فهرس الكتاب

الصفحة 6965 من 27809

قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الذبح لغير الله: وقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162 - 163] وقوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] .

وعن علي رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: بأربع كلمات: «لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض» . رواه مسلم.

وعن طارق بن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال - فذكره مرفوعا منسوبا لأحمد كما مر -.

فيه مسائل:

الأولى: تفسير: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي} .

الثانية: تفسير: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} .

الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير الله.

الرابعة: لعن من لعن والديه، ومنه أن تلعن والدي الرجل فيلعن والديك.

الخامسة: لعن من آوى محدثا، وهو الرجل يحدث شيئا يجب فيه حق لله، فيلتجئ إلى من يجيره من ذلك.

السادسة: لعن من غير منار الأرض، وهي المراسيم التي تفرق بين حقك وحق جارك من الأرض فتغيرها بتقديم أو تأخير.

السابعة: الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم.

الثامنة: هذه القصة العظيمة، وهي قصة الذباب.

التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصا من شرهم.

العاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين كيف صبر ذلك على القتل ولم يوافقهم على طلباتهم، مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر.

الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم، لأنه لو كان كافرا لم يقل:"دخل النار في ذباب".

الثانية عشرة: فيه شاهد للحديث الصحيح:"الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك".

الثالثة عشرة: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان. اهـ

قال في القول السديد شرح كتاب التوحيد (1/ 54) :

باب ما جاء في الذبح لغير الله، أي أنه شرك، فإن نصوص الكتاب والسنة صريحة في الأمر بالذبح لله، وإخلاص ذلك لوجهه، كما هي صريحة بذلك في الصلاة، فقد قرن الله الذبح بالصلاة في عدة مواضع من كتابه.

وإذا ثبت أن الذبح لله من أجل العبادات وأكبر الطاعات، فالذبح لغير الله شرك أكبر مخرج عن دائرة الإسلام، فإن حد الشرك الأكبر وتفسيره الذي يجمع أنواعه وأفراده: (أن يصرف العبد نوعا من أفراد العبادة لغير الله) .

فكل اعتقاد أو قول أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع فصرفه لله وحده توحيد وإيمان وإخلاص، وصرفه لغيره شرك وكفر.

فعليك بهذا الضابط للشرك الأكبر الذي لا يشذ عنه شيء.

كما أن حد الشرك الأصغر هو: (كل وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر من الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة) .

فعليك بهذين الضابطين للشرك الأكبر والأصغر، فإنه مما يعينك على فهم الأبواب السابقة واللاحقة من هذا الكتاب، وبه يحصل لك الفرقان بين الأمور التي يكثر اشتباهها والله المستعان. اهـ

فائدة في أن الناجي منهما كفر

قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - في التعليق على كتاب التوحيد من مجموع فتاواه ورسائله (9/ 181) : أن الذي دخل النار مسلم؛ لأنه لو كان كافرًا لم يقل: دخل النار في ذباب، وهذا صحيح، أي أنه كان مسلماَ ثم كفر بتقريبه للصنم؛ فكان تقريبه هو السبب في دخوله النار، ولو كان كافرًا قبل أن يقرب الذباب؛ لكان دخوله النار لكفره أولى، لا بتقريبه الذباب. اهـ

فائدة لابن حجر العسقلاني

في شرح حديث: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم. رواه البخاري رقم 5445:

قال: الذباب بضم المعجمة وموحدتين وتخفيف ..

قال أبو هلال العسكري: الذباب واحد والجمع ذبان كغربان والعامة تقول ذباب للجمع وللواحد ذبابة بوزن قرادة وهو خطأ وكذا قال أبو حاتم السجستاني إنه خطأ ..

وقال الجوهري: الذباب واحده ذبابة ولا تقل ذبانة ونقل في المحكم عن أبي عبيدة عن خلف الأحمر تجويز ما زعم العسكري أنه خطأ وحكى سيبويه في الجمع ذُبّ وقرأته بخط البحتري مضبوطا بضم أوله والتشديد ..

وقيل سمي ذبابا لكثرة حركته واضطرابه .. وقد أخرج أبو يعلى عن ابن عمر مرفوعا: عمر الذباب أربعون ليلة والذباب كله في النار إلا النحل.

وسنده لا بأس به وأخرجه ابن عدي دون أوله من وجه آخر ضعيف ..

[قلت: رواه أبو يعلى في مسنده (7/ 231) عن أنس والطبراني في الكبير (12/ 398) والأوسط (4/ 11) وعبد الرزاق (5/ 213) وابن أبي شيبة (4/ 451) عن ابن عمر وفي الكبير (11/ 65) عن ابن عباس وفيه (10/ 208) عن ابن مسعود وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (4/ 60) : عن أنس بن مالك وقال رجاله ثقات. وقال ابن حجر: لا بأس به، قلت: حسن بمجموع طرقه إن شاء الله تعالى]

قال الجاحظ: كونه في النار ليس تعذيبا له بل ليعذب أهل النار به.

قال الجوهري: يقال إنه ليس شيء من الطيور يلغ إلا الذباب.

وقال أفلاطون: الذباب أحرص الأشياء حتى أنه يلقى نفسه في كل شيء ولو كان فيه هلاكه ويتولد من العفونة ولا جفن للذبابة لصغر حدقتها والجفن يصقل الحدقة فالذبابة تصقل بيديها فلا تزال تمسح عينيها ..

ومن عجيب أمره أن رجيعه يقع على الثوب الأسود أبيض وبالعكس وأكثر ما يظهر في أماكن العفونة وهو من أكثر الطيور سفادا ربما بقي عامة اليوم على الأنثى.

ويحكى أن بعض الخلفاء سأل الشافعي لأي علة خلق الذباب؟ فقال مذلة للملوك.

وكانت ألحت عليه ذبابة فقال الشافعي سألني ولم يكن عندي جواب فاستنبطته من الهيئة الحاصلة.

وفي المسند [في قصة جرت بين سعيد بن أبي خالد مع أبي سلمة] عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أحد جناحي الذباب سم والآخر شفاء فإذا وقع في الطعام فأمقلوه فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء.

رواه أحمد 3/ 67 وغيره وجاء عن أبي هريرة وصححه الألباني.

آخره والله أعلى وأعلم.

وأرجو من الأخوة التعليق بما يتناسب ..

شكر الله للجميع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت