لكن هذا لا يعنى أن نترك السنة جملة؛ فالسنة ليست هذا الأثر أو ذاك، بل هى أعم من ذلك، وليس الضعيف من الأحاديث مبطلا للصحيح منها، وهناك قواعد وأصول قررها أهل العلم لنقد الحديث.
على أنهم في أغلب الأحيان يشهِّرون بأحاديث لمجرد أنها تناقض أهواءهم وأذواقهم وعقولهم القاصرة المتأثرة بما يشيعه العلمانيون والماديون ويسمون ذلك عقلا، والأعجب أنهم يستعيضون عن السنة بتأويلات بعيدة غاية البعد وبلا أدنى مناسبة، ويتبعون مناهج في غاية السفاهة والنزق في استنباط الأحكام كجمع حروف الآيات وطرحها!
وقد أجمع المسلمون على فسقهم وسفاهتهم، وأنهم ما بين جاهل مغرور وعميل مأجور، وأصل مذهبهم من وضع الزنادقة.
لكن ما هى الدوافع الحقيقية لإنكار السنة؟
الواقع أن الجواب عن هذا السؤال يختلف من حالة لأخرى فدوافع دهماء الرافضة المضلَّلون مثلهم مثل المعتزلة وبقية الفرق التى ضعف حظها من التسليم وعصفت بها رياح الهوى وإلف البدعة تختلف عن دوافع أصحاب المذهب الرافضى الأصليون من اليهود والسبئية قديما وحديثا؛ فهؤلاء لما لم يجدوا وسيلة لهدم الدين بالكلية دفعة واحدة عمدوا إلى النفاق وإفساد الدين من الداخل؛ فإن كان تمييع القضايا الإسلامية قد باء بالفشل وتحطمت كل المحاولات على صخرة صريح النصوص وليس ثم طريق لجحد تلك النصوص دون المرور بالكفر البواح .. كان أمامهم طريقين: الطريق الأول هو نفيها بحيث يستبعد معظمها بدعوى وجود المعارض العقلى والتعارض مع العلم، لكن ذلك سيعنى أنهم بحاجة لإدارة معركة حول كل نص على حده فما كان منهم إلا أن تجرأوا ودعوا إلى إنكار السنة واتزوا بزى من يتسمون بالقرآنيين واصبح من الصعب الآن التفريق بينهم وبين فرقة منكرى السنة الحقيقية كما لا توجد روابط بين منكرى السنة بصفى عامة فهناك من أنكرها لعداوتهم لرواتها كما فعلت الشيعة، وكان لهم في مقابل ذلك أسانيدهم الخاصة وهناك من أنكرها بدوافع عقلية كالإسراف في التأويل، وهناك من ينكرها كذريعة لترويج الإلحاد فما فشلت في تحقيقة العلمانية من تمييع للقضايا يمكن لراكبى موجه إنكار السنة أن يحققوه بإبهام الرسالة وبالتالى يسهل التلاعب والتشويه بالحذف والإضافة تبعا لما تمليه الأهواء ووفقا للخطة الإلحادية.
ويعتمد هؤلاء المروجون في إنكارهم لحجبة السنة كغيرهم من أهل الأهواء على تأويل آيات القرآن ولى أعناقها وتحميلها ما لا تحتمل ويستغلون لذلك مغالطة (( الكمال والإجمال ) )حيث يخطلون بين كون القرآن كاملا وبين كونه مجملا يحتاج لتفصيل فيقولون: إذا كان القرن كاملا فلا يحتاج لتفصيل، وهم في ذلك يلعبون على وتر عاطفى دقيق جدا وهو تعظيم المسلمين للقرآن أكثر من تعظيمهم لأى نص آخر حتى ولو كانت السنة وبذلك يضمنون تمرير سلعتهم لدى الكثير من العوام.
وقد وجد هؤلاء جمهورا عريضا بين من ضعفت قلوبهم عن التسليم التام ومن يقف في منتصف الطريق وكل من تعلق إسلامه بقشة بحيث يصبح اختزال بعض واجبات الإيمان في حقهم مما تمس إليه الحاجة فظنوا أن في هذا المنهج استراحة من كثير مما يمرض قلوبهم وعجزوا عن التسليم به، وهم في الواقع من أعظم الناس تناقضا لإيمانهم بالأصل وكفرهم ببعض الفروع وسرعان ما ينقلب حالهم فيؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ولن يتوقف أمرهم على إنكار السنة فأصل المرض واحد وسيؤول بهم الأمر في نهاية المطاف لإنكار الجميع والخروج من الإيمان بالكلية وهو ما نشاهده من أحوالهم حيث لا نكاد نفرق بينهم وبين النصارى والملاحدة ولا عجب من أن نسمع أن بعضهم يصلى الجمعة خلف النساء في كنيسة أو يحضر مؤتمرا لمناهضة الإسلام وتدعيم الصهيونية .. نسأل الله العفو والعافية والسلامة.
(1) السيوطى: مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة،الجامعة الإسلامية المدينة المنورة، 1399، ص5 - 6
(2) السابق: ص 22
(3) سورة الحشر:7
(4) انظر الشوكانى محمد بن على بن محمد: الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، تحقيق عبد الرحمن يحيى المعلمى، المكتب الإسلامى بيروت،ط3، 1407، ص291.
(5) أخرجه عن المقدام بن معديكرب بأسانيد صحيحة:أحمد (28/ 410 - 411، رقم 17174) واللفظ له، وأبو داود (4/ 238، رقم 4604) ، والطبرانى (20/ 283، رقم 670) ،والبيهقى في السنن الكبرى (9/ 332، رقم 19253) ، والدارقطنى (4/ 287، رقم 59) ، وابن حبان (1/ 189، رقم 13) .
(6) انظر: الشوكانى إرشاد الفحول 1/ 96.
(7) هو أبو عثمان عمر بن عبيد بن باب شيخ المعتزلة في وقته تنسب إليه المعتزلة كما تنسب لواصل بن عطاء، ولد سنة 80 هـ وتوفى بموضع اسمه مران سنة 144 وقيل غير ذلك، انظر ابن خلكان: وفيات الأعيان 3/ 460 - 462.
(8) انظر: أبو إسحق إبراهيم بن موسى الشاطبى: الاعتصام، تحقيق أبى عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، مكتبة التوحيد 2/ 18 - 30