فهرس الكتاب

الصفحة 4267 من 27809

قال ص 285: (( و علماء السنة لا يستندون في التصديق و التكذيب إلى أن ذاك يروقهم و هذا لا يعجبهم، و لكنهم ينظرون إلى الرواة فمن كان من أهل الصدق و الأمانة و الثقة لا يكذبونه، غير أنهم إذا قام الدليل على خطأه خطّأوه، سواء كان ذلك فيما يسوءهم أم فيما يعجبهم.

و أما من كان كذابًا أو متهمًا أو مغفلا أو مجهولا أو نحو ذلك، فإنهم لا يحتجون بروايته، و من هؤلاء جماعة كثير قد رووا عنهم في كتب التفسير و كثير من كتب الحديث والسير و المناقب و الفضائل و التاريخ و الأدب، و ليست روايتُهم عنهم تصديقًا لهم، و إنما هي على سبيل التقييد و الاعتبار، فإذا جاء دورُ النقد جروا على ما عرفوه، فما ثبت عما رواه هؤلاء برواية غيرهم من أهل الصدق قبلوه، و ما لم يثبت فإن كان مما يقرب وقوعه لم يروا بذكره بأسًا و إن لم يكن حجةً، و إن كان مما يستبعد أنكروه، فإن اشتد البعد كذبوه.

و هذا التفصيل هو الحق المعقول، و معلوم أن الكذوب قد يصدق، فإذا صدقناه حيث عرفنا صدقه و استأنسنا بخبره حيث يقرب صدقه لم يكن علينا - بل لم يكن لنا - أن نصدقَه حيث لم يتبين لنا صدقه، فكيف إذا تبين لنا كذبه؟ )) .

36 -فصل نفيس يتعلق برواية من تلبس بنوع هوى:

قال ص 289 - 290: (( فأقول: قد عرف المحدثون هذا - يعني الكذب تشيعًا للمذاهب و تزلفًا لأصحاب المراتب - و عدةَ أسباب أخرى أشاروا إليها في البواعث على الوضع.

و إنما الفرق بينهم و بين بعض من يتعاطى النقد في عصرنا أنَّ المحدثينَ علموا أن هذين الداعيين - مثلا - لا يدعوان إلى الكذب لأنه كذب، و إنما يدعو الأول إلى ذكر ما يؤيد المذهب، و الثاني إلى ذكر ما يرضي ذا المرتبة، و إنَّ كلا من التأييد و الإرضاء ليس وقفًا على الكذب، بل يمكن أن يقع بما هو صدق، إذن فالمخبر بما يؤيد مذهبه أو يرضي رئيسه يجوز مع صرف النظر عن الأمور الأخرى أنْ يكون صادقًا و أنْ يكون كاذبًا، فالحكم بأحدهما لوجود الداعي غير سائغ، بل يجب النظر في الأمور الأخرى و منها الموانع، فإذا وجد داع و مانع و انحصر النظر فيهما تعين الأخذ بالأقوى، و كل من الدواعي و الموانع تتفاوت قوته في الأفراد تفاوتًا عظيمًا، فلا بد من مراعاة ذلك، و من تدبرَ هذا علمَ أنه الحق لا ريب فيه، و أنه يرى شواهده في نفسه و في من حواليه، و علم أنَّ ما يسلكه بعض متعاطي النقد من أهل العصر في اتهام بعض أفاضل المتقدمين بالكذب لوجود بعض الدواعي عندهم في الجملة تهورٌ مؤسفٌ.

أما أئمة الحديث فقد عرفوا الرواة و خبروهم و عرفوا أحوالهم و أخبارهم و اعتبروا مروياتهم كما تقدم في مواضع ... فمن وثقه المتثبتون منهم فمحاولة بعض العصريين اتهامه لأنه كان - مثلا - يتشيع أو يخالط بني أمية أو نحو ذلك لغوٌ لا يرتضيه العارفُ البتة.

هذا حكم يقبله علماء السنة لهم و عليهم، ألا ترى أنَّ مسلمًا صحح حديث أبي معاوية عن الأعمش عن عدي بن ثابت عن زِرٍّ قال: قال عليٌّ: (و الذي فلق الحبة و برأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي(ص) إليّ أنْ لا يحبني إلا مؤمن و لا يبغضني إلا منافق)، و لا أعلم أحدًا طعن فيه، مع أنََّ عدي بن ثابت معروف بالتشيع، بل وصفه بعضهم بالغلو فيه، و كان إمام مسجد الشيعة و قاصهم، و البخاري و إن لم يخرج هذا الحديث فقد احتج بعدي بن ثابت في عدة أحاديث، و لو كان يتهمه بكذب ما في الرواية لما احتج به البتة )) .

37 -عادة مسلم في ترتيب روايات الحديث في صحيحه:

قال 28 - 29: (( و ذكر - يعني أبا رية - قصة التأبير، فدونك تحقيقها:

أخرج مسلمٌ في"صحيحه"من حديث طلحة قال: (( مررتُ مع رسول الله(ص) بقوم على رؤوس النخل فقال: (ما يصنع هؤلاء؟) فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح، فقال رسول الله (ص) : (ما أظن يغني ذلك شيئًا) . قال: فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله (ص) بذلك فقال: (إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظن، و لكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به فإني لنْ أكذب على اللهِ - عز و جل -) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت