وهو ? الرَّحِيمِ ? الذي جعل الليل والنهار، هذا صالح للسكن، مفيد نومه صحيًا، وهذا للعمل واكتساب الرزق، كما يأتي توضيح ذلك في سورة القصص - إن شاء الله -، ثم هو ? الرحمن ? ذو الرحمة العامة الشاملة لجميع الخلق، حتى الكافر والفاسق والمتمرد، وهو ? الرَّحِيمِ? ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين كما نص على ذلك في الآية (157) من سورة الأعراف، كما سنوضحه بحوله تعالى وقوته، وهو ? الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ? في خلقه وتكوينه، وحسن تصويره، وقسمته للأرزاق، وتشريعه لخلقه من الدين ما يحرر نفوسهم ويزكيها، وتشريعه لهم من الأحكام ما يحصل به عموم الرحمة والسعادة والرفاهية والأمن والعيشة الراضية في الدارين، فتحليله رحمة، وتحريمه رحمة، وعزيمته رحمة، ورخصته رحمة، وعقوباته رحمة، ومصائبه وبلاياه رحمة ظاهرة، لمن تدبرها، وخافيه لمن عمي أو غفل عنها، فهو ? الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ? البالغ في الرحمة غايتها، والذي هو أرحم بخلقه من الوالدة بولدها.
واعلم أنه لا ينافي عموم رحمته ما يجريه على خلقه من النكبات التي هي عقوباته القدرية، ولا ما يفرضه عليهم من العقوبات الشرعية، فإنها كلها رحمة وعدل اقتضته حكمته تأديبًا للجناة رحمة بهم، وبمن جنوا عليه، وإيقاظًا للعصاة الذين فرطوا أو أعرضوا عن هديه، وقد يسلط أعداءه على بعض المسلمين المتعبدين ببعض الشعائر، وهم مهملون لبعضها أو للمهم فيها، كالتواصي بالحق، والتعاون على البر والتقوى، الذي من موجباتها: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد لإعلاء كلمة الله، وكبت المنكرين له في صحفهم وكتبهم الخبيثة، الطاعنين في دينه، المحادين له ولرسوله، بتحبيب الكفر والفسوق والعصيان، في كتبهم وصحفهم، التي لا يجوز للمسلم أن يسمح بها أو يتسع صدره لانتشارها في بلاده؛ كيلا يحرمه الله من رحمته الواسعة؛ لأنه أقسم بحصول الخسران لمن لم يتصف بذلك من بني الإنسان، فكيف يطمع بدوام رحمة الله وشمولها من لم يغضب لله، ومن لم يتمعر وجهه فيه، ولم يحقق محبته بموالاة أحبابه ومعاداة أعدائه، والبراءة منهم، وممن تنكب عن الهدى، ويعمل على أطره على الحق أطرا.
(( هذه الأمور العظيمة ) )التي تستلزم لصاحبها العزم على الجهاد، وإعداد المستطاع من كل قوة لازمة ملائمة يتمكن بها من قمع المفتري على الله، والمعرض عن سبيله، أو المتعرض له بالصد عن الحق والإغراء والفتنة، يسد بذلك الفراغ والثغور، التي ينفذ منها المبطلون من الأحزاب المغرضة المنحرفة، وذوي المبادئ الهدامة، التي تفاقم شرها في هذا الزمان، وطم سيلها الوعر والسهل، والتي تلبس في كل زمان زيًا خاصًا بسبب تفريط المسلمين في هذه الأصول العظيمة، لما انطفأت جمرة الغيرة من قلوبهم، وعكفوا على خرافات وأوضاع ما أنزل الله بها من سلطان، أو اكتفوا بفعل بعض الشعائر التي يأتون بها خالية من الحب والتعظيم لرب العالمين، فأصبحوا بذلك عرضة للعقوبات القدرية التي سنفصلها في تفسير قوله تعالى:? مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ? [النساء: 123] . وخسروا النصيب الأوفر من رحمة الله التي خصصها في سورة الأعراف للمؤمنين المتبعين القائمين بنصرة دينه، فرحمته الكاملة الشاملة لا تُنال بدون ذلك، ومن طمع بها دون أن يسلك مسالكها من تحقيق التقوى والأخذ بالأسباب الواقية فهو العاجز الذي يتمنى على الله الأماني.
والله كتب على نفسه نصرة المؤمن والدفاع عنه، والانتقام من المخالفين بشتى أنواع العقوبات، وقد ينجي بعض الناس مع ما بهم من البدعة التي تأولوها بنية حسنة، لثباتهم على ما هم فيه احتسابًا، وإنفاقهم المال في سبيله لعدم وجود من يوجههم إلى الحق، والله يعامل عباده بحسب نياتهم وقوة غيرتهم نحوه، ومدى اندفاعهم لطاعته وحفظ حدوده، وقد يرى الطبيب الماهر قطع عضو، أو قلع سن؛ فيكون ذلك رحمة لصاحبه وإصلاحًا لحاله. و- لله المثل الأعلى والحجة البالغة -.وسنزيد الموضوع توضيحا عند الكلام على قوله تعالى: ? وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ ? [البقرة:155] إن شاء الله تعالى، ثم إن ? الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ? - جل وعلا -، إذ يعاقب أصحاب المخالفات في الدنيا ويسلط عليهم أعداءهم ولا يبالي بهم في أي وادٍ هلكوا، فإنه لا يضيع من حسناتهم شيئًا في الدار الآخرة، إذا خلصت من نوائب الشرك، وقد يضاعفها لهم بصبرهم أو بأسباب
(يُتْبَعُ)