الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب
آثار الذنوب والمعاصي, قضايا المجتمع
محمد بن خالد الخضير
الثقبة
مسجد ابن حجر
1-كثرة المصائب والفتن. 2- جنود الله تعالى. 3- قدرة الله تعالى وعظمته. 4- تخويف الله تعالى لعباده بالآيات المرسلة. 5- هدي النبي مع الآيات الكونية. 6- خطر الركون إلى التفسيرات المادية لهذه الآيات. 7- وقفات تربوية بمناسبة الامتحانات.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها المسلمون، إن في هذه الدنيا مصائب وفتنًا ومحنًا وزلازل مدمّرة وأعاصير مهلكة وفيضانات مفرّقة، آلام تضيق بها النفوس، ومزعجات تورِث الخوفَ والجزع، كم ترَى من شاكٍ، وكم تسمع من لوّام، وكم تبصر من مبتلى.
إن الله سبحانه وتعالى يُري عباده من آياته ليعتبروا ويتوبوا، فالسعيد من تنبه وتاب، والشقي من غفل واستمر على المعاصي ولم ينتفع بالآيات.
كم نسمع من الحوادث ونشاهد من العبر، حروب في البلاد المجاورة أتلفت أممًا كثيرة وشردت البقية عن ديارهم، يتمت أطفالًا ورمّلت نساءً، وأفقرت أغنياء وأذلت أعزاء، ولا تزال تتوقد نارها ويتطاير شرارها على من حولهم، وغير الحروب هناك كوارث ينزلها الله بالناس، كالعواصف والأعاصير التي تجتاح الأقاليم والمراكب في البحار، والفيضانات التي تغرق القرى والزروع، وهناك حوادث السير في البر والبحر والجو، والتي ينجم عنها موت الجماعات من الناس في لحظة واحدة، وهناك الأمراض الفتاكة المستعصية التي تهدد البشر، وهناك الزلازل، كل ذلك يخوف الله به عباده، ويريهم بعض قوته وقدرته عليهم، ويعرفهم بضعفهم، ويذكرهم بذنوبهم، فهل اعتبرنا؟! هل تذكرنا؟! هل غيرنا من أحوالنا؟!
جنودٌ غير متناهِيَة؛ لأنَّ قدرةَ الله غير متناهية، فالكون كلُّه بإنسِه وجنّه وأرضِه وسمائه وهوائه ومائِه وبَرّه وبحره وكواكبه ونجومِه وكلِّ مخلوقاته ما علِمنا منه وما لم نعلَم كلُّها مسخَّرة بأمرِه، سبحانه يمسك ما يشاء عمّن يشاء، ويرسل ما يشاء إلى من يشاء، وكيف لا تُدرَك عظمةُ الجبار جلّ جلاله وضَعف جبابرة الأرض مهما أوتُوا من قوّة؟! كيف لا تدلُّ على عظمَةِ الجبّار ومنها ما يهلِك أممًا ويدمِّر ديارًا في ثوانٍ وأجزاء من الثواني، ومنها ما ينتقِل عبرَ الماء، ومنها ما يطير في الهواء، ومنها ما يُرى، ومنها ما لا يُرى؟! نُذُر وآيات وعقوباتٌ وتخوِيفات لا تدفعها القوى، ولا تطيقها الطّاقات، ولا تقدر عليها القدرات، ولا تتمكَّن منها الإمكانات، ولا تفيد فيها الرّاصِدات ولا التنبّؤَات، ولا تصِل إليها المضادّاتُ ولا المُصِدّات، من حيث يحتسِبون ولا يحتَسِبون، أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [النحل: 45-47] ، أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا.
عبادَ الله، إنها آياتُ الله وأيّامه، تظهر فيها عظمةُ ذي الجلال وقُدرته وقوّته وعظيم سُلطانِه وعِزّته وتمامُ ملكه وأمرِه وتدبيره. إنَّ هذه الحوادثَ والقوارع توقِظ قلوبًا غافلة لتراجعَ توحيدها وإخلاصَها، فلا تشرِك معه في قوَّتِه وقدرته وسلطانِه أحدًا، ويُفيق بعض من غرَّتهم قوّتهم فيتذكَّرون أنَّ الله الذي خلَقَهم هو أشدّ منهم قوّةً.
أيّها المسلِمون، ومن مواقفِ العِبَر والادِّكار في هذهِ الآياتِ والنّذُر ما يرسِل الله فيها من التخويفِ والتّحذير كما قال سبحانه: وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا [الإسراء: 59] ، وقوله في كسوفِ الشمس وخسوفِ القمر: (( إنهما آيتَانِ من آيات الله، يخوِّف الله بهما عباده ) ).
فكَم من إنسانٍ يرَى آحادَ الناسِ مِن حولِه يُتَخَطّفون ويُقتَلون ويَقرَأ آياتِ الله لكنّه لا يعتبر، فإذا ما رأى مِن هذه الآياتِ الكِبار المخوِّفات تذكَّر وادَّكر، فهي ذِكرى لمن كان له قلب، يستوي في ذلك من حضَرها ومَن شاهدَها ومن وَقع فيها ومن نَجا منها ومن سَمِع بها؛ أعاصيرُ وزلازل وفيضانات وانهيارات وأوبِئة وأمراض من آيات الله وجنودِه، تذكِّر الغافلين وتنذِر الظالمين وتوقِظ المستكبرين ويَعتَبر بها المؤمنون ويرجِع بها المذنبون.
