فهرس الكتاب

الصفحة 607 من 5777

إصرار المشركين على محاربة الدعوة

سيرة وتاريخ

السيرة النبوية

عثمان بن جمعة ضميرية

الطائف

غير محدد

1-ثبات رسول الله على دعوته وعدم استجابته لإغراءات قريش. 2- موقف قريش من

الدعوة الإسلامية ورجالاتها. 3- تعذيب الصحابة في مكة. 4- مواقف الجاهلية عند العجز عن

المقارعة بالحجة ، وصور ذلك.

أما بعد:

لقد رأينا أيها الاخوة موقفا من مواقف قومين بالنسبة للدعوة الإسلامية التي حمل لواءها محمد صلوات الله وسلامه عليه فحاولت أن تغريه بالمال والجاه ، وأن تأخذه بالعصبية والحمية ، وأن تحاول الحلول الوسط ، ولكنها لم تفلح في ذلك كله.

فقرر المشركون عندئذ ألا يألوا جهدا في محاربة الإسلام وإيذاء الداخلين فيه والتعرض لهم بألوان الإسلام والنكال والتعذيب.

ومنذ جهر رسول الله بالدعوة إلى الله وعالن قومه بضلال ورثوه عن آباءهم ، انفجرت مكة بمشاعر الغضب ، وطلت عشرة أعوام تعدُّ المسلمين عصاة ثائرين على نظامها ، فزلزلت الأرض من تحت أقدامهم واستباحت في الحرم الآمن دماءهم وأموالهم وأعراضهم.

وصاحبت هذه الأحقاد المشتعلة حربا من السخرية والتحقير ، قصد بها تخذيل المسلمين وتوهين قواهم المعنوية ، فكانوا يرمون النبي وصحابته بالتهم الهازلة والشتائم السفيهة وتألفت منهم عصابة للاستهزاء بالإسلام وأهله ، على نحو ما تفعل الصحافة المعارضة عندما تنشر عن الخصوم النكت اللاذعة والصور المضحكة للحط من مكانتهم لدى الناس ، فالرسول ينادي بالجنون: وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون.

أو ويوصف بالسحر والكذب: وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب. ويشيع ويستقبل بنظرات حاقدة وعواطف منفعلة: وإن يكد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون.

وكذلك كان حظ سائر المسلمين ، فهم في غدوهم ورواحهم محل التندر واللمز: إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين وانقلبت هذه الحرب إلى تنكيل وسفك دم بالنسبة للمستضعفين من المؤمنين كما يغفل الضالون اليوم فيقولن عن المؤمنين متعصبون إرهابيين فمن ليست له عصبة تدفع عنه لا يعصمه من الهوان والقتل شيء ، بل يحبس على الآلام حتى يكفر أو يموت أو يسقط إعياء.

ومن هؤلاء عمار بن ياسر ، وهو من السابقين الأولين في الإسلام ، أسلم هو وأبوه وأمه ، فكان المشركون يخرجونهم إذا حميت الرمضاء فيعذبونهم بحرها ، ويمر الرسول وهم يعذبون فيقول: (( صبرا آل ياسر... ) )فمات ياسر في العذاب ، وأغلظت أمه سمية القول لأبي جهل فطعنها بحربة فكانت أول شهيدة وشددوا العذاب على عمار وقالوا: لا نتركك حتى تسب محمدا ، ففعل فتركوه وجاء إلى الرسول وهو يبكي فقال: (( له ما راء يا عمار؟ ) )قال: شر يا رسول الله فأخبره ، فقال له: (( فإن عادوا فعد.. ) )وفيه أنزل قوله تعالى: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.

ومنهم بلال بن رباح الحبشي الذي صبوا عليه العذاب صبا وهو لا يزيد على أن يقول: أحد أحد..

ومنهم صهيب الرومي: أسلم فعذبته قريش عذابا شديدا ، ولما أراد الهجرة منعوه حتى تنازل لهم عن ماله كله، ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضاة الله.

ولم يكن هذا كله خاصا بالرجال: فإن المرأة المؤمنة قد نالها قسط كبيرا من هذا العذاب والاضطهاد فمنهن: لبينة.. كان عمر ليعذبها حتى تفتن ويدعها ويقول: إني لم أدعك إلا سآمة وكذلك كان يفعل مع زنيرة ، ومنهن الهندية ، وأم عنيس وغيرهن كثير.

واشتدت ضراوة قريش بالمستضعفين ، فذهب أحدهم وهو خباب بن الأرت إلى رسول الله وهو متوسدة بردة في ظل الكعبة فقال: ألا تستنصر لنا ، ألا تدعوا لنا ، فقال: (( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتي بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأقساط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه ، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون ) )نعم ، والله ليتمن الله هذا الأمر ، فماذا عسى أن يفعل محمد لأصحابه أكثر من هذا ، فالأمر ليس بيده ، ولكنه واثق بربه سبحانه أنه لن يضيعه ولن يضيع دينه ، وهو لم يجمع أصحابه على مغنم عاجل أو آجل ولم يمنيهم بالمناصب والأموال فحسبه أن أزال الغشاوة عن أبصارهم فأبصروا الحق ، ومسح الران عن قلوبهم فعرفت اليقين ، حسبه أن وصل البشر بربهم فربطهم بنسب عريق وسبب وثيق وكانوا من قبل حيارى محسورين ، إنه وازن للناس بين الخلود والغناء فآثروا الدار الآخرة الباقية على الدار الزائلة ، وخيرهم بين أصنام حقيرة وإله عظيم ، فازدروا الأوثان المنحوتة وتوجهوا لله الذي فطر السماوات والأرض ، وحسب محمد أن أوضح طبيعة المعركة بين الحق والباطل ليلزم أهل الحق حقهم فهو منصور ولو بعد حين: وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون.

ولو تساءل المرء عن سبب موقف قريش هذا لما يكيدون للحق ، لما يقابلون الكلمة الصادقة التي جاء بها محمد بهذا كله ، لو تساءل لوجد الجواب في سنة الله تعالى في خلقه في ذلك الصراع بين الحق والباطل على مدار التاريخ.

فالله تعالى يقول عن إبراهيم وعد موقف قومه منه بعد أن عزوا عن مقارعة الحجة بالحجة قال: قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين. قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين.

وعندما رأى فرعون آيات ومعجزاته لموسى الذي جاءه بكلمة الحق: قال للملأ من حوله إن هذا الساحر عليه يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون.

وكذلك قال فرعون للسحرة أن أمنوا: قال فرعون أمنتم به قبل أن أذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في الدنية لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين. وكذلك حكى الله عنه قوله: قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون.

وحكى الله تعالى موقف قوم نوح منه: قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين قال رب إن قومي كذبون فافتح بين وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت