رووها من طريق عَبْد الْجَبَّارِ بْن وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَال:"كنْتُ غُلَامًا لَا أَعْقِلُ صَلَاةَ أَبِي قَالَ فَحَدَّثَنِي وَائِلُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي وَائِلِ بْنِ حُجر بنحوها"، لذلك قال موسى بن هرون الحمال عن رواية زائدة: وذلك عندنا وهم"، كما ذكر الخطيب وغيره أنها مدرجة في هذا الحديث من حديث آخر، دليل ذلك ما خرجه أحمد (4/ 318) من طريق زهير بن معاوية عن عاصم بن كليب عن وائل بن حجر بلفظ الإشارة، وفيه:"قالَ زُهَيْر: قَال عَاصِم: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ أَنَّ وَائِلًا قَالَ أَتَيْتُهُ مَرَّةً أُخْرَى وَعَلَى النَّاسِ ثِيَابٌ فِيهَا الْبَرَانِسُ وَفِيهَا الْأَكْسِيَةُ فَرَأَيْتُهُمْ يَقُولُونَ هَكَذَا تَحْتَ الثِّيَابِ"، وقال السيوطي في التدريب وغيرُه:"ورواه مبينا زهير بن معاوية وأبو بدر شجاع بن الوليد فميزا قصة تحريك الأيدي وفصلاها من الحديث وذكرا إسنادهما، قال موسى بن هارون الحمال: وهما أثبت ممن روى رفع الأيدي تحت الثياب".
أما العلة الثانية: فهي أنّ زائدة بن قدامة قد تفرد بهذا اللفظ أو الزيادة:"يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا"، فقد روى هذا الحديث العدد الكبير عن عاصم بن كليب بنفس الإسناد والمتن فلم يذكروا فيه التحريك أصلا، روى ذلك كل من شعبة (طب) والثوري (أح) وابن عيينة (حُمَ) (دا) وبشر بن المفضل (د) وعبد الواحد بن زياد (أح) وزهير بن معاوية (أح) وخالد الطحان (بي) وأبي الأحوص (طب) وأبي عوانة (بي) وابن إدريس (حب) وصفوان (يع) وإسرائيل وهشيم وقيس بن الربيع (طب) وسلام بن سليم ـ وأظنه أبو الأحوص نفسه ـ وموسى بن أبي عائشة (بز) ومحمد بن فضيل (بك) وخلاد الصفار (طب د) وعنبسة بن سعيد وغيلان بن جامع وشريك وموسى بن أبي كثير وشجاع في نحو العشرين، وكذلك رواه عبد الجبار بن وائل بن حجر عن أبيه وائل، ورواه أبو معدان عن عاصم بن كليب عن أبيه عن جده بلفظ:"يشير بالسبابة"، لم يذكر أحد منهم على كثرتهم لفظة:"يحركها"، فتكون شاذة جدا لوجوه:
أحدها: هذه الكثرة المتكاثرة من الرواة الذين لم يذكر أحد منهم هذا اللفظ.
والوجه الثاني: أن هذا اللفظ لا يُعد في باب زيادة الثقات، بل يدخل في باب العلة ورواية الحديث بالمعنى، فكأن زائدة بن قدامة فهم أن التحريك لا ينافي الإشارة، فأبدل اللفظ الذي رواه الجميع:"يشير بالسبابة"،"يشير بها"ونحو ذلك، فقال فيه من فَهْمِهِ:"يحركها"، ومن المعلوم أن الرواية بالمعنى مقبولة ما لم يتبين خطؤها، وقد تبين ذلك هنا بعد عرضها على سائر طرق رواة هذا الحديثِ نفسِه.
الوجه الثالث: لو سلمنا أنها من باب زيادة الثقة فإنها لا تُقبل أبدا، لأن الذي عليه أهل الحديث أن الزيادة لا تقبل مطلقا، بل العبرة بالقرائن وكثرة الرواة، وقد تبين بكل القرائن وكثرة الرواة أن هذه الزيادة شاذة مردودة لمخالفتها جميع من ذكرنا.
الوجه الرابع: أن سائر الأحاديث عن عامة الصحابة بلفظ الإشارة، ليس فيها لفظ:"يحركها"، فقد رواه عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير و عبد الرحمن بن أبزى وجابر بن سمرة وأبو قتادة ونمير، كما رواه مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَطَاءٍ عن أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِي فِي عَشْرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومنْهُمْ أَبُو قَتَادَة وأبو أسيد وسهل بن سعد فذكروه بلفظ:"وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ".
(يُتْبَعُ)