فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد به أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله ويتلوا به كتاب الله وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير وأمر به من التسبيح والتشهد وغير ذلك. وما ازداد من العلم باللسان الذي جعل الله لسان من ختم به نبوته وأنزل به آخر كتبه كان خيرا له، كما كان عليه أن يتعلم الصلاة والذكر فيها ويأتي البيت وما أمر بإتيانه ويتوجه لما وجه له ويكون تبعا فيما افترض عليه وندب إليه لا متبوعا.
وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب وكثرة وجوهه وجماع معانيه وتفرقها. ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها. فكان تنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة نصيحة للمسلمين، والنصيحة لهم فرض لا ينبغي تركه وإدراك نافلة خير لا يدعها إلا من سفه نفسه وغفل عن حظه. وكان يجمع مع النصيحة لهم قياما بإيضاح حق، وكان القيام بالحق ونصيحة المسلمين من طاعة الله وطاعة الله جامعة للخير. قال النبي (ص) : {إن الدين النصيحة. إن الدين النصيحة. إن الدين النصيحة. لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المسلمين وعامتهم} .
فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها. وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها. وأن فطرته (1) أن يخاطب بالشيئ منه عاما ظاهرا يراد به العام الظاهر ويستغني بأول هذا منه عن آخره؛ و (2) عاما ظاهرا يراد به العام ويدخله الخاص فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه؛ و (3) عاما ظاهرا يراد به الخاص؛ و (4) ظاهر يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره، فكل هذا موجود علمه في أول الكلام أو وسطه أو آخره.
وتبتدئ الشئ من كلامها يبين أول لفظها فيه عن آخره؛ وتبتدئ الشئ يبين آخر لفظها منه عن أوله؛ وتكلم بالشيء تعرفه بالمعنى دون الإيضاح باللفظ كما تعرف الإشارة، ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها لانفراد أهل علمها به دون أهل جهالتها. وتسمي الشئ الواحد بالأسماء الكثيرة وتسمي بالاسم الواحد المعاني الكثرة.
ومعرفة هذه الوجوه التي وصفت واضحة مجتمعة عند أهل العلم بلسان العرب - وإن اختلفت أسباب معرفتهم بها - ومستنكرا عند غيرهم ممن جهل هذا من لسانها، وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة. فتكلف القول في علمها تكلف ما يجهل بعضه، ومن تكلف ما جهل وما لم تثبته معرفته، كانت موافقته للصواب - إن وافقه من حيث لا يعرفه - غير محمودة وكان بخطئه غير معذور والله اعلم.