فهرس الكتاب

الصفحة 24439 من 27809

والذي زعم ذلك هو أبو علي محمد بن المظفر الحاتمي، واعتبره معنى ظريفًا، وهو على حق. وأصارحك أن الحاتمي أقرب إلى قلبي من القيرواني. وأوغل في الصراحة أكثر لأقول إنّ قصة والدي، كما رواها، تظل ألصق بذهني، وهي أعمق أثرًا في دنيا النقد من برودة ابن رشيق وصرامته. فالقصة مفادها أن المتلقي قد يكتشف في القصيدة ما لم يخطر على بال الشاعر، والشاعر قد يستحسن هذا الاكتشاف التأويلي ويحتضنه لطرافته أو دقته. وهي تترجم مسار القصيدة التي تلد بثًّا، يكتبه الشاعر لنفسه، ثم تتحول إلى رسالة تتجاوزه .. رسالة تستحوذ على القارئ فيبدعها مرة ثانية، من خلال قراءته المشبعة بالدلالات والإسقاطات الذاتية.

وقصيدتك، أخي الفاضل عصام البشير، تحلِّق في هذه السماء ولا تكاد تخرج عن هذا النمط. فالذي يقرأها يشعر أنها كُتِبت دفعة واحدةً، وخرجَت إلى دنيا الوجود نفَسًا واحد، لا تهدُّج فيه ولا اضطراب. وهذا من أمارات الصدق الفني.

وقارئها يشعر بالذي شعرت به، فيأسى لك ولمن كتبت فيه القصيدة، ثم يشعر أنها موجَّهة إلى كل الأحرار الذين غيَّبتهم في السجون ممالك الظلم والجور في عالَمنا. كما ينتابه الصراع نفسه الذي انتاب الشاعر وعبّر عنه من خلال ثنائيات: العز/الذل، الفراق/اللقاء، القيد/الحرية، النور/الليل، الروح/البدن، الخوف/الأمل، الصدع/الالتئام ...

وممّا شدّني، وأعجبني، وراقني في قصيدتك، قولك:

وأمتطي غربتي على وَجلٍ = وأكسرُ الطرفَ ثمَّ أقتحمُ

إذ فيه حركية جميلة مرقصة، تتجاذب القارئ بين مَدٍّ وجزر، وكر وفر، وإقدام وإحجام. وكأني بالبيت خطة عسكرية أو برنامج عمل أوجز فنّ المنورة والمباغتة في كلمات معدودات! وأجمل ما فيه"امتطاء الغربة"؛ هذه الصورة التي لا تتأتّى إلا لشاعر ناضج ...

وقولك:

ما أَلِمَ القلبُ من فراقِ أخٍ = كمثلِ ما كان عندَ بينِكمُ

هو من الأبيات المستحسَنة، التي ستُختطف منك لتصبح مشاعًا لدى كل الذين يعانون ما تعانيه. وهو من السهل الممتنع.

وكذا قولك:

إن يحبسوا في صِفادهم بدنًا = فالروحُ تسمو برَكبِها الهِممُ

والقصيدة عمومًا أخَّاذة بموسيقاها الداخلية، التي يمتزج فيها الأمل الأبيُّ بالأمل الهادئ. ولو شئت أن أستعير لغة القاص الخيالي الذي علّق على بيت أبي نواس، لقلتُ إنّ كون رويِّها بالميم المضمومة جاء للتبشير باللقاء مرّتين. فالميم لا تنطق إلا بضم الشفتين، وجاءت فوق ذلك مضمومة! نسأل الله أن يفك أسر مَن قيلت فيه، وأسرَ جميع المؤمنين والمستضعفين في الأرض.

وقد استوقفني منها بيت واحد، شعرت أنّ بعض كلماته قلق، وهو قولك:

ما سجنوا قلبك الشفيقَ ولا = عِلما رصينا يبثُّه القلمُ

فكلمة"الشفيق"تحمل عدّة دلالات، وهي في هذا الموضع قد تثير الالتباس. ولو كان محلَّها"الأبيّ"لكان أقوى في أداء المعنى. وكذا الأمر بالنسبة لقولك"علمًا رصينًا"، فظني أن العلم في مقام المدح لا يوصف بالرصانة فقط، بل بما هو أكثر وأوسع من ذلك .. بالغزارة مثلا ... ولن أقترح عليك البديل، احترامًا"لملكيتك الخاصة"...

ولدي ملاحظة أخرى"ذوقية بحتة"على قولك:

أو يكتُموا ذكركمْ بمعتقَلٍ = فعلمُك الثرُّ كيفَ يُكتتمُ؟

وهي تتعلق بالشطر الثاني، وبالفاء تحديدًا .. ولست أدري لماذا يربكني دخول"الفاء"على"علمك"مع وجود"كيف"بعدها؟ ولو كانت"فعلمك الثَّرُّ ليس يُكتتمُ"لكانت أجود وأحسن أداءً للمعنى المراد.

ثم أجبني من فضلك: هل تقصد أنّ العلم لا يمكن أن يكون"كتاميا"؟ (ابتسامة)

وقراءتي للقصيدة أشعرتني أنك في منزلة بين المنزلتين في مسارك الشعري، وأنك دخلت فضاء الشعر المحض بآفاقه الرحبة، بعيدا عن النظم وأثقاله. وما زالت ظلال المحفوظ من المنظوم تحوم من بعيد على إبداعك، لكن مصيرها الزوال، بناءً على التباشير التي تلوح في إبداعك. وظني أنك قريب من شعر النهضة، وأقصد الشعراء المصريين تحديدًا ومن تأثر بهم من الشعراء العرب. والتفتَّ إلى مدرسة الشام وأعلامها، لوجدت فضاءات لم يطرقها شاعر من قبل، إن على مستوى الأسلوب والتركيبة الشعرية، أو على مستوى المضامين والأغراض. ومَن يُدمن قراءة سليمان أبي ريشة، والأخطل الصغير، وبدوي الجبل، سيجني ما يعود على ذائقته الشعرية وموهبته بالخير الكثير، بإذن الله.

هذا، ولعلك أدركت أن كل ما سلف مني من قول إنما هو مجرد انطباعات ذوقية محضة. وأنت أدرى أنّ للنقد أدواته وأهله، وأنني لستُ منهم ...

ولك مني خالص الود، والدعاء بالتوفيق في الدرب الذي سلكته؛ درب حسّان ومَن تبعه من شعراء المعنى النبيل في الثوب الجميل.

ـ [الواحدي] ــــــــ [01 - Nov-2008, مساء 05:05] ـ

تصويبات:

1_ يمتزج فيها الأمل الأبيُّ بالأمل الهادئ.

2_ والتفتَّ إلى مدرسة الشام وأعلامها، لوجدت ...

3_ فن المنورة

1_ يمتزج فيها الألم ...

2_ ولو التفتَّ ...

3_ فن المناورة

ـ [همع الهوامع] ــــــــ [06 - Nov-2008, مساء 07:48] ـ

شكرا لك ... بارك الله فيك ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت