الرقاق والأخلاق والآداب
آثار الذنوب والمعاصي, الكبائر والمعاصي
ماجد بن عبد الرحمن الفريان
الرياض
سليمان بن مقيرن
1-حيرة العالم بأسره أمام هذا الداء.2- الإيدز عقوبة إلهية عاجلة. 3- انحطاط في جانب القيم والأخلاق. 4- إحصائيات مذهلة لسرعة انتشار هذا المرض. 5- بيان العلاج الشرعي.
أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله حق التقوى.
معاشر المسلمين، لقد قضت سنة الله تعالى أن الأمم لا تفنى ولا تدمّر إلا حين تسقط الهمم وتستسلم الشعوب لشهواتها، فتتحول الأهداف من مثل عليا إلى أهداف دنيئة، فتسود فيها الرذائل، وتنتشر الفواحش، وتفتك بها الأمراض الخبيثة، فلا تلبث أن تتلاشى وتضمحل، وتصيبها السنة الإلهية في التدمير. ولقد قص الله علينا من أنباء السابقين ما فيه عظة وزجر للآخرين، ونشهد اليوم من أحوال الزائغين التائهين ما يؤكد العبرة عبر القرون.
أيها الإخوة، يُثار هذا الكلام وتُقلَّب صفحاته والملايين من البشر يتقلبون في أمراض فتاكة ناتجة عن الرذيلة، يتجرعون غُصصها وأوجاعها، ولا زال الأطباء والعلماء، بل والعالم بأسره يتشوّفون لعلاج ناجع يخلّصهم من وبيل سياطها، لكنهم لما يفلحوا في إيقافها، فضلًا عن اقتلاع جذورها، والإسلام خير لهم لو كانوا يعلمون. لقد جاء الإسلام بما يحفظ العقول والأبدان من الأوبئة والأمراض، وذلك بتشريعاته السامية التي أحاطت جانب العِرض بسياج من العفة منيع، وهذّبت الغرائز، فأباحت الحلال الطيب، وحرمت وعاقبت على المنتن الخبيث.
ومع حديث العالم عن سرطان العصر وآثاره ومسبباته وأرقامه وإحصائياته وذلك في اليوم العالمي لمكافحة الإيدز نساهم نحن في دفع هذا الوباء الوبيل، ولكن بتصور الشرع الحكيم المنزه عن الخطأ والخلط وسوء القصد.
أيها المسلمون، إن هذا المرض كما هو معروف ينتشر بصورة أكبر بين الشواذ اللوطيين والمساحقات والزناة والمتعاطين للخمور والمخدرات وكل من وقع في حمأة الرذيلة في بلاد القوم الذين ارتضوا الفاحشة وأعلنوا بها، وهو الطاعون المدمر والوباء الكاسح، والذي يعاني المريض فيه من الآلام والأوجاع لمدة سنوات قبل أن يقضي نحبه، هذا علاوة على الآلام النفسية المدمرة للمريض بعد نبذه من أقرب الناس إليه، بل والهروب منه والهلع حتى من جثته بعد موته، وقد نشرت إحدى المجلات الأمريكية خبرَ وفاة امرأة أمريكية بلغت من العمر خمسة وخمسين عامًا، وقد أصيبت بالإيدز، فرفض الحانوتي الذي يجهز الموتى أن يستلمها، أما الطبيب فقد قام بإحراق قفازاته وأدواته وثيابه التي استعملها أثناء التشريح.
إن هذا المرض لم يسمع به أحد من قبل، فلم يُسبق أن اكتُشف فيروس هذا المرض ولا عرِفت أعراضه ولا الفيروس المسبّب له قبل زمننا هذا، أليس هذا المرض وأمثاله هو عقوبة إلهية لمن انتكست فطرهم من الخلق فاستبدلوا بالعفة والطهارة الفواحش المحرمة من الزنا واللواط والسحاق وأعلنوا بتلك الفواحش إباحةً ورضًا وتفاخرا؟! أليس ذلك هو عين ما أخبر عنه نبي الإسلام منذ أربعة عشر قرنا من الزمان: (( لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ) )رواه ابن ماجه، وفي الحديث الآخر: (( ولا فشا الزنا في قوم قط إلا كثر فيهم الموت ) )رواه مالك في الموطأ؟! ولقد أشارت هذه الأحاديث إلى حقيقة هامة وهي أن هذا الأمر سنة جارية ونظام لا يتخلف في أي قوم قط من أي دين أو جنس أو بلد، طالما ظهرت وكثرت فيهم الفاحشة واستعلنوا بها واستمرؤوها، ظهرت فيهم الأوبئة والأوجاع الجديدة التي لم تُبتَلَ بها الأجيال قبلهم، والذي يؤكّد هذه الحقيقة طبيعة الأمراض التي تنتقل عن طريق الزنا والشذوذ، فهي أمراض تسبّبها جراثيم ذات طبيعة خاصة، فهي لا تصيب إلا الإنسان، ولا تنتقل إليه إلا عن طريق الجنس أو الدم، ولهذه الجراثيم مقدرة عجيبة في اختراق جلد الأعضاء التناسلية والشفاه، وتصل الإصابة بها إلى عمق الأجهزة التناسلية، بل وإلى عموم الجسم، ولا يوجد لهذه الجراثيم أمصال تقِي الجسم من أخطارها، ولا يكوّن الجسم منها مناعة طبيعية؛ لأن هذه الجراثيم تتغير خواصها باستمرار مما يجعلها مستعصية العلاج، والجسم غير قادر على مقاومتها، ومن الممكن أن تظهر بصور وصفات جديدة في المستقبل. وهذا يؤكد أن المزيد من هذه الأوبئة الكاسحة والأوجاع المميتة ما زالت تنتظر الشاردين عن نداءات الفطرة وتعاليم السماء.
إنه الشبح المخيف والمرض المرعب واللوحة السوداء لحضارة الرجل الأبيض، إنه ثمرة الانحراف الخلقي ونتيجة الزهد في القيم، وهو نموذج مشين لأي حضارة لا يرعاها الإسلام ولا يتولى دفتها المسلمون.
لقد بلغ الغرب مبلغًا من التطور والتقنية المادية، وبلغ حدًا لا يجارى في الصناعة والعمارة، ولكنه أفلس في قيادة العالم في المضمار الحضاري بمفهومه الصحيح، برعاية القيم واعتبار الخُلُق والمحافظة على الطهر والعفاف، ووصل دون مبالغة إلى البهيمية في أخلاقه في تلك الديار بحدائقها ومتنزّهاتها وشواطئها وأفلامها وقنواتها. إن انتشار مرض الإيدز وإعلانَ العجز عن مقاومته مؤشر لهذا الإفلاس الحضاري، ومانعٌ من القيادة الراشدة لركب سفينة العالم.
إخوة الإسلام، مرض الإيدز أو نقص المناعة المكتسبة هو وباء آت من فساد الأخلاق، وإن الطريق الوحيد الذي نتج المرض بسببه هو الرذيلة، وذلك في عام 1981م يعني قبل ما يزيد على عشرين عامًا، وعلى الرغم من مرور هذه السنين فإن العالم يقف اليوم عاجزًا عن حل هذه المشكلة، بل إن المشكلة تضاعفت واستفحلت، وأصبح انتشار المرض اليوم أسرعَ من انتشار النار في الهشيم، ومع كل طلعة شمس هناك ما يصل إلى أربعة عشر ألف إصابة جديدة بالإيدز على مستوى العالم بواقع 10 إصابات كل دقيقة، تتسع دائرة الصدمة عندما نلحظ الارتفاع الصاعق من حالة واحدة في أوائل الثمانينات عند أول اكتشاف للفيروس إلى 42 مليون مصاب حاليًا أكثرهم من الشباب، ومنذ أن بدأ الوباء فقد أكثر من 16 مليون شخص حياتهم، وقد أصبح الإيدز بلا شك أحد الأمراض المُعْدِية الفتَّاكة الرئيسية، إذ بلغ صرعاه في عام 1999م وحده 2.6 مليون نسمة، مما يعني وفاة 7123 شخصًا يوميًا أو 297 شخصا كل ساعة أو 5 أشخاص كل دقيقة، وإذا كان الإيدز قد صعد من المرتبة السابعة إلى المرتبة الرابعة في قائمة أسباب الوفاة في العالم، وإلى المرتبة الأولى في أسباب الوفاة في إفريقيا، فالصورة في المنطقة العربية كما تعكسها الأرقام قد لا تبدو مفزعة للوهلة الأولى، فبرنامج الأمم المتحدة للإيدز يقدر عدد المصابين وحاملي الفيروس في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بـ550 ألف حالة، وكثير من الباحثين يشكك في الأرقام المعلنة في الدول العربية لأن المجتمع ما زال يمارس الستر ويتعامى عن المرض ولا يساهم في دفعه، بل يترك الحبل على الغارب حتى تأتي الفواجع على أمة الإسلام.
إخوة الإسلام، ويخطئ البعض حينما يظنون أن وباء الإيدز مشكلة خاصة بالمجتمعات الغربية أو بالمجتمعات غير الإسلامية على وجه أعمّ، ولتجلية خطأ هذا الظن ينبغي أن يعلم أن المجتمعات البشرية المتنوعة والمتباعدة بفعل التطور المهول في وسائل النقل والاتصال صارت كالمجتمع الواحد، فما يستشرى في بعضها من أضرار وأمراض يوشك أن ينتشر في البعض الآخر في وقت يسير.
ثم إن الأسباب التي أدّت إلى انتشار الوباء في المجتمعات المنحلّة موجودة في المجتمعات العربية والإسلامية ولو بنسبةٍ أقل، وفي السنوات الأخيرة وبعد حرب الخليج الثانية والتبشير بالنظام العالمي الجديد نحَت بعض الدول العربية إلى تقنين الرذيلة أو على الأقل التغاضي عنها، ورأى الناسُ المخازيَ والدواهيَ في دولٍ كان اللائق بهم أن يشكروا نعمة الله عليهم، ولكنهم بدلوا نعمة الله كفرًا، وأصبحت السياحة عندهم متاجرة بالنساء، ويزداد الأسف إذا عُلم أن نسبة كبيرة منهن من العربيات، ومن المسلمات في كثير من الأحيان، وإذا استهين بهذا الواقع المرير فإن المصير واحدٌ وسنن الله لا تحابي أحدًا، وقد بدأت الإحصائيات تتوالى عن أعداد مرضى الإيدز في البلاد العربية وفي دول الخليج، ونحن لسنا بمعزل عن العالم، وعندنا من العمالة ومن الشباب الفاقد للمسؤولية ما هو كفيل بنقل هذا المرض إلى قعر بلادنا، وأصبحت صحفنا تذكرها على استحياء، وبلغ عدد المرضى وفق تصريح أعلنه مدير البرنامج السعودي للوقاية من مرض فقدان المناعة المكتسبة"الإيدز"يوم الثلاثاء الماضي الثامن من شوال أنه تم إحصاء 6787 إصابة بالإيدز بينها 22 في المائة لسعوديين في المملكة. وقال مدير البرنامج أن عدد السعوديين المصابين بلغ 1509، أما غير السعوديين فهو 5278 تم ترحيلهم بعد إجراء فحوصات طبية إجبارية للحصول على تأشيرة الإقامة.
وأضاف وفقا لصحيفة الراية أن الإصابة انتقلت في 45 في المائة من الحالات عن طريق علاقات جنسية، وأن 77 في المائة من الإصابات بين الرجال، وأشار إلى أن أعمار المصابين تتراوح بين 15 و45 سنة، مضيفًا أن وزارة الصحة أنفقت 24 مليون ريال على حملات التوعية لمكافحة الإيدز.
وفي شهر رجب من هذا العام أعلنت وزارة الصحة عن وفاة 450 مواطنًا سعوديًا بالإيدز، وفي اليوم الثامن من الشهر نفسه صرح د. عبد الله الحقيل لصحيفة الرياض أن 400 شخص يتلقون العناية والمتابعة في المستشفى، وأن 20 في المائة من الحالات التي سجلت في المستشفى نقلت داخليًا ولم يسافروا إلى الخارج، وأن 90-95 في المائة من النساء المصابات في المستشفى كانت الإصابة عن طريق أزواجهن، وذلك في العشر السنوات الأخيرة، ونأخذ من هذه الإحصائيات أن المشكلة بدأت تنتقل إلى قعر دارنا، وأن كثيرا من النساء إنما هن ضحايا لبعض الأزواج.
وهذا الأمر لم يعد سرًا نتغاضى عن ذكره وعلاجه، بل هو ظاهرة مثيرة للجدل اليوم، فقبل كل إجازة سواء الصيف أو العيدين تجد العروض والدعايات السياحية، وتجد الإقبال من بعض الشباب المفتون لقضاء سبع ليال وثمانية أيامٍ حسومًا يذهبون في الإجازة الصيفية، والعشر الأواخر من رمضان، وفي عشر ذي الحجة، إجازات دينية عبادية يقضيها المؤمنون مستقبلين لبيت الله الحرام، وهؤلاء قد استدبروا البلد الحرام، وقضوا كثيرًا من أوقاتهم في الحرام، وهؤلاء كثير لا كثرهم الله، ثم يأتون بعد نهاية الإجازة يملؤون المستشفيات الخاصة طلبًا للتحليل عن الإيدز، وتجدهم يخرجون بالنتيجة مغلفة مراعاة للخصوصية، ويهجم بعضهم على زوجته التي حفظته وخانها، والتي أكرمته فأهانها، والتي تسهر عليه إذا مرض، ثم ينقل لها الأمراض التي حملها معه من العمل الحرام.
ونقول لمن يعمل هذا العمل: لو ظفر بك الشرع فإن حدك الرجم حتى الموت، وأنت مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، ثم أنت زيادة على جرمك الشرعي، أنت خسيس على مستوى الأخلاق، لئيم على مستوى الوفاء، مستهتر على مستوى المسؤولية، فما ذنب زوجتك وأولادك حتى تدخلهم معك في المصيبة؟! ولكن هذا جزاء من يسكت على هذه الأعمال.
إخوة الإسلام، نحن لا نقول: إن كل من يسافر إلى بعض الدول هو ممن يقع في الرذيلة، ولكنَّ المسافرين للرذيلة عليهم أمارات في صحبتهم، وفي وقت ذهابهم، وفي صورتهم، وغير ذلك، فإذا عرفَت الزوجة وأهلها من الزوج هذا الصنيع فعليهم أن يدفعوه بالراحتين، أو يركلوه بالقدمين، والزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، وإذا سكتت المرأة على هذه الأعمال المشينة فإن العاقبة عليها وعلى ذريتها مشينة.
وعلى وزارات الصحة أن تقوم بمهمتها في هذا، وأن تمنع دخول الحاملين لهذا الفيروس، وليس هذا تدخلا في الخصوصية الشخصية، فهل يترك حتى يقضي على زوجته وذريته من أجل حماية حريته الشخصية؟! إن الحرية الشخصية مكفولة للشخص فيما لا يخالف الشرع، وفيما لا يضر بالآخرين، وأما هذه الأعمال المشينة فهي اعتداء على الأسرة وهدمٌ لكيانها وتشكيك بالأنساب وتضييع للأطفال وإشاعة للريبة في النساء والزوجات وعزوف عن الزواج وانتشار للأمراض إلى غير ذلك من المفاسد والأضرار، فكيف يُترك سفه السفهاء بحجة عدم التدخل في الحرية الشخصية؟! كل ذلك لقاء لذة وقتية يمكنه أن يحصل عليها بطريق مشروع وهو الزواج الطيب الطاهر أو التعدد المشروع، وتعسّر الزواج عليه أو التعدد أو تأخره لا يبرر له جريمة الزنا؛ لأنه باعتباره عضوًا في المجتمع عليه أن يسلك المسلك الحميد الذي لا يجلب الضرر على المجتمع، خاصة أقرب الناس إليه، وأخلصهم له وهم زوجته وذريته.
هذا ما يقال للزوجة وأهلها وللمسؤولين، أما العلاج الإسلامي الشامل لهذا المرض فهو ما سنطرقه في الخطبة الثانية.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.
أما بعد: فيا عباد الله، إن البشرية كلها ستكون في تيه واضح وضلال بيّن ما لم تهتدِ بنور الوحي، وما لم تطبق تعاليم الإسلام، ولقد رأينا تخبط البشرية في علاج هذه المشكلة في اليوم العالمي لمكافحة الإيدز، فبعضهم يبحث عن عقاقير طبية، وبعضهم يركز على التوعية بممارسة الرذيلة بطريقة آمنة وتعاطي المخدرات بطريقة آمنة، وهو إذا سكِرَ تصرّف دون عقل، ففعَل كلّ شيء، أبحتم له ما يُزيل عقلَه ثم أمرتموه بأمر يحتاج فيه إلى عقله، أين أنتم من دين الإسلام العظيم؟! أين أنتم من الدين الخاتم للبشرية جميعًا؟! فلقد شرع نهجًا واضحًا لحماية الإنسان وصحته من أخطار الأمراض الجنسية المدمرة والذي يتمثل في كلمتين هما: العفة والإحصان، وتحريم كل مسكر ومفتر، وتتمثّل العفّة في طهارة القلب من وساوس الشهوات، وذلك بتعميق الإيمان وتقوى الله ومراقبته والبعد عن المثيرات بغضّ البصر عن المحرمات، وبمنع الاختلاط بالنساء، وبحفظ النساء لأنفسهن من التبرج ومن الاختلاط بالرجال وتجنب الخضوع بالقول والبعد عن أماكن اللهو والعبث، قال تعالى: قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـ?رِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذ?لِكَ أَزْكَى? لَهُمْ إِنَّ ?للَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لّلْمُؤْمِنَـ?تِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـ?رِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا الآية [النور:30، 31] .
ويتمثل الإحصان بالزواج، وذلك بتيسيره للناس، انظروا إلى نور الوحي في توجيهات النبي: (( النكاح سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) )، (( يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء ) )، (( إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) ).
إن علاج مشكلة الأمراض الجنسية وأوبئتها الفتاكة بالبشر لن يُتغلب عليها إلا بالتزام تعاليم الإسلام الذي حرّم الزنا والبغاء العلني والسرّي، وأمر بتطبيق حدود الله على الزناة والشاذّين جنسيا، وحرّم الخمور والمخدرات، ومنع بيعها وصناعتها، وأمر بتنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية على المفسدين، وأمر بنشر الوعي الديني والصحي وتعميق الإيمان في نفوس الناس، وأمر بوضع برامج إعلامية هادفة، وحارب وسائل الإعلام التي تشيع الفاحشة في المجتمعات، ونظم عمل المرأة ومنع اختلاطها بالرجال في المكاتب والمصانع، وحثّ المرأة على العودة إلى بيتها، ووفر لها الحياة الكريمة أمًا وأختًا وبنتًا وزوجة، ونظم سفر العاملين خارج أوطانهم، وحلّ مشكلة اصطحاب أسرهم معهم، ومنع التعليم المختلط والتبرج والسفور، وهذه كلها هي أسباب الإباحية وشيوع الفاحشة، وبغير القضاء عليها ستظل الأوبئة والأمراض الموجعة والمهلكة تفتك بالبشر في كل مكان تتحقق فيه هذه السنن.
ونحن ـ إخوة الإسلام ـ مطالبون بحماية أنفسنا ومجتمعاتنا من هذا الوباء وغيره، والحماية لا تكون بمجرد العلاج إذا وقع الداء وتفشَّى المرض، وإنما يجب الوقاية أولًا، والوقاية خير من العلاج وأجدى.
إن علينا أن لا نفكر في دخول جحر الضب المظلم الذي دخله هؤلاء، ونحن نرى بأم أعيننا كيف كان المنتهى، ويجب علينا أن ننظر إلى دعوات التقليد البلهاء على أنها صوت من أصوات السفهاء، وعلى العقلاء أن يأطروهم على الحق أطرًا، وكيف تكون الحرية الشخصية لأناس يسكرون ويجلبون الخزي لبلدهم؟! فعلينا أن ندرك مسؤوليتنا تجاه الناشئة، ونجنبهم مواطن الردى، ويا ويح أمة يغرق شبابها بالمخدرات، ويفتنون بما تعرضه الشاشات من زبالات. إن توفر الصورة الهابطة عند الشباب عن طريق المجلات والشاشات ربما يكون في النهاية طريقًا للفاحشة، وإن إغراق الشباب بسيل المسلسلات الفاتنة إنما هو انتحار للقيم وخطوات في طريق الفساد، وإن سفر الشباب للخارج دون حسيب ولا رقيب ودون تنظيم يحقق المصالح ويمنع من المفاسد هو رمي للشباب في معركة خاسرة تفوق طاقتهم، ومن يرضى لفلذات الأكباد أن يكونوا ضحايا للفساد أو يكونوا نَقَلة فيروسات الدمار لبلاد الإسلام؟!
ليس من المنطق السليم أن نطالب الشباب بالعفة والطهر ونحن نواصل إغرائهم ونهيّئ لهم ما يثير غرائزهم، لا بد أن نُسهم جميعًا في حمايتهم ونشارك في تربيتهم، والبطالة والمغالاة في المهور كل ذلك ربما ساهم في دفع الأنفس الضعيفة إلى اقتراف المحرمات والوقوع في حمأة الرذيلة، وأما المرأة فهي وسيلة للفتنة إذا لم تصن وتحترم، وهل كانت فتنة بني إسرائيل إلا في النساء؟!
ألا فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرًا، واحفظوهن من التعرض للبلاء، وتنبهوا للدعوات المحمومة التي تريد بهن وبمجتمعهن الشرور والفساد.
وهكذا ـ إخوة الإسلام ـ يظهر هذا الكابوس القاتل والجاثم على صدور المنحرفين، وغدًا ربما يظهر ما هو أشد منه طالما ظل الناس سادرين في غيهم مستثمرين العلم الحديث وإمكاناته الهائلة في نشر هذا الفساد وتزيينه للناس، بل ومحاولة قهر الآخرين عليه في المستقبل القريب كما هو ظاهر في مؤتمراتهم الأخيرة عن السكان والمرأة، ولكن: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ?للَّهِ بِأَفْو?هِهِمْ وَ?للَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ?لْكَـ?فِرُونَ [الصف:8] ، وستدور الدائرة عليهم: وَسَيَعْلَمْ ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء:227] .
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد...