( {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} أي: بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل، فإن يعقوب ولد إسحاق كما قال في آية البقرة: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذا قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون} ، ومن ها هنا استدل من استدل بهذه الآية على أن الذبيح إنما هو إسماعيل، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق، لأنه وقعت البشارة به وأنه سيولد له يعقوب، فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير ولم يولد بعد يعقوب الموعود بوجوده؛ ووعد الله حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه، فتعين أن يكون هو إسماعيل، وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه ولله الحمد) .
· وقال في (تفسيره 4/ 15) :
(قال الله تعالى: {فبشرناه بغلام حليم} وهذا الغلام هو إسماعيل عليه السلام، فإنه أول ولد بشر به إبراهيم عليه السلام، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم أن إسماعيل عليه السلام ولد ولإبراهيم عليه السلام ست وثمانون، وولد إسحاق وعمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام تسع وتسعون سنة، وعندهم أن الله تبارك وتعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة بكره، فأقحموا هاهنا كذبًا وبهتانًا إسحاق، ولا يجوز هذا؛ لأنه مخالف لنص كتابهم، وإنما أقحموا إسحاق لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب، فحسدوهم فزادوا ذلك وحرفوا وحيدك بمعنى الذي ليس عندك غيره، فإن إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى مكة، وهو تأويل وتحريف باطل، لا يقال وحيدك لمن ليس له غيره، وأيضا فإن أول ولد له يعزه ما ليس لمن بعده من الأولاد، فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار.
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكى ذلك على طائف من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة رضي الله عنه أيضا، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقي إلا عن طريق أحبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلمًا من غير حجة، وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بغلام حليم، وذكر أنه الذبيح؛ ثم قال بعد ذلك: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} ، ولما بشر الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: {إنا بشرناك بغلام عليم} ، وقال تعالى: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} أي: يولد له في حياتهما ولد يسمى يعقوب فيكون من ذريته عقب ونسل، وقد قدمنا هناك أن لا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير؛ لأن الله تعالى قد وعدهما بأنه سيعقب ويكون له نسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرا؟! وإسماعيل وصف هاهنا بالحليم لأنه مناسب لهذا المقام.
قال: فعن ابن عباس رضي الله عنهما في تسمية الذبيح روايتان؛ والأظهر عنه إسماعيل لما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
قال: وإنما عول ابن جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى: {فبشرناه بغلام حليم} ، فجعل هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله تعالى: {وبشروه بغلام عليم} وأجاب البشارة بيعقوب: بأنه قد كان بلغ معه السعي؛ أي العمل، ومن الممكن أنه قد كان ولد له أولاد مع يعقوب أيضا. قال: وأما القرنان اللذان كانا معلقين بالكعبة فمن الجائز أنهما نقلا من بلاد كنعان. قال: وقد تقدم أن من الناس من ذهب إلى أنه ذبح إسحاق هناك.
هذا ما اعتمد عليه في تفسيره، وليس ما ذهب إليه بمذهب، ولا لازم، بل هو البعيد جدًا، والذي استدل به محمد بن كعب القرظي أنه إسماعيل؛ أثبت وأصح وأقوى والله أعلم).
هذا ما أردنا جمعه في عجالة واقتضاب لكي يتضح لك أيها القارئ الكريم الصحيح الصواب في تعيين من هو الذبيح.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى آمين. وصلى الله وسلم على نبينا ورسولنا محمد.
ـ [أحمد السكندرى] ــــــــ [10 - Oct-2009, مساء 01:46] ـ
جزاك الله خيرا يا شيخى أبا محمد، و رفع درجتك و أجزل مثوبتك و نفع بعلمك.
ـ [أبو عاتكة] ــــــــ [12 - Oct-2009, صباحًا 10:25] ـ
جزاكم الله خيرا
ولو أضفتم إلى ذلك كلام الشيخ الأمين الشنقيطي رحمه الله فهو كلام رائع في المسألة ..
وحتى دلالة كتاب النصارى الذي بين أيديهم تدل على أنه الولد البكر وهو إسماعيل عليه السلام