ـ [طالب الإيمان] ــــــــ [07 - Feb-2010, مساء 01:30] ـ
ولهذا قررت أنني أقبل في أبواب التفسير ما يكون من إضافة أصحاب التفسير العلمي الحديث لتفسير آية من الآيات ما لم يكن إثبات ما جاءوا به مؤديا إلى إبطال جميع ما كان عليه الأوائل في فهم هذه الآية، والخروج على ما يمكن أن يؤخذ منه بالمطابقة أو اللزوم أو التضمن!
وهذا عينُ ما أردنا شيخ أبي الفداء، ألا و هوَ التنوّع المقبول، و لذلك قلتُ في أولِ مشاركةٍ لي (في موضوع الأخ بكر) أنهُ إنْ كان هناك تعارض بين التفسير العلمي الحديث و مقتضيات اللغة، أو إجماعات السلف، فتقدم اللغة بلا شكّ، ما دمنا لا نستطيع الجمعَ بين التفسيرين، أما إنْ استطعنا الجمع و لا تعرض فلا إشكال في التنوع و قبول ما تحتمله الآية الواحدة (بل يجب قبول التنوّع) ، شكرًا لك على هذا التقرير.
ـ [طالب الإيمان] ــــــــ [07 - Feb-2010, مساء 01:36] ـ
وإلا فالأمة لا تخلو بمجموعها في قرن من القرون - ولا بد - من وجود العلم بمرادات الرب من كلامه (محكمه ومتشابهه) منثورا فيها، علمه من علمه وجهله من جهله.
فهل يُفهم من كلامكِ أنّ في (قرن الصحابة) ، هناك ما لم يفهم بتفصيله أو بوجهٍ من وجوه الفهم؟
ـ [أبو الفداء] ــــــــ [07 - Feb-2010, مساء 05:12] ـ
فهل يُفهم من كلامكِ أنّ في (قرن الصحابة) ، هناك ما لم يفهم بتفصيله أو بوجهٍ من وجوه الفهم؟
ليس كذلك .. فلو صح هذا - بهذا التحرير - لكان لازمه تخلف بلوغ مراد الرب من شيء من خطابه لأول المخاطبين به، وهذا ممتنع .. فلم يرد في الوحي أن من خطاب الشرع أو نصوصه ما لن يفهمه ولن ينتفع به الناس (في إقامة الحجة والإصلاح والهداية وعموم الغاية التي أنزل القرءان من أجلها) إلا في قرون لاحقة! بل النص واضح على أن الأمة لا تخلو من قائم بالحق في أي قرن من القرون، وعلى أن القرون الأولى خير (في الجملة) في الاستفادة من نصوص التنزيل مما يليها.
ولكن في المسألة تفصيل مهم.
فإن اعتبرنا أن معاني ومرادات الخطاب القرءاني في كل منها أصل وفروع، بحيث أن الأصل هو ما تقوم به الحجة ويفهم به مراد الرب جل وعلا على الوجه الأكمل، فهذا الأصل يلزمنا أن نسلم بوجوده - ولابد - في القرون الأولى وعدم خلوها منه في أي نص من النصوص .. أما ما يزيد على هذا من مزيد إشارة لطيفة أو ربط بين آيتين في وجه من الوجوه أو زيادة بيان لفائدة متفرعة على ذلك الأصل، فهذا قد يتخلف ظهوره بحسب اجتهاد الحذاق في كل زمان، ولا يلزم من تخلفه في القرون الأولى تجهيلهم بمراد ربهم من التنزيل، فالنص واضح على أن الكتاب مفصل تفصيلا وافيا بلسان عربي مبين لا غموض فيه ولا إلغاز، والله أعلم. فالسابقون في غنية عما جاء به اللاحقون .. وأما اللاحقون فلا غنية لهم عن لزوم سبيل السابقين، وإنما يطلبون معرفته بما آتاهم الله من الوسائل.
ومثال ما أضافه المتأخرون (أعني بالنسبة لقرن الصحابة) من هذا: ما فصله أهل العلم من أوجه بلاغية ونحوية في كتاب الله قعدوا ونظروا لما تحققه تلك الأوجه من فوائد معنوية في الآيات لم يقف عليها - على هذا النحو - أحد من الصحابة رضي الله عنهم، ولكنهم كانوا يشهدون بأن الصحابة لم يكونوا بحاجة إليها. فالغاية الربانية منها كانت متحققة فيهم قطعا من غير أن يقفوا على هذا التقسيم والتحرير الذي ظهر لاحقا لاستخراجها بقواعد أهل اللغة .. وفهمهم لها كان أدق وأقرب إلى إصابة مراد الله - بطبيعة الحال - من فهم من جاء بعدهم، وما اجتهد المتأخرون عليهم في التحرير والبيان والتقعيد والتأصيل وربط الآيات ببعضها البعض إلا لغاية تحقيق أحرى الأقوال بالصواب في فهم مراد الله، الذي يعلمون ويشهدون بأنه كان معلوما عند السابقين عليهم دون الحاجة إلى شيء من ذلك.
ومن هذه البابة أقول إن مبدأ الاستعانة بالمكتشفات العلمية الحديثة في التفسير في زماننا ليس فيه إشكال من حيث الأصل .. فكما نجد في الفقه مسائل خلافية يمكن الاستعانة بمكتشفات العلم (الحقائق القطعية منه) أحيانا في ترجيح قول فيها على قول في دائرة الخلاف المعتبر، فإننا قد نجد مثل هذا في باب التفسير. وكما يمكن الاستعانة بعلوم اللغة والبلاغة والبيان في تقريب المعنى الذي فهمه الأولون إلى أهل الأزمنة اللاحقة (إذ المراد معرفة مراد الله الذي نجزم بأنه لم يخفَ على مجموع الأولين في كل قرن سالف) ، فإنه يسعنا مثل هذا في علوم هذا الزمان .. على ذات التأصيل الذي نربط به بين مدارس التفسير بحيث ينتظم التفسير بالمأثور مع التفسير باللغة مع التفسير بالقرءان نفسه، في منطومة واحدة لا شذوذ فيها ولا تجهيل لسلف الأمة رضي الله عنهم ..
والمشكلة في الحقيقة ليست في فهم هذه القاعدة وإعمالها على كل وسيلة مستجدة يراد استعمالها في التفسير .. لكن المشكلة في لزومها وتطبيقها، فإن أكثر المشتغلين بالتفسير العلمي - على الاصطلاح المعهود - ذوو حظ قليل جدا - بكل أسف - من علوم التفسير وأصوله وعلوم اللغة وغيرها مما يلزم المشتغلين بالتفسير الإلمام به .. ولا تأصيل لهم في علوم الشريعة بصفة عامة وعلوم الآلة، فتراهم يفسدون من حيث يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ويشذون عن مراد الرب من كلامه من حيث يظنون أنهم يقربونه إلى أذهان أهل زمانهم ويثبتون صحته .. بخلاف أرباب التفسير اللغوي في القرون المتقدمة الذين كانوا أئمة في علوم الشرع مستكملين لعدة الاجتهاد والنظر فيه ..
/// أسهبت واستطردت كثيرا فيما هو خارج عن موضوع الصفحة، فأرجو المعذرة.
(يُتْبَعُ)