1_ أورد الناظم قاعدة"المشقة تجلب التيسير"بنصها في مؤلفاته الأخرى، دون إردافها بتعقيب أو تحفظ.
2_ يعتبر الشارح تعبير الناظم أوْلى من تعبير الفقهاء. وغاب عنه أن المنطق كان يقتضي العكس، لأن النظم يلجئ أحيانًا إلى عبارات وتراكيب تفرضها قيود الشعر، من وزن وقافية. وإذا كان التوفيق لم يحالف الشيخ السعدي -رحمه الله- في إيراد القاعدة بلفظها في منظومته، فقد حالف غيره، ومنهم بعض الشافعية في قوله:
خَمسٌ مقرّرة قواعد مذهب للشافعيِّ فكن بهنَّ خبيرا
ضرر يزال، وعادة قد حُكِّمَت --- وكذا المشقة تجلب التيسيرا
والشك لا ترفع به متيقَّنًا والنيةَ اخْلص إن أردتَ أجورا
3_ في شرحه للبيت المشار إليه، يقول الشارح:"يقول المؤلف هنا: التعسير سبب للتيسير". وهذا الشرح مفارق لما جاء في المنظومة، إذ فرق كبير بين القاعدة التي يقترحها الشارح وقول الناظم"في كل أمر نابَه التعسير". ومعناه: أن المشقة إذا طرأت على المكلَّف لجأ إلى التيسير المشروع له في مثل هذه الحالات.
4_ يقول الشارح:"إنّ الشريعة جاءت بنفي العسر، ولا يوجد فيها نفي المشقة". لكنه لا يعطي حدًّا يعكس مفهومه للعسر ومفهومه للمشقة، حتى يتسنّى التمييز بينهما. كما أنّ الشريعة جاءت لنفي المشقة (ولا فرق بينها وبين العسر) ، بدليل قول الرسول صلّى الله عليه وسلَّم:"لولا أن أشُقَّ على أمَّتي ...". فتبيّن من ذلك أنّ مجانبة المشقة من خصائص الشرع ومقاصده.
5_ والعسر هو كون الأمر متعسِّرًا، أي صعبًا مشتدًّا، وهو بمعنى الشاق. فلا معنى للتمييز بينهما. بل المشقة أدق من العسر، لأن العسر يأتي بمعنى الضيق والضنك والبلاء.
6_ أشار الشارح إلى أنّ أحكام الشارع لا تخلو من نوع مشقة. وهذا الأمر قرره شرّاح القاعدة بلفظها؛ لكنهم فرقوا بين المشقة التي لا تنفك عنها العبادات غالبا، والعبادة التي تنفك عنها العبادة غالبا، واعتبروا أنّ القاعدة تنطبق على الصورة الثانية. وبالصورة التي ذكرها الشارح، يقال أيضا: الحياة كلها لا تخلو من نوع مشقة.
7_ أراد الشارح أن يتجنب لفظ المشقة، فوقع في المحذور. فقوله"التعسير سبب للتيسير"، مؤداه أن في الشرع ما غايته التعسير؛ والأمر خلاف ذلك. وفرق كبير بين"العسر"والتعسير". فالعسر ما يجده المكلَّف في نفسه إزاء بعض التكاليف في حالات معينة. أمّا التعسير، فهو منتَفٍ في حق الشارع بدليل النص والاستقراء، ومنتفٍ أيضا عادة وتغليبًا في حق المكلّف؛ اللهمّ إلا في صورة من الصور المتعلقة بالمشقة الزائدة عن المشقة الاعتيادية، كحال مَن يُلزِمون أنفسهم قيام الليل كله وما إلى ذلك من الأمثلة ..."
وفي التعريف المقترح أيضًا تناقض، فالسبب ليس بذاته موجبًا للحكم، بل جعله الشارع موجبًا للحكم.
8_ قال الشارح:"وليعلم بأن العسر ليس جالبا للتيسير بذاته، وإنما الجالب للتيسير هو الشارع، فإنما يقال: العسر سبب للتيسير، أو يقال:المشقة سبب للتيسير، ولا يصح أن يقال: المشقة تجلب التيسير، يعني: ليست هي الجالبة بذاتها وإن كانت هي تجلب بأمر الله، لكن ظاهر العبارة أنها تجلب بنفسها". وكأنه يغفل عن أنّ الفقهاء والأصوليين في مقام التقعيد، يوجزون العبارة ويُهملون ما هو مسلَّم به لوضوحه. إذ كل الذين تناولوا القواعد الفقهية بالشرح أكدوا أنّ جلب المشقة للتيسير مشروط بعدم مصادمة ذلك للنص، كما أشاروا إلى أنّ"الجلب"مرتبط بوجود الحرج، والحرج مدفوع بالنص. قال تعالى: (ومَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)
9_ اختار الشارح كلمة"سبب"بدل"تجلب"، فقال:"فإنما يقال: العسر سبب للتيسير، أو يقال:المشقة سبب للتيسير". والقاعدة بهذا اللفظ تؤدي إلى النتيجة التالية: انتفاء المشقة يؤدي إلى انتفاء التيسير! أو: انتفاء المشقة يؤدي إلى التعسير! إذ من المعلوم أن وجود السبب يستلزم حتما وجود المسبب، وانعدام السبب يستلزم حتمًا انعدام المسبَّب؛ فيلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم. وظني أن علماء هذا الفن كانوا واعين بهذا الإشكال، ولهذا اعتبروا المشقة"جالبة"للتيسير، ولم يعتبروها سببا، أو شرطًا، أو علّة. فالتيسير موجود أصلا في الشرع، لأن الدين يسرٌ كلُّه، كما جاء في الحديث. والمشقة تجلب التيسير، أي: تؤدي إليه؛ لكنها لا تُلزم المكلَّف الأخذَ به، اللهم إلا في الحالات التي يخشى فيها الهلاك أو تلف عضو وما شاكل ذلك.
10_ قال الشارح:"إذا تقرر ذلك وأن الشريعة لم تقصُد المشقة لذاتها؛ فإنه لا ينبغي لنا أن نقصد المشقة، لو كان الفعل يمكن أن يؤدّى بدون مشقة؛ فإن قصْد المشقة ليس مشروعا".
والمسألة ليست على إطلاقها، بل تحتاج إلى تفصيل؛ تماما مثلما لا تصح قاعدة"الثواب على قدر المشقة"على إطلاقها، كما بيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية. وباختصار: هناك فرق بين من يقصد المشقة ابتداعا (كحال الذي نذر في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلَّم أن لا يتزوج ولا يفطر ولا يستظل) ، ومن يقصدها اتباعًا وانتفاعًا بالأجر (كالذي يسلك الطريق الأطول إلى المسجد بنية زيادة الأجر على كثرة الخُطا) ...
وما استوقفني اختيار هذه الفائدة، ولا نشطت إلى التعليق عليها إلا أمر واحد وهو: خشية أن يقرأها أحدهم فيفهمها فهمًا خاطئا، ويستنتج منها تبديع أو تكفير كل من يقول"المشقة تجلب التيسير"، محتجًّا بأنّ الجالب للتيسير الشارعُ لا المشقة! كما أخشى أن يتوسع بعضهم في هذا المجال، فيعترض -مثلا- على قول الفقهاء"الجنابة توجب الغسل"، بحجة أنّ الشارع هو الذي أوجب الغُسل عند طروء الجنابة، لا الجنابة ذاتها!
وأمنيتي أن يثري الإخوة الأصوليون هذا الموضوع.
والله الهادي إلى سواء السبيل.
* ملاحظة: لاحظت على عدد من أبيات المنظومة اضطرابات عروضية، فهل هذا من أخطاء الناشرين؟ أم يعود إلى أن الشيخ السعدي -رحمه الله- لم يكن من المكثرين في فن المنظومات العلمية؟ أفيدونا، بارك الله فيكم.