قلت: هذا الحمل من الشيخ فيه تكلف وتعسف؛ لأن الدارقطني -رحمه الله- قد أعلّ كلّ الطرق لهذا الحديث، سواء طرق حديث أبي بكر أو غيرها، وقد أشار إلى طرق أخرى أعلها غير طريق أبي بكر، ولكن الذي دفع الشيخ حاتم إلى هذا الحمل هو أن الدارقطني لم يتكلم على حديث عقبة بن عامر الذي حسنه الشيخ! والدارقطني أعلّ كلّ طرق الحديث وهو في معرض حديثه عن إسناد صحيح لهذا الحديث ليس من طريق أبي بكر، وهو ما ذكره حمزة في سؤالاته (رقم 9) :"وسئل الدارقطني عن محمد بن غالب تمتام؟ فقال: ثقة مأمون إلا أنه كان يخطئ، وكان وهم في أحاديث! منها: أنه حدث عن محمد بن جعفر الوركاني، عن حماد بن يحيى الأبح، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عمران بن حصين، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: (( شيبتني هود وأخواتها ) ). فأنكر عليه هذا الحديث موسى بن هارون وغيره، فجاء بأصله إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي فأوقفه عليه، فقال إسماعيل القاضي:"ربما وقع الخطأ للناس في الحداثة، فلو تركته لم يضرك". فقال تمتام:"لا أرجع عما في أصل كتابي". وسمعت أبا الحسن الدارقطني: يقول كان يتقي لسان تمتام."
قال لنا أبو الحسن الدارقطني: والصواب أن الوركاني حدث بهذا الإسناد عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) )وحدّث على أثره عن حماد بن يحيى الأبح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (( شيبتني هود ) )فيشبه أن يكون التمتام كتب إسناد الأول ومتن الأخير، وقرأه على الوركاني فلم يتنبه عليه، وأما لزوم تمتام كتابه وتثبته فلا ينكر ولا ينكر طلبه وحرصه على الكتابة وسمعت أبا الحسن يقول شيبتني هود والواقعة معتلة كلها"."
قلت: فالدارقطني -رحمه الله- قد أعل هذا الإسناد الصحيح في ظاهره وبيّن علته وأن تمتامًا أخطأ فيه، وبين كيف وقع الخطأ له، وهذا ما أشرت له سابقًا أن الأئمة النقاد إذا استنكروا حديثًا بحثوا له عن علة وإن كان ظاهر إسناده حسنًا، وهذه طريقة بديعة في كشف وبيان العلل لا يتنبه لها إلا من اختلط علم العلل بلحمه ودمه، ثم عقب الدارقطني على كل ذلك بأن كل طرق حديث (( شيبتني هود ) )معتلة، سواء طرق حديث أبي بكر أو غيرها، وما أظن الدارقطني بغافل عن حديث عقبة، والله أعلم.
3 -قوله:"وهذا الوجه المضطرب إن كان لا يصحّ إلا مرسلًا كما ذهب إليه أبو حاتم الرازي في العلل، فيبقى أنه نافع في المتابعات والشواهد".
قلت: نعم الحديث لا يصح إلا مرسلًا، ولكن حديث عقبة وغيره لم يصح حتى ينفع هذا المرسل في المتابعات والشواهد، فإن أصل الحديث هو حديث أبي إسحاق السبيعي، وقد اختلف عليه: فرواه أبو إسحاق عن أبي جحيفة، وروي عنه عن عمرو بن شرحبيل عن أبي بكر، وروي عنه عن مسروق عن أبي بكر، وروي عنه عن مصعب بن سعد عن أبيه، وروي عن عامر بن سعد عن أبي بكر، وروي عنه عن أبي الأحوص عن عبد الله.
فالمشكلة في أبي إسحاق، فإنه اضطرب فيه اضطرابًا شديدًا؛ وسبب هذا الاضطراب أن هذا الحديث ليس من حديثه، فلو كان من حديثه لحفظه، فالظاهر أنه أخذه عن بعض الضعفاء أو عمن هو أصغر منه فأرسله واضطرب فيه، فالمدلس إذا لم يكن الحديث من حديثه فإنه يضطرب فيه لأنه يضطر إلى إرساله!
وكلّ طرق الحديث ترجع إلى طريق أبي إسحاق السبيعي، والصواب فيه الإرسال، والشواهد الأخرى لم تسلم، فلا ينفع هذا المضطرب في المتابعات والشواهد كما قال الشيخ حاتم.
4 -قوله:"وللحديث أكثر من وجه مرسل تؤيد ثبوته (طبقات ابن سعد: 1/ 374 - 376) ".
قلت: بل هذه الوجوه المرسلة تؤيد عدم ثبوته، فإن الحديث إذا كثرت طرقه المرسلة دلّ على ضعفه، سيما إذا كانت هذه المراسيل فيها رواة قد اشتهروا بالتدليس، فإن من بين هذه المراسيل حديث قتادة وهو مشهور التدليس.
(يُتْبَعُ)