الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب, خصال الإيمان
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الطائف
سعيد الجندول
1-فضيلة الخوف من الله. 2- خوف الصالحين من الله. 3- أهمية الرجاء فيما عند الله. 4- حال المسلم بين الخوف والرجاء.
أما بعد: فإن مما يجب على المسلم أن يعلمه ويعمل به ويكون مقترنًا بعباداته وجميع تصرفاته نوعين من أنواع العبادة القلبية بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر، وهما: الخوف والرجاء ومعهما أيضًا المحبة لله عز وجل، الخوف من الله جل جلاله ومن أليم عقابه، والرجاء والطمع فيما عند الله من المغفرة والرحمة وحسن المثوبة، فجاء الإسلام مرغبًا في الخوف من الله ودعا إليه لما له من آثار طيبة وثمار حسنة في حياة الفرد والجماعة، فهو يبعث في الإنسان المسلم روح الشجاعة ويدفعه إلى الجهر بالحق وإنكار المنكر دون تهيّبٍ من أحد أو خوف من مخلوق بالحكمة والموعظة الحسنة، وهذا من أعظم الفضائل وأكرم الغايات، ومن آثار الخوف من الله: أنه يمنع المسلم من الاسترسال في المعاصي والآثام ويجنبه الوقوع في الفسوق ويحجزه عن محارم الله لأنه يستشعر عظمة الله ومراقبته له في السر والعلن، فالمسلم متى رُزِقَ الخوفَ من الله كَفَّ لسانه عن الْهُجْر والكذب والغيبة والنميمة والسخرية والهمز واللمز، وطهّر قلبه من الغل والحسد والفسق والكبر والرياء والنفاق وسائر الصفات الذميمة التي يبغضها الله ويمقتها.
لقد دعا الإسلام إلى الخوف من الله وأثنى على الخائفين في عدد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
قال الله تعالى: فَ?للَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ [التوبة: 13] ، وقال عز وجل: وَإِيَّـ?ىَ فَ?رْهَبُونِ [البقرة: 40] ، وقال سبحانه: وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ [آل عمران: 175] إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى.
وأما الأحاديث فمنها ما يلي: روى الإمام أحمد والترمذي رحمهما الله من حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، قول الله تعالى: وَ?لَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى? رَبّهِمْ ر?جِعُونَ [المؤمنون: 60] ، أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق وهو يخاف الله عز وجل؟ قال: (( لا يا ابنة الصديق، ولكنه الذي يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يتقبل الله منه ) )، وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إني أرى ما لا ترون، أطّت السماء وحُقّ لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا ومَلَكٌ واضعٌ جبهتَه ساجدًا لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصَّعُدَات تَجْأَرُونَ إلى الله تعالى ) )، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال: (( من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة ) )، وعن أبي أمامة الباهلي أن النبي قال: (( ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة دموع من خشية الله، وقطرة دم تهْرَاقُ في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله ) ).
وكلما كانت المعرفة والعلم أتمَّ كان الإنسان المسلم أشدَّ لله خوفًا وأعظمَ خشية، وفي أعلى مراتب الخوف والخائفين من الله بعد الرسول وبعد الصحابة رضي الله عنهم وعلى مرِّ القرون المفضلة وحتى قيام الساعة هم العلماء العاملون المخلصون لله عز وجل، قال الله عنهم: إِنَّمَا يَخْشَى ?للَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ?لْعُلَمَاء [فاطر: 28] .
وبمناسبة ذكر هذه الآية فأذكر معناها لأنّ بعض المسلمين لا يعرف الفاعل من المفعول، فيقرأ الآية خطأً ويفهم المعنى خطأً عياذًا بالله من ذلك، ويتصور أن الله يخشى من العلماء، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، ولكن المعنى واضح حيث تقدَّمَ المفعولُ وهو لفظ الجلالة على الفاعل وهم العلماء، وأصبح المعنى أن العلماءَ بالله حقًا هم الذين يخشون الله ويخافونه لما لديهم من العلم والمعرفة بالله وبما عنده في الآخرة من وعد ووعيد.
وأشد الناس خوفًا من الله هو رسولنا محمد حيث قال: (( إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية ) )، وفي رواية: (( خوفًا ) )، وكان يصلي ولقلبه وصدره أَزِيزٌ كأزيز المِرْجَلِ من البكاء.
إن المؤمن حقًا هو الذي يخاف ربه ويرجو رحمته وعفوه، فالخوف من الله هو اللِّجَامُ القَامِعُ عن المعاصي، فالمؤمن يَكْبَحُ جِمَاحَ نفسه ولا يُتْبع نفسه هواها لأن النار حُفَّتْ بالشهوات، والجنة حُفَّت بالمكاره، وسبب خوف المؤمن هو معرفة شدة عذاب الله، ويسمى ذلك الخوف خشية ورهبة وتقوى، فالمؤمن يخاف من ذنوبه ويخشى الخاتمة السيئة ويخاف من سوابقه فنجده شديد الخوف من الله إن هو عصاه أو اقترف المعصية أو قارب منها.
فالخوف من الله يظهر على المسلم في الانكسار لله والتواضع لعباد الله والعفاف واتقاء الشبهات والبكاء الحقيقي غير المصطنع؛ لأن بعض الناس يحاول أن يبكي ويُسمَّى متباكيًا، وقد يكون ذلك بإخلاص وقد يكون رياءً وسمعةً، فليحذر المتباكي من الوقوع في الرياء والسمعة، وليخلص العمل والعبادة لله عز وجل لئلا يحبط عمله وعبادته، أما البكاء حقًا فهو يكون دفعة واحدة في كثير من الأحيان دون سابق إنذار وتَهَيُّؤٍ له عندما يَمُرُّ المسلمُ بآية من آيات القرآن الكريم يقرؤها أو يسمعها أو حديث من أحاديث رسول الله عن الجنة أو النار أو عن سيرته وسيرة أصحابه رضي الله عنهم وما حصل لهم من مواقف مع المشركين والكفار إلى غير ذلك من المواقف المُؤَثِّرَةِ التي معها تدمع عينُ المسلمِ من خلال ذلك الشعور الذي يَنْتَابُهُ في مواقف كثيرة ويحصل على الأجر من الله عليها متى أخلص النية لله رب العالمين وابتعد عن كل ما يحبط عمله ويفسده خاصة الرياء والسمعة.
ولقد وصف الله سبحانه الخائفين من سَطْوَتِهِ وعقوبته في عدة آيات من كتابه الكريم، فمنها قوله سبحانه: وَبَشّرِ ?لْمُخْبِتِينَ ?لَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ?للَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ?لصَّـ?بِرِينَ عَلَى? مَا أَصَابَهُمْ وَ?لْمُقِيمِى ?لصَّلَو?ةِ وَمِمَّا رَزَقْنَـ?هُمْ يُنفِقُونَ [الحج: 34، 35] ، وقال عز وجل: إِنَّمَا ?لْمُؤْمِنُونَ ?لَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ?للَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءايَـ?تُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـ?نًا وَعَلَى? رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ?لَّذِينَ يُقِيمُونَ ?لصَّلَو?ةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـ?هُمْ يُنفِقُونَ أُوْلئِكَ هُمُ ?لْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَـ?تٌ عِندَ رَبّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال2-4] .
وهذان المعنيان وهما: طمأنينةُ القلب ثِقَةً بما عند الله من الرحمة والعفو والتجاوز، والفزعُ من عذاب الله عندما يذكر المؤمن غضب الله وانتقامه من العصاة، هذان المعنيان نجدهما في قوله تعالى: ?للَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ?لْحَدِيثِ كِتَـ?بًا مُّتَشَـ?بِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ?لَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى? ذِكْرِ ?للَّهِ ذَلِكَ هُدَى ?للَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء وَمَن يُضْلِلِ ?للَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر: 23] أي: تقشعر وتضطرب وتتحرك بالخوف لما في القرآن من الوعيد والتخويف، وتلين وتسكن عند سماع آيات الرحمة والمغفرة. ورد عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه في حديث يرفعه إلى رسول الله قال رسول الله: (( إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تَحَاتَّتْ عنه ذنوبُه كما يَتَحَاتّ عن الشجرة اليابسة ورقُها ) ).
