فهرس الكتاب

الصفحة 7214 من 27809

* فقد قوَّى عددٌ من الأئمة ابنَ المبارك في معمر عمومًا وعلى عبدالرزاق خصوصًا، ونقل الشيخ أمجد طرفًا من ذلك، ومنه: قول الطحاوي -في بيان مشكل الآثار (14/ 70) - في حديثٍ: (فغلط فيه عبدُالرزاق؛ فجعله: عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر؛ بذلك الكلام، والدليل عليه: أن من هو أحفظ من عبدالرزاق -وهو: ابن المبارك- قد رواه عن معمر بخلاف ذلك ... ) ، ثم أسند رواية ابن المبارك.

وقد غلَّط الدارقطني -في موضع من العلل (10/ 76) - روايةَ عبدالرزاق عن معمر حديثًا، وصوَّب روايةَ ابن المبارك.

وهذا خاضع للقرائن في كل حديثٍ بعينه -بلا ريب-، إلا أنه يفيد أن لعبدالرزاق غلطًا عن معمر مقابل إصابةٍ لابن المبارك، وهذا وأمثاله دعا غيرَ واحدٍ لتقوية ابن المبارك في معمر وتقديمه على أصحابه، ولا يخفى هؤلاء كثرةُ حديث عبدالرزاق عن معمر واختصاصُه به.

* ثم إن لدينا إشارتين ظاهرتين من إمامَين على تخطئة عبدالرزاق في هذا الحديث، وتصويبِ رواية ابن المبارك، وما حمَّلوا معمرًا ذلك:

فالدارقطني يقول: (رواه عبدُالرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال: حدثني أنس، وقال ابن المبارك: عن معمر، عن الزهري، عن أنس، وكذلك قال إبراهيم بن زياد العبسي، عن الزهري) .

والبيهقي يقول: (هكذا قال عبدالرزاق: عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني أنس، ورواه ابن المبارك، عن معمر، فقال: عن الزهري، عن أنس) .

وهذا كالتصريح بخطأ عبدالرزاق وصواب ابن المبارك.

ووجود مثل هذين النصَّين في مثل هذا الموطن الضيق أدعى للتمسك بهما.

ومن باب المباحثة والمدارسة أيضًا:

أن الإمام أحمد قال -في رواية الفضل بن زياد-: ( ... ويونس وهؤلاء يجيئون بألفاظ أخبار، أصحاب كتب، وكان معمر يحدث حفظًا فيحرف) ، وقيل له -كما في رواية ابن هانئ-: يونس، وعقيل؟ قال: (هؤلاء يحدثون من كتاب، وكان معمر يحدث حفظًا فيحذف منها؛ من الأحاديث ... ) .

فهذا السياق يشير إلى أن المقصود: أن هؤلاء يأتون بمتون الحديث تامة الألفاظ؛ لأنهم كانوا كتبوها عن الزهري، ويحدِّثون من كتبهم، وهذا أدعى لأداء المتن بتمامه، وأما معمر فكان"يحدِّث من حفظه، فيحذف منها"، ولعل المراد بالحذف: اختصار المتن وعدم سياقته تامًّا كما يؤديه غيرُهُ ممن كَتَبَهُ ورواه من كتابه.

ويدل على ذلك: أن الإمام أحمد قال -في رواية أبي داود-: (عقيل ويونس يؤدُّون الألفاظ، معمر كان يحفظ الألفاظ، لا يؤدي) ، والأداء مقابل الحفظ في عُرفهم: تحديث الراوي بما سمع كما سمعه تامًّا دون تصرُّف واختصار، ولا يكون التصرُّف والاختصار إلا لأنه يحدِّث من حفظه، ومن ذلك: قول سليمان بن حرب: ( ... ولكن أيوب يؤدي الحديث بطوله كما يسمع، ومالك يختصر ويترك من الحديث ما لا يقول به، فأيوب أرجح من غيره) ، وقال الفضل بن زياد: قلت لأبي عبدالله -يعني: الإمام أحمد- في إسرائيل وشريك، فقال: (إسرائيل صاحب كتاب، يؤدي ما سمع، وليس على شريك قياس؛ كان يحدث بالحديث بالتوهم) ، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: (سعد بن سعيد الأنصاري مؤدي) ، قال ابن أبي حاتم: (يعني: أنه كان لا يحفظ، يؤدي ما سمع) ، وقال أبو حاتم في غندر: (كان صدوقًا، وكان مؤديًا، وفي حديث شعبة ثقة) ، وإنما فُضِّل غندر في شعبة بسبب كتابته عنه وإتقانها وصحتها، لا بسبب مزيد حفظ، بل كانت فيه غفلة، وإنما كان -كما قال أبو حاتم-"مؤديًا"، يروي من كتابه كما سمع وكتب وصحح.

وهذا -بضمِّ بعضه إلى بعض- يدلُّ على أن هذه المسألة عند معمر تخصُّ سياق ألفاظ المتن والتصرُّف والاختصار في أدائها، لا الإتيان بألفاظ السماع والتحديث.

وحتى لو كان الأمر كذلك؛ فقول أحمد: (فيحذف منها) ، و: (لا يؤدي) ؛ لا يتواءم مع كونه يأتي بألفاظ التحديث والإخبار: حدثنا، أخبرنا -كما في هذا الحديث-؛ لأن هذه إضافةٌ وتجويدٌ وتمام؛ لا حذفٌ واختصارٌ وعدم أداء.

والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت