فقيل لأحمد: أليس كان يسيء الأخذ؟ قال: قد يسيء الأخذ ولكن إذا نظرت في حديثه وما روى عن مشايخه وجدته صحيحًا. اهـ من «تهذيب الكمال» .
وقال عبد الله بن أيوب المخرمي: كنت عند ابن عيينة وعنده ابن معين فجاء عبد الله بن وهب ومعه جزء فقال: يا أبا محمد أحدث بما في هذا الجزء عنك؟ فقال لي (1) يحيى بن معين: يا شيخ هذا والريح بمنزلة، ادفع إليه الجزء حتى ينظر في حديثه. اهـ من «الكامل» (4/ 1518) .
وقال الساجي عنه: (صدوق ثقة، وكان من العباد، وكان يتساهل في السماع لأن مذهب أهل بلده أن الإجازة عندهم جائزة، ويقول فيها: حدثني فلان) اهـ من «التهذيب» .
فالذي بيدو أن ابن سعد يقصد ما تقدم، ولا يقصد أن ابن وهب يسقط من حدثه.
مثال آخر: (الوليد بن مسلم) :
وصف بالتدليس، وفي بعض المواضع لم يبين هذا النوع من التدليس الذي وصف به، وفي الكتب الموسعة تجد أنه يدلس ثلاثة أنواع من التدليس وهي:
1 -تدليس الإسناد.
2 -تدليس التسوية (2) .
وهذان مشهوران عنه ولا حاجة إلى ذكر الدليل على ذلك.
3 -تدليس الشيوخ (3) .
قال أبو حاتم بن حبان في «المجروحين» (1/ 91) : (ومثل الوليد بن مسلم إذا قال: ثنا أبو عمر فيتوهم أنه أراد الأوزاعي وإنما أراد به عبد الرحمن بن يزيد بن تميم وقد سمعا جميعًا عن الزهري) اهـ.
ومثله: بقية بن الوليد يدلس هذه الأنواع الثلاثة.
فعلى هذا: لا بد من تحديد نوع التدليس؛ لأن كل تدليس يعامل بخلاف الآخر.
(3) فإذا حدد نوع التدليس الذي وصف به هذا الراوي
(فإن كان تدليس الإسناد)
فالذي ينبغي عمله هو:
أ ـ هل هو مكثر من هذا التدليس أو مقل؟ فمن المعلوم إذا كان مقلًا من هذا النوع من التدليس يعامل غير فيما لو كان مكثرًا.
* قال يعقوب بن شيبة السدوسي: سألت علي بن المديني عن الرجل يدلس أيكون حجة فيما لم يقل: حدثنا، قال: إذا كان الغالب عليه التدليس فلا حتى يقول: حدثنا. اهـ من «الكفاية» (ص362) .
وما ذهب إليه علي بن المديني ظاهر لأنه إذا كان مقلًا من التدليس فالأصل في روايته الاتصال واحتمال التدليس قليل أو نادر فلا يذهب إلى القليل النادر ويترك الأصل الغالب.
ولأنه أيضًا يكثر من الرواة الوقوع في شيء من التدليس، فإذا قيل لا بد في قبول حديثهم من التصريح بالتحديث منهم ردت كثير من الأحاديث الصحيحة.
ولذلك لم يجر العمل عند من تقدم من الحفاظ يردون الخبر بمجرد العنعنة ممن وصف بشيء من التدليس ودونك ما جاء في الصحيحين وتصحيح الترمذي وابن خزيمة وغيرهم من الحفاظ.
* وأما ما قاله أبو عبد الله الشافعي في «الرسالة» (ص: 379 ـ 380) :
(ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته .. فقلنا لا نقبل من مدلس حديثًا حتى يقول فيه: حدثني أو سمعت) اهـ.
فهذا الأقرب أنه كلام نظري، بل لعل الشافعي لم يعمل به هو، فقد روى لابن جريج في مواضع من كتبه بعضه محتجًا به بالعنعنة، ولم يذكر الشافعي أن ابن جريج سمع هذا الخبر ممن حدث عنه، ينظر (498 و890 و903) من «الرسالة» ، وأبو الزبير أيضًا، ينظر (484، 889) ، والأمثلة على هذا كثيرة لمن أراد أن يتتبعها.
* وقال أبو حاتم ابن حبان في مقدمة صحيحة كما في «الإحسان» (1/ 161) نحوًا مما قال الشافعي، ويجاب عليه كما أجيب عن قول الشافعي. وعمل الحفاظ على خلاف هذا كما تقدم. ولذلك قال يحيى بن معين عندما سأله يعقوب بن شيبة عن المدلس أيكون حجة فيما روى، أو حتى يقول: حدثنا وأخبرنا، فقال: لا يكون حجة فيما دلس. اهـ من «الكفاية» (ص: 362) ، يعني إذا دل الدليل على أنه دلس في هذا الخبر لا يحتج به، وليس حتى يصرح بالتحديث. ولذلك قال يعقوب بن سفيان في «المعرفة» (2/ 637) : (وحديث سفيان وأبي إسحاق والأعمش ما لم يعلم أنه مدلس يقوم مقام الحجة) اهـ.
ب ـ ثم ينظر: هل ثبت لهذا الراوي لقاء وسماع عمن حدث عنه أو لا؟
لأنه لابد من اتصال الخبر من ثبوت ذلك سواء كان هذا الراوي موصوفًا بالإرسال والتدليس أم لا، وهذا ما ذهب إليه جمهور الحفاظ ممن تقدم.
* قال ابن رجب في «شرح العلل» (ص: 272) :
(وأما جمهور المتقدمين فعلى ما قاله ابن المديني والبخاري، وهو القول الذي أنكره مسلم على من قاله) اهـ.
(يُتْبَعُ)