فهرس الكتاب

الصفحة 25071 من 27809

يرفل في قميص صيفي أبيض شفاف أبانت فرجته عن شعيرات تناثرت في صدره، وسروال أزرق داكن وحداء أسود لامع. كان شعره الفاحم متموجا لصلابة شعيراته وقد مشطه إلى خلف فلاح من الوجه الحالم عينان سوداوان اتسعت حدقتاهما. كان الجو في هذه اللحظة لطيفا تتخلله من حين لآخر نسائم ساخنة تندر بليلة ليلاء، وجعل الظل يزحف رويدا

ـ [محمد غالمي] ــــــــ [01 - May-2010, مساء 11:46] ـ

رويدا حتى كاد يغطي واجهات المتاجر والمخابز والحانات وصالونات الحلاقة والخياطة وأبراج الكنيسة منذرا بالغروب. قال فيليب وقد ارتسمت على وجهه سمات الاطمئنان:

ـ اتفقنا إذن، سوف نلتقي يوم الأحد في بار مدام جورج!

اضطرب بدر فعلا لهذا الموعد أول الأمر اضطرابا شديدا حتى كاد يلغيه، فهو لم يعتد أصلا الدخول إلى البارات، لذلك اضطرب خاطره لا رغبة عن الموعد وصاحبه بل أراد أن يبقى كل تواصل لمحض الصدف، ولكن لأمر ما رد وهو يمد يده مودعا:

ـ فليكن بعد غد السبت ..

**تحرك بدر في بطء يقطع الشارع الطويل حتى انتهى عند مقر قيادة الحاكم"لاكومب". جد في مشيه وهو يعبر الطريق الإسفلتي الترب إلى حي سيدي بوكيل .. صادف في طريقه وجوها كثيرة من معارفه وجيرانه في الحي، وأبرزهم الحسين الدباغ يقود دراجته العتيقة ويحمل على مؤخرتها ما أعد من جلود غنم مدبوغة، وعرضها على بعض زبائنه النصارى في حي الكانتنات. وصل الفتى إلى زنيقة اليهود وانعطف عن يسار أفضى به إلى ساحة السوق، وكانت فسيحة ترباء شبه فارغة إلا من حلقة شعبية أمها سكان الحي والأحياء المجاورة لتزجية الوقت. كانت الحركة والنشاط يحتدان في الساحة طيلة يوم الإثنين فيكتظ السوق عن آخره بما يعرض في كل أنحائه من ضروب السلع، تغزوه جحافل البدو الرحل من القرى والدواوير المجاورة لبيع سمن أو زرع أو شاة، ومن ثم ابتياع ما يكفي لمدة أسبوع من سكر وشاي وشموع، ولا يهدأ فيه تيار السابلة إلا قبيل الغروب. اصطفت في جنبات الساحة المستطيلة خربات من قصدير وحوانيت أعدت أصلا كمتاجر للتبضع، وفي الجانب الآخر أقيم المسجد الأعظم تعلوه صومعته السامقة المشرفة على سطوح دور حي سيدي بوكيل والزرايب وأكواخ حي المرس ومغاني الكانتنات الأنيقة. حول بدر بصره إلى ما وراء ساحة السوق غربا مجيلا إياه في الأزقة الضيقة ودروبها الملتوية التربى، وهذه البيوت المتلاصقة في غير نظام وقد تناسلت كالجراد وتفطرت بعض حيطانها المشرفة على الوادي، وبين الحي والوادي جثا ضريح سيدي بوكيل أبيض كالحمامة، تعلوه قبة مستديرة تطل على النهر وقد ازدان قطرها بثلاث كويرات نحاسية شدت إلى بعضها في هيئة عمودية. لم تلبث عينا الفتى أن استقرتا في ساحة العنطيز، تلك الضفة التي فوق رمالها عبث وتسلى ولها، وفي أغوار النهر المنساب سبح وغطس ومن على قمة تلك الحصيدة أو الربوة الشاهقة قفز فأثارت حركاته البهلوانية، قبل أن ينغمس في أعماق النهر، إعجاب خلانه ورفاق طفولته .. ومن كمثل"دينا"اليهودية الوديعة والجارة بالجنب، حاز السبق في الإعجاب؟ تذكر وهو يتملى في هذه المعالم الخالدة ما تجرعه من مرارة في سبيل دينا!

وهذا الغاب الملتف بأشجار الصفصاف يجذب بصره جذبا فيثير فيه إحساسا كادت نفسه تنفطر من جراء إيلامه .."يا إلهي، هل أنت محاسب مخلوقك الضعيف على كبوات صباه وأفراسه؟"ومهما يكن فقد أثار منظر الغاب في نفسه ذكريات ما فتئت تربض في وعيه الباطن كالبركان لا يلبث يثور مهما طال به الرقاد .. حلقت حوله أطياف الأيام الخوالي ... والحق إن هذه الزلة كلفته أبهظ الأثمان؛ إذ ما نزل عليه من العقاب في بيت أبويه كان أفدح وأفظع، على جسده الذي زخرفه السوط حينا وبطنه الذي بات على الطوى آونة إلا من كسرة خبز وجرعة ماء لا تبل غلة، وقد ألقي به في المربط فكان رابع البغلين والحمار وراء حائط ربضت خلفه النعاج. وإن ينس فلن ينسى غداة ألقى به أبوه في جوف"الطارمة"مخزن الحبوب فقضى يومه في ظلمة كجوف كهف حتى كادت رائحة الشعير الحائل تخنق أنفاسه، وأما الحشرات السارحة في كثبان القمح فلم تشفع له هي الأخرى زلته، إذ أذاقته فنونا من اللسع قضت مضجعه .. ولم يمض غير شهر على حادث دينا حتى عاود عبثه الطفولي، وكان الضحية هذه المرة حيزون ولد رحمة اليهودية الشقيق الأصغر لدينا، فقد اختلى وصحبه به في ساحة العنطيز وأصروا على ختانه كما زين لهم خيالهم القاصر، فنزعوا تبانه وباشر بدر مهمته مجسدا دور خالي إسماعيل الحلاق، بيد أن هذا الأخير كان يستعمل مقصا كبيرا من القصدير السميك كلما استدعي لختان صبية الحي، بينما استعمل بدر قطعة من حديد صدئة أحدثت جرحا غائرا في قلفة اليهودي فولى إلى بيت دويه ينزف دما ... واستعاد من الذكريات ما كانت في إبانها مضحكة مسلية وأمست مع مر الزمان مخجلة مبكية، ذكر وهو سيد الفرقة وزعيمها بلا منازع يوم كان يشرف على طابور العصر كما كان يسميه، يحافظ على نظام جنوده، من صفوة رفاقه وخلانه، ويحرص على كبح جماح كل متنطع خرق الحدود فيه .. فهذا عمر ينتظر دوره على أحر من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت