فهرس الكتاب

الصفحة 4909 من 27809

وطبعا لن أذهب إلى أحاديث حسنها بعض الأئمة المتأخرين لأبحث هل احتج بها الشافعي أم لا؟ وكذلك لن أنظر في رواية من قال فيهم ابن حجر أو غيره: «صدوق» لأنظر هل رد الشافعي روايتهم أم قبلها؟ فيدل ذلك على موقفه من الحسن ‍‍‍ ‍ ‍‍‍‍. وإنما الطريق الصواب أن ينظر في الرواة الذين وثقهم الشافعي نفسه توثيقا خفيفا، ثم يُبحث عن أحاديثهم، هل اعتمد عليها أم لا؟ وأكتفي هنا بهذا المثال: فقد وثق بعض الرواة بقوله: «ثقة» ، ولما تكلم عن أسامة بن زيد الليثي قال: «لا بأس به» (17) ، فهذه عبارة لا شك في إفادتها التوثيق ولا شك أنها دون لفظ الثقة، وقد احتج به في عدة مواضع في كتابه الأم (18) . وقال أيضا: «وأهل الحديث متباينون، فمنهم المعروف بعلم الحديث… وطول مجالسة أهل التنازع فيه، ومن كان هكذا كان مقدما في الحديث، إن خالفه من يقصر عنه كان أولى أن يقبل حديثه ممن خالفه .. » (19) . وقال عن تشهد ابن عباس: «فكان هذا الذي علمنا من سبقنا بالعلم من فقهائنا صغارا، ثم سمعناه بإسناده وسمعنا ما يخالفه، فلم نسمع إسنادًا في التشهد يخالفه ولا يوافقه أثبت عندنا منه وإن كان غيره ثابتا» (20) ، وإذا كان غالب الظن أن الحسن المذكور على لسان الشافعي هو فيما صح عنده أو كان ظاهره الصحة فما عَدَل عن عبارة التصحيح إلا لشيء يفيد التفاوت في درجة الإسناد وهو ضبط الرواة.

المطلب الثاني: حجية الحسن لغيره عند الشافعي

أما هذا فموقف الشافعي منه غير خاف إن شاء الله تعالى فهو يحتج به، ويجعله في رتبة أدنى من الحديث الذي ثبت بنفسه ويظهر ذلك مما يأتي:

أولا: تنصيصه على اعتبار المرسل إذا اعتضد بشروط تفصيلها في موضعها من البحث، ثم قال: «وإذا وجدنا الدلائل بصحة حديثه بما وصفت، أحببنا أن نقبل مرسله ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها بالموتصل» (21) .

ثانيا: قوله في حديث: «وهذه رواية صالحة ليست بالقوية ولا الساقطة ولم أجد أحدًا من أهل العلم يخالف في القول بهذا، مع أنها قد رويت من غير هذا الوجه وإن لم تكن قوية» (22) .

ثالثا: قول الشافعي في أبي الزبير: «يحتاج إلى دعامة» أي لا يحتج به إذا انفرد، وكذلك تضعيفه لرواية عمرو بن شعيب في موضع، ثم احتجاجه بها مقرونة بغيرها في موضع آخر (23) .

رابعا: انطباق لفظ الحديث الحسن في كلام الشافعي على الحسن لغيره في بعض المواضع كقوله عن مرسل سعيد بن المسيب إنه حسن (24) .

خامسا: قال الشافعي فيما رواه عنه يونس: «والله لو صح الإسناد عن أصحاب العراق غاية ما يكون من الصحة، ثم لم أجد له أصلا يعني بالمدينة ومكة على أي وجه كان مرسلا عن النبي ? أو متصلا أو قال به واحد من علماء الحجاز. .لم أكن أعبأ بذلك الحديث على أي صحة كان» (25) . فقد كان يتوقف في حديث العراقيين حتى يجد له ما يشده من حديث الحجازيين، وإن كان ضعيفا عنده فهذا هو الحسن لغيره. والله أعلم.

ـ [محمد حاج عيسى] ــــــــ [21 - Feb-2008, مساء 12:28] ـ

/1 اختلاف الحديث للشافعي (130 - 131) .

2/ معرفة السنن والآثار للبيهقي (2/ 381) وهو في البخاري برقم (750) .

3/ اختلاف الحديث للشافعي (165) .

4/ البخاري (145) ومسلم (266) .

5/ الأم للشافعي (4/ 254) .

6/ معرفة السنن والآثار للبيهقي (3/ 443) الحديث أخرجه أحمد (5/ 230) وأبو داود (1576) وصححه ابن خزيمة (4886) .

7/ اختلاف الحديث للشافعي (124) .

8/ معرفة السنن والآثار للبيهقي (1/ 170) وأخرجه في السنن الكبرى (1/ 72) والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 35) .

9/ اختلاف الحديث للشافعي (148 - 149) انظر المعرفة للبيهقي (2/ 449 - 450) .

10/ النكت على ابن الصلاح لابن حجر (1/ 425) .

11/ قال ابن عبد الحكم سمعت الشافعي وسأله يونس بن عبد الأعلى: «إذا روى الحديث منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله أتقوم به حجة؟» . قال: «لا حتى يروي بالحجاز، وإن كان منقطعا مع ذلك إن بالعراق قوما صالحين ما يستظهر عليهم بأحد» .

12/ قواعد علوم الحديث للتهانوي (100 - 107) تعليق أبو غدة ومحمد عوامة.

13/ وانظر تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف للربيع بن هادي المدخلي.

14/ التقييد والإيضاح للعراقي (19- 52) .

15/ النكت لابن حجر (1/ 424 - 425) .

16/ انظر معرفة السنن والآثار للبيهقي (3/ 83 - 84) واختلاف الحديث (214) وحديث الشفعة في اختلاف العراقيين (7/ 177) وحديث قطع الصلاة في اختلاف الحديث (102) .

17/ المناقب للبيهقي (1/ 547) .

18/ الأم للشافعي (1/ 296،308،448) .

19/ الرسالة للشافعي (382) .

20/ الرسالة للشافعي (268) .

21/ الرسالة للشافعي (464) .

22/ معرفة السنن والآثار للبيهقي (7/ 459) .

23/ الأم للشافعي (4/ 320،358) المناقب للبيهقي (1/ 535) .

24 مختصر المزني (9/ 88) .

25/ المناقب للبيهقي (1/ 526) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت