ما الفرق بين العلة والحكمة؟ أرجو ضرب أمثلة حتى يتضح الفرق، مثل العلة أو الحكمة من النوم على الشق الأيمن، وتحريم الخمر، والوضوء من أكل لحم الإبل.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
العلة والحكمة مصطلحان من المصطلحات الأصولية، وقد تكلم عنهما الأصوليون في مواضع مختلفة من كتبهم الأصولية، وأكثر ما يكون ذلك في مباحث القياس ومباحث المصلحة.
وهذان المصطلحان بينهما قدرٌ من التشابه، مما يجعل أحدهما قد يلتبس بالآخر، والبحث في الفرق بين هذين المصطلحين من المسائل الشائكة التي اختلفت النقول فيها عن أهل العلم، ونحاول فيما يأتي أن نبين بعض الجوانب المتعلقة بكل منهما مما قد يساعد في إبراز الفرق بينهما، فأقول: اختلف أهل العلم في تعريف العلة على أقوال كثيرة، من أشهر هذه الأقوال: أن العلة: الوصف الظاهر المنضبط المعرِّف للحكم، فمثلًا: جعل الشارع قطع يد السارق حدًّا من الحدود الشرعية، وإذا بحثنا عن علة هذا الحكم نجد أنها: السرقة، والسرقة من الأوصاف الظاهرة التي لا تخفى على أحد، كما أنها منضبطة لا تختلف من شخص لآخر أو من مكان لآخر، وإذا تحققنا من وجود السرقة فإنها تعرّفنا على وجود الحكم الذي هو قطع اليد إذا تمت شروطه.
أما الحكمة فهي: ما يترتب على مشروعية الحكم من جلب مصلحة أو دفع مفسدة، أوهي: المصلحة التي قصد الشارع من تشريع الحكم تحقيقها أو تكميلها, أو المفسدة التي قصد الشارع بتشريع الحكم دفعها أو تقليلها، وكما قلنا في قطع يد السارق: إن علته السرقة، فإن الحكمة من تشريع هذا الحد: حفظ أموال الناس وحمايتها وصيانتها.
وبهذا يتبين أن حكمة الحكم: هي الباعث على تشريعه, والغاية المقصودة منه, أما علة الحكم فهي الأمر الظاهر المنضبط الذي بنى الشارع الحكم عليه، وربطه به وجودًا وعدمًا; لأن من شأن بنائه عليه وربطه به أن يحقق حكمة تشريع الحكم.
ويترتب على هذا أن الحكمة مبنية على العلة، فإذا عرفنا العلة أمكننا معرفة الحكمة، أما إذا خفيت علينا العلة فإنه لا يمكننا التعرف على الحكمة، وهذا الأمر يجعلنا نتعرض لأقسام الأحكام الشرعية من حيث معرفة العلة، وهي قسمان:
القسم الأول: أحكام معقولة المعنى، وهذه الأحكام يمكن معرفة عللها، مثل: تحريم الخمر، ومشروعية القصاص، وما إلى ذلك، وهذا القسم يمكن معرفة الحكمة من مشروعيته.
القسم الثاني: أحكام غير معقولة المعنى، فلا يمكننا معرفة العلة فيه، وهذا لا يدل على أن هذه الأحكام ليس لها علل، بل لها علل لكن خفيت علينا، ويطلق العلماء على هذا النوع من الأحكام: الأحكام التعبدية، مثل عدد ركعات الصلاة، وتقبيل الحجر الأسود، ومسح أعلى الخف، ونحو ذلك، وفي هذا القسم لا يمكن معرفة الحكمة من مشروعيته؛ لعدم التعرف على العلة، لكن يجب الإيمان به، واعتقاد أنه لم يُشرع لنا إلا لحكمة خفيت علينا.
ومما يحسن التنبيه إليه أن العلة نوعان:
الأول: العلة بمعناها المتقدم، وهي التي يستخدمها أهل العلم في عملية القياس الشرعي المعروف.
الثاني: العلة الغائية، وهي بمعنى الأهداف المرجوة من أي حكم من الأحكام، والعلة بهذا المعنى تكون مرادفةً للحكمة، فمثلًا: جاء الشرع بمشروعية قصر الصلاة في السفر، والعلة الاصطلاحية في هذا الحكم: السفر. والعلة الغائية التي بمعنى الحكمة: دفع المشقة والضيق عن الناس، وكذلك الإفطار في السفر، فإن علة هذا الحكم: السفر. والعلة الغائية التي بمعنى الحكمة: دفع المشقة والضيق عن الناس.
هذا. والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
منقول بتصرف من موقع الاسلام اليوم
ـ [الجواد المغربي] ــــــــ [17 - Mar-2008, مساء 02:35] ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وضح الفرق بينهما؛ إن شاء الله؛ وسنميز بينهما في كتاباتنا في المستقبل.
الذي دعاني للسؤال أحد النصوص المذكورة في الصفحة لم تمز بينهما فيما أعتقد ...
الله الموفق للصواب.
ابتسامة
ـ [ابو محمد الغامدي] ــــــــ [17 - Mar-2008, مساء 08:48] ـ
شكرا لك ... بارك الله فيك ...
ـ [محمد أبو حذيفة] ــــــــ [30 - May-2008, صباحًا 06:29] ـ
بارك الله فيكم أجمعين ...
وأنا أرجو منكم من كان عنده أي كتاب قديم أو حديث في حكمة التشريع الإسلامي في الحدود والمعاملات والعبادات يرسله لي على عنواني البريدي[email protected]
وهذا للضرورة الملحة والقصوى ... وأنا لكم شاكر معروفكم
ـ [ابو محمد الغامدي] ــــــــ [30 - May-2008, مساء 08:01] ـ
اخي الكريم تقول من كان عنده أي كتاب قديم أو حديث في حكمة التشريع الإسلامي في الحدود والمعاملات والعبادات
اقول منها كتاب اعلام الموقعين لابن القيم رحمه الله
شكرا لك ... بارك الله فيك ...
ـ [عبد الرحبم بن فتى] ــــــــ [26 - Nov-2009, مساء 05:11] ـ
وفقك الله ياغامدي
كلام جميل في غاية الأهمية والناس محتاجون له اليوم
صحيح أن العقل له حدود لايمكنه أن يتجاوزها فهو تماما كالجسم
نضرب مثلا: قامة الإنسان لها حدود فهو يرى السقف لكنه لايمكنه أن يلمسه بيده
فكذلك العقل له حدود
(يُتْبَعُ)