نقول: إن أفضل الآراء هو الرأى الثانى الذى يمنع العمل بالحديث الضعيف مطلقًا، خاصة وأن العلماء ذهبوا إلى ما كان ضعفه يقبل الجبر، وجاء ما يجبره من مثله فأدخلوه في قسم المقبول تحت اسم «الحسن لغيره» ، وكذلك لاختلاف السابقين في تعريف الضعيف، حيث كان أكثرهم يعنون به الحسن أو ما يقاربه، وهذا ما يطمئن إليه المرء؛ إذ لا يتصور فضيلة أو أمرًا يرغب فيه، أو يرهب منه إلا نقل لنا فيه من الأحاديث المقبولة ما يمكن الاعتماد عليه، ولكن الأمر يحتاج من الباحث أو الواعظ جهدًا يبذله لتحرى الخير الذى يرجوه، وعليه أن لا يستسهل الجمع من الكتب التى لم تفرق ولم تميز.
على أننا أيضًا لا ننكر ما ذهب إليه الإمام اللكنوى حين قال: فالحق في هذا المقام: أنه إذا لم يثبت ندب أو جواز بخصوصه بحديث صحيح، وورد بذلك حديث ضعيف ليس شديد الضعف يثبت استحبابه وجوازه به، بشرط أن يكون مندرجًا تحت أصل شرعى، ولا يكون مناقضًا للأصول الشرعية والأدلة الصحيحة (22) .
ثم يوضح (رحمه الله) هذا الأمر بقوله: «والذى يصلح للتعويل: أنه إذا وجد حديث ضعيف في فضيلة عمل من الأعمال، ولم يكن هذا العمل مما يحتمل الحرمة أو الكراهة، فإنه يجوز العمل به ويستحب؛ لأنه مأمون الخطر ومرجو النفع، إذ هو دائر بين الإباحة والاستحباب، فالاحتياط العمل به رجاء الثواب، وأما إذا دار بين الحرمة والاستحباب فلا وجه لاستحباب العمل به.
وأما إذا دار بين الكراهة والاستحباب فمجال النظر فيه واسع؛ إذ في العمل دغدغة الوقوع في المكروه، وفى الترك مظنة ترك المستحب، فلينظر: إن كان حظر الكراهة أشد بأن تكون الكراهة المحتملة شديدة، والاستحباب المحتمل ضعيفًا، فحينئذ يرجح الترك على العمل فلا يستحب العمل به.
وإن كان حظر الكراهة أضعف بأن تكون الكراهة - على تقدير وقوعها - كراهة ضعيفة دون مرتبة ترك العمل - على تقرير استحبابه - فالاحتياط العمل به، وفى صورة المساواة: يحتاج إلى نظر تام، والظن أنه يستحب أيضًا؛ لأن المباحات تصير بالنية عبادة، فكيف ما فيه شبهة الاستحباب لأجل الحديث الضعيف؟
فجواز العمل واستحبابه مشروطان: أما جواز العمل فبعدم احتمال الحرمة، وأما الاستحباب فبما ذكرناه مفصلًا (23) .
من هنا نؤكد على النصيحة للإخوة الكرام بالتمسك بالأحاديث المقبولة (الصحيح لذاته، والصحيح لغيره، والحسن لذاته، والحسن لغيره) ، وأن يبذلوا جهدًا في مراجع الأئمة الثقات، وأن يأخذوا العلم من الكتب المحققة بمعرفة الأثبات من العلماء حماية لدين الله وصونًا له، أما من أراد غير ذلك فعليه أن يبذل الجهد للتحقق في توافر الشروط التى أشار إليها الأئمة والأعلام وبينها الإمام ابن حجر، وبسطها وشرحها الإمام اللكنوى.
والله ولى التوفيق، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الهوامش:
(1) مسلم في مقدمة صحيحة 1/ 87، والسيوطى في تدريب الراوى 2/ 160 (ط دار إحياء السنة النبوية) .
(2) السبكى في طبقات الشافعية 1/ 167، والسيوطى المرجع السابق.
(3) شرح نخبة الفكر لابن حجر ص19.
(4) التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاح ص54، «النوع الثالث» .
(5) تقريب النواوى، راجع تدريب الراوى 1/ 298.
(6) الأجوبة الفاضلة للإمام محمد عبد الحى اللكنوى تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ص36
(7) الأذكار للنووى ص7 - 8.
(8) الأجوبة الفاضلة - مرجع سابق ص36.
(9) تدريب الراوى ج1 ص298.
(10) تدريب الراوى جـ ص298/ 299.
(11) ص32.
(12) راجع شرح ابن علاف للأذكار (1/ 86) ، والأجوبة الفاضلة ص47، وفيها استيفاء لمناقشة ذلك
(15) تدريب الراوى 1/ 167.
(16) الأجوبة الفاضلة - مرجع سابق - ص53.
(17) ينسب ذلك لابن حجر المكى الهيتمى - راجع الأجوبة الفاضلة ص43.
(18) راجع الأجوبة الفاضلة 53/ 54، ويرجع ذلك إلى أحمد الخفاجى في نسيم الرياض شرح شفاء القاضى عياض.
(19) تراجع النصوص السابقة في هذا الشأن.
(20) المختصر الوجيز في علوم الحديث، د. محمد عجاج الخطيب ص159.
(21) راجع أعداد مجلة الرسالة الثلاث السابقة على هذا العدد.
(22) الأجوبة الفاضلة ص55.
(23) الأجوبة الفاضلة 57/ 58.
الشيخ عبد الخالق حسن الشريف
ـ [الرجل المحترم] ــــــــ [21 - Apr-2009, مساء 02:14] ـ
جزاك الله خيرا خى البتيرى