و قد ذكر إبن عساكر لطيفةً أحب أن أذكرها هنا، و هو أن العبد الصالح عمر بن عبد العزيز قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي في الرّؤيا-، و أبو بكر وعمر جالسان عنده، فسلَّمت و جلست. فقال لي: «إذا وُلِّيْتَ من أمور الناس، فاعمل بعمل هذين: أبي بكر و عمر» . فبينا أنا جالس إذ أتي بعلي و معاوية، فأدخلا بيتًا و أجيف عليهم الباب، و أنا أنظر. فما كان بأسرع أن خرج علي و هو يقول: «قُضِيَ لي و ربُّ الكعبة يا رسول الله» . ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية و هو يقول: «غُُفِرَ لي و ربُّ الكعبة يا رسول الله!» . القصة أخرجها ابن عساكر في تاريخه (59>140) بسندين إلى ابن أبي عروبة، و هو ثقة حافظ. و قد جمعت الروايتين في قصة واحدة. كما و أن ابن أبي الدنيا أورد الرواية الثانية في المنامات (رقم 124) .
و بسبب ثبوت هذه الفضائل و غيرها عن السلف، فقد نهو نهيًا شديدًا عن التكلم في معاوية رضي الله عنه وبقية الصحابة، وعدوا ذلك من الكبائر. قال الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله: «معاوية عندنا مِحْنة، فمن رأيناه ينظر إليه شزَرًا اتهمناه على القوم» ، يعني الصحابة. انظر البداية و النهاية لابن كثير (8>139) . وقال الربيع بن نافع الحلبي (241هـ) رحمه الله: «معاوية سترٌ لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه» . البداية و النهاية (8>139) .
وقد صدقوا في ذلك، فإنه ما من رجل يتجرأ ويطعن في معاوية رضي الله عنه إلا تجرأ على غيره من الصحابة رضوان الله عليهم. وانظر هذا في أحوال الزيدية: فإنهم طعنوا في معاوية رضي الله عنه ثم تجرءوا على عثمان رضي الله عنه، ثم تكلموا في أبي بكر وعمر رضي الله عنهحتى صرح بكفرهما بعض الزيدية. والسبب في ذلك أنه إذا تجرأ على معاوية رضي الله عنه فإنه يكون قد أزال هيبة الصحابة من قلبه فيقع فيهم، لأنه لا يعلل كلامه في معاوية بشيء إلا ويلزمه مثل هذا في غيره. فإن كان الذي يتكلم في الصحابة يشتم معاوية رضي الله عنه ويتنقصه، فيقال له: ما حملك على ذلك؟ فإن قال: قتاله لعلي رضي الله عنه. فيقال له: فيلزمك أن تشتم الزبير وطلحة وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنه وغيرهم من الصحابة لأنهم قاتلوا عليًا. فإن قال: ولكن أولئك اجتهدوا في الأخذ بثأر عثمان. فيقال له: ومعاوية ومن معه كذلك. فإن قال: ولكن الزبير وطلحة وعائشة ونحوهم لهم سوابق تدل على فضلهم. فيقال له: ولمعاوية سوابق تدل على فضله: فقد صحب النبي صلى الله عليه وسلم وشهد له بالصحبة والفقه ابن عباس -كما في صحيح البخاري- الذي قاتل مع علي ضده. وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم حنينًا والطائف وتبوك. وكتب الوحي. ودعا له الرسول صلى الله عليه وسلم كما في صحيحي إبن خزيمة و إبن حبان وتاريخ البخاري. وصح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال «أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا» وكان هذا الغزو بقيادة معاوية رضي الله عنه. وقد ولاه عمر وعثمان رضي الله عنه الشام. وقد رضي الحسن بن علي رضي الله عنه أن يتنازل له عن الخلافة، وأثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على فعله ذلك بقوله «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» ، كما في صحيح البخاري. وإذا كان معاوية رضي الله عنه ليس عدلًا، فهذا قدح في الحسن رضي الله عنه الذي رضي أن يتولى الأمة غير عدل!! وفتحت كثير من الأمصار في وقته. وتولى الخلافة عشرين سنة كان فيها ملكه ملك رحمة و عدل. و قد أطلنا في الكتاب الذهبي في بيان اتفاق الأئمة الأعلام والمؤرخين من السنة على ذلك.
فإن قال: ولكن معاوية ثبت عن بعض الصحابة أنهم كانوا يتكلمون فيه. فيقال له: فيلزمك على هذا أن تتكلم في كثير من الصحابة: فقد تكلم عمار في عثمان رضي الله عنهما، وتكلم العباس في علي رضي الله عنهما، وتكلم سعد بن عبادة في عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وتكلم عمر في حاطب رضي الله عنهما، وتكلم أسيد بن حضير في سعد بن عبادة رضي الله عنهما، وكل هؤلاء من السابقين الأولين رضي الله عنهم، فإن كان كلام أحدهم في الآخر يبيح أن يتكلم فيه الآخرون جاز الوقوع فيهم كلهم كما هو دين الروافض قبحهم الله. فإن قال: ولكن معاوية ثبت عنه بعض الأخطاء. فيقال له: وثبت عن غيره من الصحابة أيضًا بعض الأخطاء، فإن كان الوقوع في الخطأ مبيحًا للشتم فاشتم من وقع منهم في الخطأ. فإن قال: ولكن أخطاء أولئك مغفورة بجانب سبقهم وفضلهم وجهادهم. فيقال له: وأخطاء معاوية مغفورة بجانب سبقه وفضله وجهاده. وهكذا، فإذا تجرأ أحد على معاوية رضي الله عنه هان عليه غيره من الصحابة، وبدأ يتكلم في الواحد منهم تلو الآخر لطرد مذهبه الباطل.
و من هنا نقول كما قال السلف -رحمهم الله- أنه لا يجوز في معاوية إلا ذكر محاسنه وفضائله والكف عن مساويه. ويؤيد ذلك الحديث الذي رواه الترمذي وأبو داود وصححه ابن حبان والحاكم من حديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم» .
وقد اقتصرنا في هذه الرسالة على المرفوع. ولو كتبنا الحديث الموقوف في فضائل معاوية من أقوال الصحابة و التابعين و أئمة الإسلام لاضطررنا إلى تأليف كتاب كامل عنه. ففي الباب لعن الحسن لمن يلعن معاوية. وثناء علي على معاوية وإمارته. ووصف إبن عباس وأبي الدرداء له بالفقه. وقول إبن عمر أن معاوية أسود من عمر بن الخطاب نفسه. و جلد عمر بن عبد العزيز لمن تكلم على معاوية. وتفضيل الأعمش له على عمر بن عبد العزيز في عدله، وكذلك قريبًا منه إبن المبارك. وتفضيل إبن العباس له على إبن الزبير في أخلاقه. وقول قتادة عنه أنه المهدي. وقول الزهري أن معاوية قد عمل سنين بسيرة عمر بن الخطاب. بل وثناء عمر بن الخطاب عنه في عدة مواضع. وأمر أحمد بن حنبل للرجُل بقطع رحمه وهجر خاله لمجرد أنه انتقص معاوية. ومن لم يكفه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن يكفيه شيء بعده. هذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى أصحابه أجمعين.