انظروا ـ رحمكم الله ـ إلى هدي نبيِّكم محمّد وخوفه من ربِّه مع أن الله سبحانه وتعالى قد جعَله أمَنَةً لأصحابه، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: 33] ، ومع هذا كان إذا هبّت الريح الشديدةُ عرِف ذلك في وجهِه، وحين ينعقد الغَمام في السماء ويكون السّحابُ ركامًا يُرَى عليه الصلاة والسلام يقبِل ويُدبِر ويدخل البيتَ ويخرج، فتقول عائشة رضي الله عنها: ما بك يا رسول الله؟! فيقول: (( ما يؤمِّنُني أن يكونَ عذابًا، إنَّ قومًا رأوا ذلك فقالوا: هذا عارِضٌ ممطرنا، فقال الله: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الأحقاف: 24] ) )حتَّى إذا نزَل المطر سرِّيَ عنه.
أيّها المسلمون، وهذه الآيات والحوادث والكوارثُ ولو عُرِفت أسبابها المادّيّة وتفسيراتها العِلمية فلا ينبغي أن يُظَنَّ أن هذا صارفٌ عن كونها آياتٍ وتخويفات والنّظر فيما وراء الأسبابِ والتعليلات من أقدارِ الله وحُكمِه وحِكمَته، فهي آيات الله ومَقَادِره، يقدِّرها متى شاء، ويرسلها كيف شاء، ويمسِكها عمّن يشاء، يعجزُ الخلق عن دفعها ورفعها مهما كانت علومهم ومعارِفهم وقواهم واحتياطاتهُم واستعداداتهم.
عبادَ الله، وإنَّ مما يُخشَى أن يكونَ الركونُ إلى التفسير المادّيّ والاستكانةُ إلى التحرير العِلميّ والبعد عن العِظَة والذكرى من تزيينِ الشيطان، كما في قوله سبحانه: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: 43] . عياذًا بالله عبادَ الله، تهتزّ البِحار وتتصدَّع الجبال ولا تهتزّ القلوب؟! وترتجف الدّيار ولا ترتجف الأفئدة؟! وتعصِف الرياح ولا تعصِف النفوس؟! وتتزلزَل الأرض ولا يتزلزل ابنُ آدم المخذول؟! يبتَلَون ويفتَنون في كلِّ عام مرّة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، ولا تكونوا كأصحابِ نفوسٍ قست قلوبها وغلُظت أكبادها وعظُم عن آياتِ الله حجابها، فلا تعتبر ولا تدّكِر، لا تكونوا من أقوامٍ جاءتهم آياتُ ربهم فكانوا منها يضحَكون، وتأتيهم الآيةُ وهي أكبر مِن أختها فكانوا عنها معرضين.
إنَّ من تأمَّل أحوالَ بعض الناس ومواقفَهم ومسالكهم رأى أمورًا مخيفة؛ فيهم جرأةٌ على حرماتِ الله شديدة، وانتهاك لحرمات الله عظيمة، وتَضييع لأوامره، وتجاوزٌ لحدوده، وتفريطٌ في المسؤوليات في العباداتِ والمعاملات وإضاعةِ الحقوق، فالحذَرَ الحذر ـ رحمكم الله ـ مِن مكر الله، فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ.
بارك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله الواحد القهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مقلب القلوب والأبصار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى صحابته الأبرار، وآل بيته الطيبين الأطهار، ومن سار على نهجهم واهتدى بهديهم إلى يوم الحشر والقرار.
أما بعد: أيها الناس، في هذه الأيام تشتعل العزائم وتتوقد الهمم وتتضافر الجهود استعدادًا للامتحانات، تتهيأ المدارس والمؤسسات العلمية بجميع مرافقها وأعضائها، ويهتمّ الآباء بتوجيه أبنائهم وتشجيعهم، وينشط الطلاب للمذاكرة سهرًا وجدًا واجتهادًا.
كل عام يتكرر هذا الموقف وهذا المشهد، مشهد دخول الطلاب والطالبات إلى قاعات الامتحانات، هذا المشهد لا بد من الوقوف معه وقفات تربوية مع أبنائنا الطلاب.
أيها الطالب، احرص على بر والديك وطلب الدعاء منهم، واحرص على النوم مبكرًا، واعط نفسك قسطًا من الراحة، وإياك والقلق وعدم الثقة بنفسك، ولا تجعل لوساوس الشيطان عليك سبيلا أو الخواطر السيئة على قلبك، مثل التفكير المستمر بالفشل وعدم النجاح ونحو ذلك، وليكن التفاؤل حاديك في كل أعمالك.
واحذر من مصاحبة البطالين والكسالى، واربأ بنفسك عن مجالستهم، وخاصة أهل المعاصي والموبقات، واعلم أنّ من أقلّ أضرار المعصية عدم التوفيق في أمورك كلها.
واحذر من الغش، واعلم أنها حيلة العاجزين وطريق الفاشلين وصفة قبيحة لا تليق بالمؤمنين، كيف لا والنبي يقول: (( من غشنا فليس منا ) )؟! كيف ترجو السداد والنجاح ونبيك يتبرأ منك نسأل الله السلامة والعافية؟!
وأخيرا، إذا دخلت صالة الامتحان فأكثر من ذكر الله والتبرؤ من حولك وقوتك، ولا تغتر بحافظتك أو جهدك، وتوكل على ربك، واقرأ الأسئلة بهدوء ودون عجلة، ولا تفكر فقط بأن تنهي الأسئلة، بل عليك بالتؤدة والهدوء والمراجعة، فإنها من أهم الأسباب في إتقان الإجابة.
اللهم إنا نسألك التيسير، اللهم يسر أمورنا واشرح صدورنا، ووفق أبناءنا وبناتنا، اللهم اجعلهم مشاعل نور وهداية، وخذ بهم إلى سبيل الرضا والولاية يا أرحم الراحمين
هذا وصلّوا وسلّموا على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله النبيّ الأمّيّ.
اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين...