فهرس الكتاب

الصفحة 25568 من 27809

وظل الزيات يعمل بالمدارس الأهلية حتى اختارته الجامعة الأمريكية بالقاهرة رئيسًا للقسم العربي بها في سنة (1341 هـ= 1922م) ، وفي أثناء ذلك التحق بكلية الحقوق الفرنسية، وكانت الدراسة بها ليلا ً، ومدتها ثلاث سنوات، أمضى منها سنتين في مصر، وقضى الثالثة في فرنسا حيث حصل على ليسانس الحقوق من جامعة باريس في سنة (1344هـ = 1925) .

وظل بالجامعة الأمريكية حتى اختير أستاذًا في دار المعلمين العالية ببغداد (1348 هـ = 1929م) ومكث هناك ثلاث سنوات، حفلت بالعمل الجاد، والاختلاط بالأدباء والشعراء العراقيين، وإلقاء المحاضرات.

بعد عودة الزيات من بغداد سنة (1351هـ = 1933م) هجر التدريس، وتفرغ للصحافة والتأليف، وفكّر في إنشاء مجلة للأدب الراقي والفن الرفيع، بعد أن وجد أن الساحة قد خلت باختفاء"السياسة"الأسبوعية التي كانت ملتقى كبار الأدباء والمفكرين، وذات أثر واضح في الحياة الثقافية بمصر، وسانده في عزمه أصدقاؤه من لجنة التأليف والترجمة والنشر.

وفي (18 من رمضان 1351 هـ= 15 من يناير 1933) ولدت مجلة الرسالة، قشيبة الثياب، قسيمة الوجه، عربية الملامح، تحمل زادًا صالحًا، وفكرًا غنيًا، واستقبل الناس الوليد الجديد كما يستقبلون أولادهم بلهفة وشوق؛ حيث كانت أعدادها تنفد على الفور.

وكانت المجلة ذات ثقافة أدبية خاصة، تعتمد على وصل الشرق بالغرب، وربط القديم بالحديث، وبعث الروح الإسلامية، والدعوة إلى وحدة الأمة، وإحياء التراث، ومحاربة الخرافات، والعناية بالأسلوب الرائق والكلمة الأنيقة، والجملة البليغة.

وقد نجحت الرسالة في فترة صدورها، فيما أعلنت عنه من أهداف وغايات، فكانت سفيرًا للكلمة الطيبة في العالم العربي، الذي تنافس أدباؤه وكُتّابه في الكتابة لها، وصار منتهى أمل كل كاتب أن يرى مقالة له ممهورة باسمه على صفحاتها، فإذا ما نُشرت له مقالة أو بحث صار كمن أجازته الجامعة بشهادة مرموقة؛ فقد أصبح من كُتّاب الرسالة.

وأفسحت المجلة صفحاتها لأعلام الفكر والثقافة والأدب من أمثال العقاد، وأحمد أمين، ومحمد فريد أبو حديد، وأحمد زكي، ومصطفي عبد الرازق، ومصطفى صادق الرافعي الذي أظلت المجلة مقالته الخالدة التي جُمعت وصارت"وحي القلم".

وربت الرسالة جيلا ً من الكتاب والشعراء في مصر والعالم العربي، فتخرج فيها: محمود محمد شاكر، ومحمد عبد الله عنان، وعلي الطنطاوي، ومحمود حسن إسماعيل، وأبو القاسم الشابي، وغيرهم، وظلت المجلة تؤدي رسالتها حتى احتجبت في (29 من جمادى الآخرة 1372هـ= 15 من فبراير 1953م) .

الزيات قامة سامقة في الأدب العربي:

يعد الزيات صاحب مدرسة في الكتابة، وأحد أربعة عُرف كل منهم بأسلوبه المتميز وطريقته الخاصة في الصياغة والتعبير، والثلاثة الآخرون هم: مصطفى صادق الرافعي، وطه حسين، والعقاد، ويوازن أحد الباحثين بينه وبين العقاد وطه حسين، فيقول:"والزيات أقوى الثلاثة أسلوبًا، وأوضحهم بيانًا، وأوجزهم مقالة، وأنقاهم لفظًا، يُعْنى بالكلمة المهندسة، والجملة المزدوجة، وعند الكثرة الكاثرة هو أكتب كتابنا في عصرنا".

وعالج الزيات في أدبه كثيرا ً من الموضوعات السياسية والاجتماعية، فهاجم الإقطاع في مصر، ونقد الحكام والوزراء، وربط بين الدين والتضامن الاجتماعي، وحارب المجالس الوطنية المزيّفة، وقاوم المحتل، وعبّأ الشعب لمقاومته، ورسم سبل الخلاص منه .. يقول الزيات:

"إن اللغة التي يفهمها طغام الاستعمار جعل الله حروفها من حديد، وكلماتها من نار، فدعوا الشعب يا أولياء أمره يعبّر للعدو عن غضبه بهذه اللغة، وإياكم أن تقيموا السدود في وجه السيل، أو تضعوا القيود في رِجل الأسد، أو تلقوا الماء في فم البركان، فإن غضب الشعوب كغضب الطبيعة، إذا هاج لا يُقْدَع، وإذا وقع لا يُدْفَع، لقد حَمَلنا حتى فدحنا الحمل، وصبرنا حتى مللنا الصبر، والصبر في بعض الأحيان عبادة كصبر أيوب، ولكنه في بعضها الآخر بلادة كصبر الحمار".

تراث الزيات الأدبي:

وقد أخرج الزيات للمكتبة العربية عددا ً من الكتب، أقدمها: كتابه"تاريخ الأدب العربي"، وصدر سنة (1335 هـ= 1916م) ، ثم أصدر"في أصول الأدب"سنة (1352هـ= 1934م) ، و"دفاع عن البلاعة"سنة (1364 هـ= 1945م) وهو كتاب في النقد الأسلوبي، قصره الزيات على بيان السمات المثلى للأسلوب العربي.

ثم جمع الزيات مقالاته وأبحاثه التي نشرها في مجلته، وأصدرها في كتابه"وحي الرسالة"في أربعة مجلدات، أودعها تجاربه ومشاهداته وانفعالاته وآراءه في الأدب والحياة والاجتماع والسياسة، بالإضافة إلى ما صوّره بقلمه من تراجم لشخصيات سياسية وأدبية.

ولم يكن التأليف وكتابة المقالة الأدبية هما ميدانه، بل كان له دور في الترجمة الراقية، ذات البيان البديع، فترجم من الفرنسية"آلام فرتر"لجوته سنة (1339هـ = 1920م) ورواية"روفائيل"للأديب الفرنسي لامرتين، وذلك في أثناء إقامته بفرنسا سنة (1344هـ= 1925م) .

أهم الهيئات العلمية التي شارك فيها:

عضو بمجمع اللغة العربية عام 1948.

عضو بالمجمع العلمي السوري والمجمع العلمي العراقي.

عضو بجمعية الأدباء و لجنة التأليف والترجمة والنشر.

عضو بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية.

وعاش الزيات بعيدًا عن الانتماءات الحزبية، فلم ينضم إلى حزب سياسي يدافع عنه، مثل العقاد وهيكل وطه حسين، ولم يدخل في خصومه مع أحد، ولم يشترك في المعارك الأدبية التي حفلت بها الحياة الثقافية في مصر؛ فقد كان هادئ النفس، وديع الخلق، ليّن الجانب، سليم الصدر.

أهم الأوسمة التي حصل عليها الزيات:

جائزة الدولة التقديرية في الآداب من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، عام 1961م.

وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى.

وسام النيل من الدرجة الأولى.

وفاته:-

وكانت وفاته رحمه الله تعالى في صباح الأربعاء 16 من ربيع الأول 1388 من الهجرة النبوية الموافق 12 من مايو 1968بعد حياة عامرة من الكفاح الأدبي، سطر الزيات لنفسها خلالها مجدا خالدا وسط العظماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت