فهرس الكتاب

الصفحة 6411 من 27809

وفي الكلام حذف: أي: قال الله تعالى: كل مال أعطيته عبدا من عبادي فهو له حلال، ليس لأحد أن يحرم عليه ويمنعه عن التصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم. فالمراد به: ما لا حق فيه لأحد ولا سبب يحرمه، والقصد: أن ما خلقه الله سبحانه في الأرض وغيرها مما ينتفع الناس به فإنه حلال، ولم يرد أنه لا يرزق الحرام كما قالت المعتزلة، ولا يغتر بظاهر هذا، فإن كل مال نحله الله تعالى إلى عبد فهو حلال. وهذا يدل على أنه لا يحل الحرام؛ لأن القصد بالحديث ما قلناه، وقد قام الدليل على أن الله سبحانه يرزق الحلال والحرام، لأن الرزق عندنا هو ما ينتفع به، وكل منفعة فالله خالقها.

وبوجه آخر: المراد بالحديث؛ هو: إنكار ما حرموا على أنفسهم من السائبة، والوصيلة، والبحيرة، والحامي وغير ذلك، فكل مال ملكه العبد فهو له حلال حتى يتعلق به حق، فلا يتحرم بتحريم أحد له غير الله ورسوله.

* قوله: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم) : بمعنى قوله: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها} ، جمع حنيف؛ وهو: المائل إلى الإسلام الثابت عليه، أي: مستعدين لقبول الحق والطاعة، إشارة إلى الفطرة.

فالمراد: أي: مسلمين. وقيل: طاهرين من المعاصي. وقيل: مستقيمين منيبين لقبول الهداية. وقيل: المراد حين أخذ عليهم العهد في الذر وقال: {ألست بربكم قالوا بلى} ، وكلا المعاني واردة.

* قوله: (وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم) : في بعض النسخ (فاختالتهم) ومعنى رواية الجيم وهي أوضح وأبين: أي استخفوهم فذهبوا بهم، وأزالوهم عما كانوا عليه، وجالوا بهم ومعهم في الباطل، وساقوهم إلى ما أرادوه بهم. ومن رواه (اختالتهم) بالخاء فقد يصح أيضا ويكون معناه: يحبسونهم عن دينهم ويصدونهم عنه، ويتعاهدونهم ويلازمونهم في ذلك. وقد قيل في معنى قوله (يتخولهم بالموعظة) : أي يحبسهم عليها، كما يحبس خوله ويتعهدهم. والله أعلم

* قوله: (وحرمت عليهم ما أحللت لهم) : أي: أن الشياطين حرمت عليهم ما أحللت لهم من البحيرة والسائبة وغيرهما.

قوله: (وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا) : هو مفعول"يشركوا"يريد به الأصنام وسائر ما عبد من دون الله، أي: أمرتهم الشياطين بالإشراك بالله بعبادة ما لم يأمر الله بعبادته، ولم ينصب دليلا على استحقاقه للعبادة.

وقوله:"سلطانا"أي: حجة وبرهانا. سميت به لتسلطه على القلوب عند الهجوم عليها بالقهر والغلبة

* قوله: (وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب) : أي: رآهم ووجدهم متفقين على الشرك منهمكين في الضلالة. والمقت: أشد البغض. والمعنى: أبغضهم كلهم لسوء اعتقادهم وخبث صنيعهم. والأظهر أنه أراد بهذا المقت والنظر ما قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن العرب كانت حينئذ ضلالا، والعجم إلا بقايا من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، كما قال عليه السلام، تبرءوا من الشرك وعضوا على التوحيد والدين الحق الذي جاءت به رسلهم.

فالمراد ببقايا أهل الكتاب: الباقون على التمسك بدينهم الحق من غير تبديل.

فالمعنى: أن الله جل وعلا يُظهر في الجميع ما علمه وأراده في الأزل، لا أنه يتجدد له علم بشيء سبحانه، وتعالى عن ذلك.

* قوله: (وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك) : البلاء: المحنة والاختبار والتجربة. واستعمل في الخير والشر، يقال: بلوته وابتليته، يقال: اللهم لا تبلنا إلا بالتي هي أحسن، قال تعالى: {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا} . وأكثر ما يستعمل مطلقا في المكروه، ومنه في الدعاء:"نعوذ بك من جهد البلاء".

ومعناه: أمتحنك بما تلاقيه من الصبر على أذى المشركين، وبما يظهر منك من قيامك بما أمرتك به من تبليغ الرسالة، وغير ذلك من الجهاد في الله حق جهاده، وامتحنهم وأبتليهم، أي: الذين أرسلت إليهم بما لقوا منك من القتل والجلاء، فمنهم من يظهر إيمانه ويخلص في طاعته، ومنهم من يتخلف ويتأبد بالعداوة والكفر، ومنهم من ينافق. والمراد: أن يمتحنه ليصير ذلك بالنسبة له واقعا بارزا، فإن الله تعالى إنما يعاقب العباد على ما وقع منهم لا على ما يعلمه قبل وقوعه، وإلا فهو سبحانه عالم بجميع الأشياء قبل وقوعها، وهذا من كمال العدل منه سبحانه وتعالى.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت