فهرس الكتاب

الصفحة 15693 من 27809

وليتدبر الطالب في قصة الماوردي التي أتحفنا بها الفاضل أشرف فإن فيها من العبر والمعاني ما لا يستغنى عنه في أدب الطلب والتحصيل

وها أنا أردفها بقصة تعالج ما عالجته وفي الباب غيرهما:

قال أبو الحسن علي بن المديني:

"قدمت الكوفة فعنيت بحديث الأعمش فجمعتها فلما قدمت البصرة لقيت عبد الرحمن _يعني ابن مهدي_فسلمت عليه"

فقال: هات يا علي ما عندك

فقلت: ما أحد يفيدني عن الأعمش شيئا

قال: فغضب فقال: هذا كلام أهل العلم، ومن يضبط العلم ومن يحيط به، مثلك يتكلم بهذا أمعك شيء تكتب فيه؟

قلت: نعم

قال: اكتب

قلت ذاكرني فلعله عندي

قال: اكتب لست أملي عليك إلا ما ليس عندك

قال: فأملى علي ثلاثين حديثا لم أسمع منها حديثا.

ثم قال: لا تعد

قلت: لا أعود

[تتبع أحاديث الشيوخ الذين لم ألقهم لم أكتب حديثهم نازلا كمنصور بن أبي الأسود]

قال علي: فلما كان بعد سنة جاء سليمان _يعني الشاذكوني_ إلى الباب

فقال: امض بنا إلى عبد الرحمن حتى أفضحه اليوم في المناسك

قال علي: وكان سليمان من أعلم أصحابنا بالحج

قال: فذهبنا فدخلنا عليه فسلمنا وجلسنا بين يديه

فقال: هاتا ما عندكما وأظنك يا سليمان صاحب الخطبة

قال: نعم ما أحد يفيدنا في الحج شيئا فأقبل عليه بمثل ما أقبل علي

ثم قال: يا سليمان ما تقول في رجل قضى المناسك كلها إلا الطواف بالبيت فوقع على أهله؟ فاندفع سليمان فروى: يتفرقان حيث اجتمعا ويجتمعان حيث تفرقا

قال: ارو ومتى يجتمعان؟ ومتى يفترقان؟

قال: فسكت سليمان

فقال: اكتب وأقبل يلقي عليه المسائل ويملي عليه حتى كتبنا ثلاثين مسألة في كل مسألة يروي الحديث والحديثين ويقول: سألت مالكا وسألت سفيان وعبيد الله بن الحسن

قال: فلما قمت قال: لا تعد ثانيا يقول مثل ما قلت فقمنا وخرجنا

قال: فأقبل علي سليمان فقال: إيش خرج علينا من صلب مهدي هذا كأنه كان قاعدا معهم سمعت مالكا وسفيان وعبيد الله""

جامع الخطيب (277/ 2) ، تذكرة الذهبي (330/ 1)

ذكرها الخطيب في باب المذاكرة مع الشيوخ وذوي الأسنان

وهذا من فقهه رحمه الله

ايه والله لقد صدق الإمام المربي أبو سعيد ليس هذا كلام أهل العلم، ومن يضبط العلم ومن يحيط به

ـ [أشرف بن محمد] ــــــــ [16 - Oct-2008, صباحًا 07:07] ـ

بارك الله فيك أخي الفاضل أمجد، وجزاك الله خيرا،

قولك: ( .. سليمان _يعني الشاذكوني_) .

أقول: خالفك الشيخ الحبيب عبد الرحمن السديس، فقال:

(وسليمان ـ أظنه ـ ابن حرب الإمام الثقة الأزدي البصري قاضي مكة) .

فما قولك؟ - ابتسامة -

ـ [أبو مالك العوضي] ــــــــ [16 - Oct-2008, صباحًا 07:37] ـ

جزاكم الله خيرا وبارك فيكم.

وهنا نكتة لطيفة أود توضيحها في كلام العلامة الماوردي رحمه الله، ولعلها واضحة عندكم، ولكن أذكرها لضعاف الفهم من أمثالي.

لو افترضنا أن جميع مسائل العلم 10، وأن فلانا من الناس يعرف هذا، فهل هذا يعني أنه قد حصل شيئا منها؟

الجواب: لا، لأنه يعلم فقط عدد المسائل دون المسائل نفسها.

طيب: ماذا نسمي هذا العلم الذي عنده إن لم يكن علما؟

الجواب: نسميه (سعة الأفق) و (اتساع النظر) و (قوة المدارك) ونحو ذلك من العبارات، وعكسها (ضيق الأفق) و (قصر النظر) و (ضعف المدارك) ونحوها.

والآن: لو افترضنا أن هذا الإنسان حصل من هذه المسائل خمسا، فماذا يكون شعوره؟

الجواب: يكون شعوره أنه قد حصل نصف العلم الموجود في الدنيا!

طيب: إذا كانت المسائل التي حصلها تسعا، فماذا يكون شعوره؟

الجواب: يكون شعوره أنه أوشك على أن يحيط بكل شيء علما!

وعند ذلك يصيبه العجب بنفسه، ويشمخ بأنفه، ويظن أن ليس في الوجود مثله، ويصير دأبه الدندنة حول (لم ير الزمان مثلي) .

ولكن هذا الافتراض الذي افترضناه بعيد الوقوع؛ لأن المتوقع من كل عاقل أنه مع كل مسألة يحصلها يحصل عنده زيادة في الأشياء السابق ذكرها: (سعة الأفق) و (اتساع النظر) و (قوة المدارك) ...

ومعنى هذا أنه مع كل مسألة يحصلها يزداد في الوقت نفسه عدد مسائل العلم من وجهة نظره، فمثلا كلما حصل مسألة زادت مسائل العلم عنده عشرًا أو خمسا أو نحو ذلك.

حتى إذا حصل خمس مسائل مثلا، صارت نهاية العلم من وجهة نظره 100 مسألة مثلا.

ولكن الناس يختلفون في النسبة بين تحصيل العلم واتساع المدارك، فقد تكون هذه النسبة ضئيلة جدا بحيث تكون مسائل العلم قريبة من عدد المسائل التي حصلها، فتكون نهاية العلم عنده بعد خمس مسائل 15 مسألة فقط!!

فالشخص الأول من وجهة نظره حصل 5 مسائل من 150 لأنه واسع الأفق

والشخص الثاني من وجهة نظره حصل 5 مسائل من 15 لأنه ضيق الأفق

فبطبيعة الحال يشعر الأول أن أمامه مسافة بعيدة في تحصيل العلم، في حين يشعر الثاني أنه قد حصل ثلث العلم!

وهنا نصل لنتيجة عجيبة جدا مع أنها منطقية بل تكاد تكون بدهية:

وهي أن الإنسان كلما ازداد علما ازداد في الوقت نفسه مقدار ما في الوجود من علم من وجهة نظره، وبذلك يشعر أن علمه يقل كلما ازداد علما!! لأن النسبة بين ما حصله وبين ما بقي تقل!

وهذا معنى ما قاله بعض السلف: إن الإنسان كلما ازداد علما ازداد بصرا بجهله.

والله تعالى أعلم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت