فهرس الكتاب

الصفحة 14825 من 27809

مدرسة الأثر أو الحديث أو الحجاز وكلها أسماء لمسمى واحد كانت تجيب على مسائل واقعة ولا يفترضون المسائل , بل ينهون عن ذلك.

أما مدرسة الأثر أو الرأي كانت في البداية تنهج الفقه الواقعي , ثم بدأت تتجه نحو الفقه الافتراضي أو التقدير: لو حصل كذا فالحكم كذا .. , لكن لم يسلكوا هذ الطريق إلا بعد أن علموا علل الأحكام وعرفوا القواعد والضوابط الشرعية للمسائل.

كما أن الكوفة لم تكن موافقة للمدينة في طريقة العيش والحياة؛ فالمدينة حياة بسيطة قريبة من عصر النبي صلى الله عليه وسلم , أما الكوفة فحياة معقدة كثر فيها وضع الحديث والكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك , فكان من تقدير الله ورحمته خروج مثل هذه المدرسة حماية للشريعة ورعاية لها.

4)من أوائل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع الهجري.

هذا العصر نما فيه الفقه نموا عجيبا وبرز بروزا شديدا , ونضج فيه الفقه بل عده كثير من العلماء بأنه العصر الذهبي للفقه لما في هذا الدور من ظهور النوابغ وأهل الاجتهاد والصنعة الفقهية ولتأسيس المذاهب الفقهية التي لا زالت باقية إلى يومنا هذا , كما أنه عصر تدوين الفقه وضبط مسائله وقواعده وجمع أشتاته. وصاحب ذلك تدوين السنة تدوينا كاملا شاملا.

ومن أسباب ذلك:

عناية الدول بالعلم - وفي هذا إشارة إلى أن العالم الإسلامي لا يمكن أن ينهض من دون هذا الجانب فلابد للسياسة من شريعة تضبطها ولابد للشريعة من سياسة تقيمها وترعاها -. فقد عني الخلفاء في الدولة العباسية بالعلماء ورجعوا إلى آرائهم.

ومن الأسباب كذلك وجود علماء ذوي ملكات فقهية راسخة ومن أسباب معرفة صحيح السنة من ضعيفها مما أدى إلى معرفة الحكم الشرعي والرجوع إليه.

وفي هذا العصر ظهرت المذاهب الفقهية - وهو موضوع المجلس القادم بإذن الله تعالى - وبانت معالمها وكثر مريدوها , وألفت الكتب الفقهية في كل مذهب. وهذه من أبرز سمات هذا العصر.

5)من منتصف القرن الرابع الهجري إلى سقوط بغداد سنة 656 للهجرة.

بعد العصر السابق والذي شهد تناميا للفقه وازدهارا عظيما أصيب الفقه بالركود وذلك لركون الكثير من الطلاب إلى ما دُوِّن في العصر السابق حتى دعا بعضهم إلى إغلاق باب الاجتهاد! - وإن كان بعضهم قد دعى لمثل ذلك حين رأى تلاعب الناس في الاجتهاد , وكل يفتي من عنده والحجة الاجتهاد فكثرت الفتاوى الباطلة والمخالفة - وانتشر التقليد وعظم في هذا العصر فالتُزِمت المذاهب فلم يحد عنها ولم ينظر للدليل هل وافق المذهب أم خالفه بل المذهب هو الصحيح في كل حين! فخالف الفقيه اسمه وإن صح التعبير فلم يكن في هذا العصر فقهاء والسبب كما ذكرنا سابقا أن المقلد لا يعد فقيها وقد حكى ابن عبدالبر الإجماع على ذلك!

ولعل من أسباب ذلك ما يلي:

ضعف السلطان العباسي في ذلك الوقت , وانقسام الدولة إلى دويلات , تعظيم شأن السابقين تعظيما خارجا عن المعقول واحتقار النفس والذات , تدوين الفقه واكتماله مما جعل بعض العلماء يكف عن البحث والتأليف والاجتهاد ويركن إلى التقليد.

من أبرز سمات هذا العصر:

ضبط مدونات المذاهب والكتب والأقوال عن الإمام والأصحاب , وتوضيح ما أشكل منها , وشرح المجمل فيها ونحو ذلك من الاشتغال بالمصنفات الفقهية , كل في مذهبه!

6)من سقوط بغداد سنة 656 إلى وقتنا الحاضر.

هذا الدور قد يكون من أطول الأدوار عمرا لأنه عمره يقارب 800 سنة , وخلال الثمان قرون الماضية لاشك أن الفقه مر بأفذاذ من العلماء قد يعبر عنهم بأنهم أوقدوا شمعة لكن يقينا لم يزيلوا الظلام , فعصر التقليد والجمود ما زالت أثاره باقية , لكن هذا لا يمنع من الصدع بالحق وإرشاد الناس إلى سلوك الطريق الصحيح فكان من أولئك ابن دقيق العيد والعز بن عبدالسلام وابن تيمية وابن القيم والشوكاني وغيرهم من الأئمة الجهابذة.

وكان في هذا العصر التأليف والاختصار لبعض المصنفات وكانت الحواشي على بعضها وهي أشبه ما تكون بالملاحظات والتعليقات عليها.

كما أن الفقه في هذه المرحلة دخل في جانب التقنين! فالدولة العثمانية سعت في تقنين أحكام المعاملات لما رأت الحاجة إلى ذلك فأخرجت مجلة الأحكام العدلية قانونا للمعاملات في الدولة العثمانية وهي على الراجح من المذهب الحنفي , استغرق العمل فيها قرابة ثمان سنوات من عام 1285 حتى 1293 عمل فيها علماء كبار برئاسة وزير العدل آنذاك؛ ثم درج البقية على مثل ذلك في العراق ومصر وتونس والمغرب وغيرها حتى الدولة السعودية أخرج الشيخ أحمد بن عبدالله القارئ مجلة الأحكام الشرعية وهي جهد شخصي منه رحمه الله قام على تحقيق هذه المجلة أ. د. عبدالوهاب أبو سليمان وَ أ. د. محمد إبراهيم محمد علي.

ثم بعد هذه الحقبة من الزمن؛ انفتح العالم الإسلامي وانتشرت فيها العلوم والجامعات والدراسات النظامية فكان للجامعات الإسلامية نصيب من ذلك وفتحت الأقسام التي تهتم بعلم الفقه وتدريسه وجلس العلماء لتدريس هذا الفن والإفتاء فيه , وأنشأت المجامع الفقهية والمؤسسات الشرعية المتخصصة في هذا الجانب , ولا زال النمو في هذا الجانب ومع ذلك بقيت بعض آثار المذهبية والتعصب لها عند بعض من يطلب هذا الفن!

وإلى مجلس قادم والله تعالى أعلم وأكرم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت