الأحكام المتعلقة بالوعد:
تتعلق بالوعد أحكام، منها:
الوفاء بالوعد:
الوعد إما أن يكون بشيء منهي عنه أو بشيء واجب أو بشيء مباح أو مندوب.
أما الوعد بشيء منهي عنه فلا خلاف بين الفقهاء في أنه لا يجوز له إنجاز وعده، بل يجب عليه إخلافه شرعا.
قال العلماء: من وعد بما لا يحل أو عاهد على معصية، فلا يحل له الوفاء بشيء من ذلك،كمن وعد بزنا أو بخمر أو بما يشبه ذلك. فصح أن ليس كل من وعد فأخلف أو عاهد فغدر مذموما ولا ملوما ولا عاصيا، بل قد يكون مطيعا مؤدي فرض.
وأما من وعد بشيء واجب شرعا، كأداء حق ثابت أو فعل أمر لازم، فإنه يجب عليه إنجاز ذلك الوعد.
وأما من وعد بفعل شيء مباح أو مندوب إليه، فينبغي عليه أن ينجز وعده، حيث إن الوفاء بالوعد من مكارم الأخلاق وخصال الإيمان، وقد أثنى المولى جل وعلا على من صدق وعده فامتدح إسماعيل عليه السلام بقوله: {إنه كان صادق الوعد} ، وكفى به مدحا، وبما خالفه ذما.
وقد اختلف الفقهاء في حكم الوفاء بذلك على سبعة أقوال:
أحدها: أن إنجاز الوعد واجب.
وإلى هذا المذهب ذهب عمر بن عبد العزيز والقاضي ابن الأشوع الكوفي الهمداني وابن شبرمة، وهو وجه في مذهب أحمد اختاره تقي الدين ابن تيمية، وهو قول في مذهب المالكية.
وحجتهم على هذا الرأي قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} .
وكذلك ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان.
القول الثاني: أن إنجاز الوعد واجب إلا لعذر، وهو رأي ابن العربي، فإنه قال: والصحيح عندي أن الوعد يجب الوفاء به على كل حال إلا لعذر.
وقال أيضا: وإذا وعد وهو ينوي أن يفي، فلا يضره إن قطع به عن الوفاء قاطع كان من غير كسب منه، أو من جهة فعل اقتضى ألا يفي للموعد بوعده، وعليه يدل حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه مرفوعا: إذا وعد الرجل وينوي أن يفي به فلم يف، فلا جناح عليه.
القول الثالث: يجب الوفاء بالوعد ديانة لا قضاء، وهو رأي تقي الدين السبكي الشافعي، قال: ولا أقول يبقى دينا حتى يقضى من تركته، وإنما أقول: يجب الوفاء تحقيقا للصدق وعدم الإخلاف.
القول الرابع: أن الوفاء بالوعد مستحب، فلو تركه فاته الفضل وارتكب المكروه كراهة تنزيه شديدة، ولكن لا يأثم. وهو رأي جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم.
قال النووي: الوفاء بالوعد مستحب استحبابا متأكدا، ويكره إخلافه كراهة شديدة، ودلائله في الكتاب والسنة معلومة ولاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء.
وقال برهان الدين ابن مفلح: لا يلزم الوفاء بالوعد، نص عليه الإمام أحمد، وقاله أكثر العلماء لأنه في معنى الهبة قبل القبض.
ونص أبو بكر الجصاص على أن الوعد بفعل يفعله في المستقبل وهو مباح، فإن الأولى الوفاء به مع الإمكان.
القول الخامس: أن إنجاز الوعد المجرد غير واجب، أما الوعد المعلق على شرط، فإنه يكون لازما، وهو مذهب الحنفية، حيث نقل ابن نجيم عن القنية: لا يلزم الوعد إلا إذا كان معلقا وفي الفتاوى البزازية: أن المواعيد باكتساء صور التعليق تكون لازمة. ونصت المادة (84) من مجلة الأحكام العدلية: المواعيد بصور التعاليق تكون لازمة.
مثال ذلك: لو قال شخص لآخر: ادفع ديني من مالك، فوعده الرجل بذلك، ثم امتنع عن الأداء، فإنه لا يلزم الواعد بأداء الدين، أما قول رجل لآخر: بع هذا الشيء لفلان، وإن لم يعطك ثمنه فأنا أعطيه لك، فلم يعط المشتري الثمن،لزم المواعد أداء الثمن المذكور بناء على وعده.
وأساس المسألة عند الحنفية: أن الإنسان إذا أنبأ غيره بأنه سيفعل أمرا في المستقبل مرغوبا له، فإذا كان ذلك الأمر غير واجب عليه، فإنه لا يلزمه بمجرد الوعد؛ لأن الوعد لا يغير الأمور الاختيارية إلى الوجوب واللزوم. أما إذا كانت المواعيد مفرغة في قالب التعليق، فإنها تلزم لقوة الارتباط بين الشرط والجزاء، من حيث إن حصول مضمون الجزاء موقوف على حصول شرطه، وذلك يكسب الوعد قوة، كقوة الارتباط بين العلية والمعلولية، فيكون لازما.
(يُتْبَعُ)