وقد وعد الله في كتابه العزيز أهل الخشية والخوف والمراقبة بالمغفرة والنعيم الدائم والرحمة الشاملة، قال تعالى: إِنَّ ?لَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِ?لْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك: 12] ، وقال سبحانه: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن: 46] ، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى ?لنَّفْسَ عَنِ ?لْهَوَى? فَإِنَّ ?لْجَنَّةَ هِىَ ?لْمَأْوَى? [النازعات: 40، 41] . قال أبو هريرة رضي الله عنه: لما نزل قوله تعالى: أَفَمِنْ هَـ?ذَا ?لْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ [النجم: 59، 60] قال أهل الصفة: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم بكوا حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع النبي بكاءهم بكى معهم، فبكينا لبكائه، فقال: (( لا يلج النار من بكى من خشية الله، ولا يدخل الجنة مصرٌّ على معصية ) )، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أنزل الله عز وجل على نبيه هذه الآية: يأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ?لنَّاسُ وَ?لْحِجَارَةُ [التحريم: 6] تلاها رسول الله ذات يوم على أصحابه، فَخَرَّ فتى مغشيًا عليه، فوضع النبي يده على فؤاده فإذا هو يتحرك، فقال رسول الله: (( يا فتى، قل: لا إله إلا الله ) )فقالها، فبشره بالجنة، فقال أصحابه: يا رسول الله، أَمِنْ بيننا؟ قال: (( أوَما سمعتم قوله تعالى: ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم: 14] ) )، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي فيما يرويه عن ربه جل وعلا أنه قال: (( وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين: إذا خافني في الدنيا أمَّنْتُه يوم القيامة، وإذا أَمِنَنِي في الدنيا أَخَفْتُهُ في الآخرة ) ).
قال تعالى: أُولَئِكَ ?لَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى? رَبّهِمُ ?لْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَـ?فُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء: 57] ، وقال تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء ?لَّيْلِ سَـ?جِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ ?لاْخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ?لَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ?لَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو ?لاْلْبَـ?بِ [الزمر: 9] .
ألا ما أجمل الخوف من الله حينما يتحلى به العبد المؤمن، وألا ما أروعه من خُلَّةٍ وصفة يتَّصِفُ بها المؤمن بين العباد.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا.
أما بعد: فكما أسلفنا لا بد من ارتباط الخوف بالرجاء مع المحبة أيضًا لله تعالى ولرسوله ، الرجاء الذي يسمى طمعًا ورغبة فيما عند الله من النعيم والثواب والرحمة الواسعة، فيجب أن يكون الخوف والرجاء معتدلين، فلا إفراط ولا تفريط، فإن الخوف إذا أفرط صاحبه فيه قد يجره إلى اليأس والقنوط من رحمة الله، وهو حرام، وإذا أفرط المسلم في الرجاء في رحمة الله فقد يجره إلى الأمن والغرور، وهو حرام أيضًا، وهذا حال أكثر المسلمين اليوم، فعلى كل مؤمن أن يعرف أين هو من الخوف والرجاء، وأن يعيش بين الخوف والرجاء والمحبة لله سبحانه وتعالى.
والإنسان المسلم لم يُخْلَقْ مَلَكًا مُطَهَّرًا ولا بشرًا معصومًا، وإنما هو إنسان تتنازعه قوى الخير والشر، وتتقلب عليه حياته الروحية أحيانًا فتسمو نفسه وترتفع، وأحيانًا أخرى تتغلب عليه شهوات الجسد فَتُخْلِدُه وتُلْصِقُهُ بالأرض وتردُّه إلى أسفل سافلين، وعلى المسلم أن يصحح أخطاءه إذا أخطأ، ويعالج أمراض نفسه إذا مرضت، ويغسل نفسه من أدران الذنوب التي قد رانت على عقله وقلبه، ويستأنف السير من جديد، قال رسول الله: (( كل ابن آدم خَطَّاء، وخير الخطَّائين التَّوَّابون ) ).
ولقد فتح الله باب الأمل والرجاء ودعا العصاة إلى التوبة والاستغفار، وأنه سبحانه يغفر لهم إذا دَعَوْهُ ورَجَوْهُ مهما عَظُمَ الجُرْمُ وكَبُرَ الإثمُ إن هم صدقوا وعزموا على التوبة الصادقة، وها هي أرجى آية في القرآن الكريم فيها دعوةٌ للمسرفين على أنفسهم والواقعين في الذنوب والمعاصي مهما عَظُمَتْ، الدعوةُ إلى عدم القنوط واليأس من رحمة الله، يدعوهم رب العزة والجلال وينادي المسرفين والغارقين في الآثام إلى الإقبال والدخول من باب التوبة الواسع أمامهم للعودة والأوْبَةِ والرجوع إلى الله الغفور الرحيم؛ ليغفر لهم ذنوبهم مهما كانت وفي أي اتجاه كان، هذه الآية التي قال فيها رسول الله: (( ما أُحِبُّ أنَّ لي الدنيا وما فيها بهذه الآية: قُلْ ي?عِبَادِىَ ?لَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى? أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ?للَّهِ إِنَّ ?للَّهَ يَغْفِرُ ?لذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ?لْغَفُورُ ?لرَّحِيمُ [الزمر: 53] ) ).
وأورد بعض الآيات الأخرى والأحاديث حول التوبة والرجاء فيما عند الله تبارك وتعالى، قال تعالى: وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ?للَّهَ يَجِدِ ?للَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء: 110] ، وَ?لَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـ?حِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ?للَّهَ فَ?سْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ?لذُّنُوبَ إِلاَّ ?للَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى? مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ وَجَنَّـ?تٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لأنْهَـ?رُ خَـ?لِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ ?لْعَـ?مِلِينَ [آل عمرن: 135، 136] ، وقال عز وجل: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى? نَفْسِهِ ?لرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنعام: 54] ، وقال سبحانه وبحمده: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ?لسُّوء بِجَهَـ?لَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل: 119] ، وقال تبارك اسمه: إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَـ?لِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ ?للَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـ?تٍ وَكَانَ ?للَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الفرقان: 70] .
وفي الحديث القدسي عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أُبَالِي. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبُك عَنَانَ السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو أتيتني بِقُرَابِ الأرض خطايا ثم لقيتني لا تُشْرِكُ بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة ) )رواه الترمذي وقال:"حديث حسن غريب". العنان بفتح العين: هو السحاب، وقراب الأرض بضم القاف: ما يقارب مَلأَهَا. وقال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 156] .
وقال رسول الله: (( والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون ويستغفرون الله تعالى فيغفر لهم ) ). فالله جل جلاله سَتْرُهُ واسعٌ، وعَفْوُهُ عظيمٌ، ورحمتُه وسعتْ كلَّ شيء، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: (( يُدنَى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفه ـ أي: ستره ورحمته ـ فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: رب أعرف، فيقول الله تعالى: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته ) )؛ لذلك يُشْتَرَطُ أَنْ يَسْتُرَ الإنسانُ نَفْسَهُ في الدنيا فلا يَجْهَر بما يفعل من سيئات، فإنَّ إظهارَ الفاحشة فاحشة أخرى، لأنا نسمع من يتبجح بفعل المنكرات، ويقول أحدهم في المجالس مفتخرًا: فعلت كذا وكذا في يوم كذا من الأفعال المنكرة، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (( اجتنبوا هذه القاذوارت التي نهى الله عنها، فَمَنْ أَلَمَّ بشيء منها فليسْتَتِرْ بِسَتْرِ الله ) )، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإنَّ مِنَ المجاهرة أن يعمل الرجل عملًا بالليل ثم يصبح وقد ستره الله تعالى عليه، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عليه ) ).
فعلينا أن لا ننسى أن الله سريع العقاب وأنه غفور رحيم، قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ?لْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنعام: 165] ، غَافِرِ ?لذَّنبِ وَقَابِلِ ?لتَّوْبِ شَدِيدِ ?لْعِقَابِ ذِى ?لطَّوْلِ لاَ إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ?لْمَصِيرُ [غافر: 3] ، إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ?لْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأعراف: 167] ، وقال تعالى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ [الحجر: 49، 50] ، وقال عز وجل: إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى ?لْخَيْر?تِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُواْ لَنَا خـ?شِعِينَ [الأنبياء: 90] ، وقال سبحانه: إَنَّ ?لَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِ?لْحَيو?ةِ ?لدُّنْيَا وَ?طْمَأَنُّواْ بِهَا وَ?لَّذِينَ هُمْ عَنْ ءايَـ?تِنَا غَـ?فِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ ?لنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ إِنَّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ?لأنْهَـ?رُ فِي جَنَّـ?تِ ?لنَّعِيمِ دَعْو?هُمْ فِيهَا سُبْحَـ?نَكَ ?للَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ?لْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ [يونس: 7-10] .
إن بعض المسلمين يفهم خطأً ويخلط بين الخوف الجبلي العادي الطبيعي من المخلوقات وبين الخوف من الله ومن أليم عقابه، وبين الرجاء فيما عند الله من الخير والمثوبة وحسن العاقبة وبين رجاء الحصول على بعض الأمور عن طريق المخلوقين، فالخوف من النمر والأسد والفيل والثعبان والعقرب وغيرها من الدواب وركوب البحر أو الصعود للأماكن الشاهقة أو حتى ظلام الليل لبعض الناس، هذا الخوف من الأمور العادية، وكذلك الخوف والخشية من عواقب ونتائج بعض الأمور لما يقدم عليه الشخص ويخاف من بعض النتائج العكسية، هذه الأنواع من الخوف لا تنافي التوحيد ولا كماله، وليست من الشرك في شيء ولا علاقة لها بالأمور التعبدية إلا ما كان في بعض الأمور التفصيلية التي كان الكلام عنها أخيرًا ولا يتسع المقام لتوضيحها أكثر من ذلك.
وكذلك الحال بالنسبة للرجاء فيما عند الله عز وجل وبين رجاء الحصول على بعض الأشياء المعيشية عن طريق المخلوقين ولا علاقة لها بالعبادة، فليتنبه المسلم للفرق بين هذه الأمور ولا يخلط فيها وبينها فعندها يقع في متاهات وتفسيرات بعيدة كل البعد عن تعاليم الإسلام وليست من العبادة في شيء، وإنما هو تَنَطُّعٌ وخَلْطٌ وفَهْمٌ في غير موضعه، وحيث نسمع من يفتي ويتكلم في هذا وغيره بغير علم، لذا وجب التنبيه بإجمال دون الدخول في التفاصيل لعدم مناسبة المقام للتوسع في ذلك، وإنما هو التذكير والذكرى التي ينتفع بها المؤمنون كما قال تعالى: وَذَكّرْ فَإِنَّ ?لذّكْرَى? تَنفَعُ ?لْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: 55] ، وكما قال تعالى: فَذَكّرْ إِن نَّفَعَتِ ?لذّكْرَى? سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى? وَيَتَجَنَّبُهَا ?لأشْقَى [الأعلى: 9-11] .
وأخيرًا، فلنضع الآيات التالية نصْبَ أعيننا عند كل قول أو فعل أو اعتقاد، وإن كان المقام لا يتسع للأحاديث حول الإخلاص لله رب العالمين والصواب والاتباع لسنة رسول الله ، قال الله جل جلاله وتعالى سلطانه: وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: 5] ، وقال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110] ، وقال عز وجل: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: 2] ، وقال سبحانه: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هود: 7] ، وقال عز شأنه: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف: 7] ، وقال تعالى: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران: 29-32] ، وقال سبحانه وبحمده: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [البقرة: 165] ، وقال عز شأنه: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر: 7] ، وقال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: 21] ، وقال جل وعلا: فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: 63] ، وقال جل شأنه: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [النور: 36] .
اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله، وارْضَ اللهمَّ عن صحابة رسولك محمد، واحشرنا في زمرتهم، وارزقنا مرافقة نبينا وحبيبنا ورسولنا محمد في الجنة يا أرحم الراحمين.