ـ [ابن رجب] ــــــــ [23 - May-2007, مساء 02:32] ـ
الفائدة الخامسة:
-بَابُ مَنْ بَدَأ بِالحِلابِ أو الطَّيب عنْدَ الغُسْلِ
حدثني محمد بن المثنى: نا أبو عاصم، عن حنظلة، عن القاسم، عن عائشة، قالت: كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفيه، فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، فقالَ بهما على وسط رأسه.
وظاهر تبويب البخاري على هذا الحديث: يدل على أنه فهم منه أن الحلاب نوع من الطيب، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يستعمل شيئًا من الطيب في رأسه في غسل الجنابة.
وقد أنكر العلماء ذَلِكَ على البخاري -رحمه الله -، ونسبوه فيهِ إلى الوهم، منهم: الخطابي والإسماعيلي وغير واحد.
وقالوا: إنما الحلاب إناء يحلب فيهِ، ويقال لهُ: المحلب -أيضًا.
والمراد: أنه كانَ يغتسل من مد نحو الإناء الذي يحلب فيهِ اللبن من المواشي، وهو معنى الحديث الآخر: أنه نحو الصاع.
ويشهد لذلك: أنه روي في بعض طرق هذا الحديث، أن القاسم سئل: كم يكفي من غسل الجنابة، فحدث بهذه الحديث. وإنما كانَ السؤال عن قدر ماء الغسل، لا عن الطيب عندَ الغسل.
ذكره الإسماعيلي في (( صحيحه ) ).
وذكر- أيضًا- حديث ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرب إليه حلاب فيهِ لبن، فشرب منه- يعني: يوم عرفة.
وزعم بعضهم: أنه (( الجلاب ) )-بالجيم -، وأن المراد به: ماء الورد.
وهو أيضًا- تصحيف، وخطأ ممن لا يعرف الحديث.
وزعم آخرون: أن (( الحلاب ) )-بالحاء - وعاء للطيب. ولا أصل لذلك.
وخرج أبو بكر عبد العزيز بن جعفر الفقيه في (( كتاب الشافي ) )، في هذا الحديث، من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن حنظلة، عن القاسم، عن عائشة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ يغتسل في حلاب قدر هذا- وأرانا أبو عاصم قدر الحلاب بيده، فإذا هوَ كقدر كوز يسع ثمانية أرطال -، ثم يصب على شق رأسه الأيسر، ثم يأخذ بكفيه فيصب وسط رأسه.
ـ [ابن رجب] ــــــــ [23 - May-2007, مساء 02:45] ـ
الفائدة السادسة:
في مسألة تفريق الوضوء والغسل. وساق الاثر المشهور عن ابن عمر وهو:ويذكر عن ابن عمر، أنه غسل قدميه بعدما جف وضوؤه. ثم ذكر الامام ابن رجب الخلاف الذي حصل في هذه المسألة ثم ذكر حديث قد يستدل به من يقول من يقول بالتفريق في الغسل أو الوضوء. قال ابن رجب رحمه الله: وفي تفريق الغسل صريحًا حديث لا يصح إسناده.
خرجه الدارقطني في (( الأفراد ) )والإسماعيلي في (( جمع حديث مسعر ) )، من طريق إسماعيل بن يحيى التميمي، عن مسعر عن حميد بن سعد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، عن أبيه، قالَ: قالَ رجل: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إن أهلي تغار إذا وطئت جواري، قالَ: (( ولم تعلمهم ذَلِكَ؟ ) )، قالَ: من قبل الغسل: قالَ: (( إذا كانَ ذَلِكَ منك فاغسل رأسك عندَ أهلك، فإذا حضرت الصلاة فاغسل سائر جسدك ) ).
إسماعيل بن يحيى، ضعيف جدا ً.
قالَ: الإسماعيلي: حميد بن سعد مجهول، وأحاديث إسماعيل بن يحيى موضوعة.
ـ [ابن رجب] ــــــــ [23 - May-2007, مساء 02:51] ـ
الفائدة السابعة:
عند ذكر ه لهذا الحديث وتبين خطأ الامام الخطابي.
وخرج البخاري في (( أخبار الأنبياء ) )من (( صحيحه ) )هذا قصة موسى - عليه السلام -، من وجه آخر، من رواية عوف، عن ابن سيرين والحسن وخلاس، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إن موسى - عليه السلام - كانَ رجلًا حييًا ستيرًا، لا يرى من جلده شيء، استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستر هذا الستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أدرة وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه، ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملإبني إسرائيل، فرأوه عريانًا، أحسن ما خلق الله، وأبرأه الله مما
يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا -ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا -، فلذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} [الأحزاب:69] .
(( الأدرة ) ): انتفاخ الخصية.
و (( الندب ) ): الأثر الباقي في الحجر، من ضرب موسى - عليه السلام - لهُ.
قالَ الخطابي: وفيه من الفقه: جواز الاطلاع على عورات البالغين؛ لإقامة حق واجب كالختان ونحوه.
قلت: هذا فيهِ نظر؛ فإن موسى - عليه السلام - لم يقصد التعري عندَ بني إسرائيل؛ لينظروا إليه، وإنما قدر الله لهُ ذَلِكَ حتَّى يبرئه عندهم مما آذوه به. وقد يقال: إن الله لا يقدر لنبيه ما ليس بجائز في شرعه.
وأما الاستدلال به على جواز الاغتسال في الخلوة عريانًا، فهوَ مبني على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يأت شرعنا بخلافه.
(يُتْبَعُ)