فهرس الكتاب

الصفحة 10303 من 27809

قال أكرم ضياء العمري:"أما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخبار التاريخية التي لا تمس العقيدة والشريعة ففيه تعسُّف كثيرٌ، والخطر الناجم عنه كبير؛ لأن الروايات التاريخية التي دوَّنها أسلافنا المؤرخون لم تُعامَل معاملة الأحاديث، بل تمَّ التساهل فيها، وإذا رفضنا منهجهم فإن الحلقات الفارغة في تاريخنا ستمثِّل هوَّة سحيقة بيننا وبين ماضينا، مما يولد الحيرة والضياع والتمزق والانقطاع ... لكن ذلك لا يعني التخلي عن منهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات التاريخية؛ فهي وسيلتنا إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة، كما أنها خير مُعين في قبول أو رفض بعض المتون المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لتاريخ أمتنا، ولكن الإفادة منها ينبغي أن تتم بمرونة، آخذين بعين الاعتبار أن الأحاديث غير الروايات التاريخية، وأن الأُولى نالت من العناية ما يمكِّنها من الصمود أمام قواعد النقد الصارمة"دراسات تاريخية: ص27.

التفريق بين ما يُتشدد وما يُتساهل فيه من الأخبار:

ولكن هذا التساهل لا يمكن تعميمه على جميع الروايات التاريخية؛ فإن الناظرَ في طريقة العلماء في التعامل مع الروايات التاريخية من حيث تطبيق قواعد نقد الحديث من عدمه أو التساهل فيه يجد أن الأمر نسبي تحدده طبيعة الروايات.

وباستقراء ما ذكره العلماء نجد أن أهم ما تشدد فيه العلماء من روايات التاريخ:

1 -ما يتعلق بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، والمرويات عن النبي -صلى الله عليه وسلم- منها ما يُمكن أن يستنبط منها حكم شرعي، ومنها ما لا يُستنبط منه، وإنما هو من باب الأخبار المجرَّدة.

فأمَّا يمكن أن يُستنبط منه حكمٌ شرعيٌّ فإنه يُتشدَّد في تطبيق قواعد نقد الحديث عليه، أما الأخبار التي لا تُستنبط منها أحكام كتاريخ سرية من السرايا، أو عدد مَن كان فيها، أو تحديد موقعها بدقة، ونحو ذلك؛ فهذا يُتساهل في روايته.

ولكن ينبغي التعامل بحذر أيضًا مع هذه الأخبار؛ لأنه أحيانًا تكون مثل هذه الأخبار المُتسَاهل فيها لها علاقة غير مباشرة باستنباط الأحكام، وهذا كمعرفة تقدُّم خبر أو تأخُّره مما يفيد في معرفة الناسخ والمنسوخ على سبيل المثال، فهنا ينبغي العودة إلى التعامل مع قواعد نقد الحديث فيما يتعلق بهذا الحكم، مع مراعاة أنه يمكن الاستفادة من الخبر جملةً مع التوقُّف في تقرير الأحكام منه، سواء أستُفِيدت هذه الأحكام بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

2 -ما يتعلق بثلب أو تنقص أحد من العلماء والأئمة ممن ثبتت عدالته، وعلى رأسهم الصحابة- رضي الله عنهم-، فتشدَّد العلماء في قبول الروايات التاريخية المتعلقة بما جرى بين الصحابة، وكذلك تشدَّدوا في الروايات المنسوبة إلى الأئمة المعروفين الثابتة عدالتهم مما يطعن في اعتقادهم أو سلوكهم، قال ابن حجر -رحمه الله-:"لأنَّ كل من ثبتت عدالته لا يُقبل جرحه حتى يَتبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه"التهذيب"7/ 273".

3 -ما يتعلق بقضية في العقيدة كإثبات أسماء وصفات غير واردة في الصحيح، أو ما يتعلق بحكم شرعي كتحليل وتحريم.

قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-:"إذا روينا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشدَّدنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في فضائل الأعمال، وما لا يضع حكمًا أو يرفعه تساهلنا في الأسانيد"الكفاية في علم الرواية: ص212.

وروايات التاريخ تدخل فيما لا يضع حكمًا أو يرفعه، بالضوابط المذكور آنفًا، وقال محمد بن سليمان الكافيجي -رحمه الله-:"يجوز للمؤرخ أن يروي في تاريخه قولًا ضعيفًًا في باب الترغيب والترهيب والاعتبار مع التنبيه على ضعفه، ولكن لا يجوز له ذلك في ذات الباري -عز وجل- وفي صفاته، ولا في الأحكام"المختصر في علوم التاريخ: ص326.

وقد عقد الخطيب البغدادي -رحمه الله- في كتابه"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع"فصلًا بعنوان:"ما لا يفتقر كتبه إلى الإسناد"، ومما قال فيه:"وأما أخبار الصالحين وحكايات الزهَّاد والمتعبِّدين ومواعظ البلغاء وحكم الأدباء فالأسانيد زينة لها، وليست شرطًا في تأديتها"، ثم ساق بإسناده عن يوسف بن الحسن الرازي قوله:"إسناد الحكمة وجودها".

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت