فهرس الكتاب

الصفحة 4752 من 5777

سورة العصر

العلم والدعوة والجهاد

القرآن والتفسير

محمد بن حمد الخميس

الدمام

جامع الهدى

1-معجزات الرسل عليهم السلام. 2- عظمة القرآن الكريم. 3- فضل تدبر القرآن الكريم. 4- تفسير سورة العصر.

أما بعد:عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، والجد في طلب رضاه، فإن من اتقى الله وقاه، ومن اجتهد في طاعته نال عفوه وأدرك مبتغاه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70، 71] .

ثم أما بعد: أيها الأحبة في الله، إن الله جل في علاه جعل لكل رسول من الرسل معجزة خصه بها؛ ليصدّقه قومه، أو يقيم عليهم الحجة إن كذّبوها، فموسى عليه السلام حينما بعث في قوم بلغوا من السحر ذروتَه وغايته جعل الله معجزته العصا، فإذا بها تبطل سحرهم وتذهب كيدهم، فأظهرت الحق وأبطلت الباطل بإذن الله، وعيسى عليه السلام بلغ قومه في الطب مبلغًا عظيمًا، ونبغوا في فنونه نبوغًا فائقًا، فإذا به يأتي بمعجزة فاقت طبهم، وعلمٍ يفوق قدرتهم وإمكاناتهم، فأبرأ الأكمة والأبرص وأحيا الموتى بإذن الله، وأما رسولنا وعظيمنا محمد فأرسل في أمّة فصيحة في لغتها مجيدة في بيانها، فأنزل الله عليه القرآن العظيم، فدهشوا من بيانه، وبهتوا من تبيانه، وحاروا من فصاحته وقوة صياغته، سمعه شاعر من شعرائهم وزعيم من زعمائهم وهو الوليد بن المغيرة فلم يستطع تكذيبه، ولم يقدر على دفعه ورده، بل شهد شهادة الحق، ووصفه بوصف الصدق فقال:"إنّ له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه"، والحق ما شهدت به الأعداء.

أحبتي في الله، ما تدبر كتاب الله متدبّر إلا وفقه الله وهداه، ومن سبل الغواية نجاه، كتاب الله تعالى مَن حكم به عَدل، ومن استرشد بنهجه رشَد، كتاب الله تعالى من عمل به دخل الجنة، ومن جعله خلفَ ظهره قذفه في النار، كتاب الله تعالى أمِرنا بتدبّر آياته، ونهِينا عن هجره والابتعاد عن عظاته، قال سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] ، وقال سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82] .

أحبتي في الله، سنقف وإياكم وقفات مع بعض السور من القرآن، نتدبر بعض ما فيها من العظات، ننهل من بحارها الزاخرة، ونقطف من ثمارها اليانعة. نبدأ اليوم بسورة عظيمة من سوره، ودرّةٍ غالية من درره، هذه السورة جاءت تنشر عطرها الشاهد بفلاح المؤمنين وخسران الكافرين، وعلى الرغم من قِصَر هذه السورة العظيمة إلا أنها رسمت منهجًا متكاملًا وحياةً وافيةً للمسلم الحق؛ وذلك بأخصر عبارة وأجمل بيان، فهي سورة ذات آيات ثلاث، جمعت علوم القرآن وغاياته.

في هذه السورة يتمثل نهج الإسلام وطريقه، وتبرز معالمه وأركانه. هذه السورة الكريمة تؤكد أنه ليس للنجاة إلا طريقٌ واحدٌ على امتداد الزمان في جميع الأعصار وامتداد الإنسان في كل الأمصار. ثبت عند الطبراني أن الرجلين من أصحاب رسول الله إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [سورة العصر] .

ارتكزت هذه السورة العظيمة على معالم أربعة: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.

بُدئت هذه السورة بالقسم بالعصر، وهو الدهر كله أو جزء منه، وقال بعض المفسرين: إنها صلاة العصر. إن في قسم الله سبحانه بالعصر دلالة على عظم هذا المخلوق، فإن العصر هو منتهى النهار ومُقْتَبَل الليل؛ ولذلك أصبحت صلاة العصر من أفضل الصلوات، ومن حافظ على أدائها كانت له طريقًا إلى الجنة. جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله: (( من صلّى البردين دخل الجنة ) )، والبردان: الصبح والعصر. وبالمقابل من فرط فيها ولم يحافظ على أدائها وتكاسل عن ذلك كانت سببًا لحبوط عمله، يقول المصطفى كما في الصحيحين: (( من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ) ).

وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ، هذا هو جواب القسم، يؤكّد خسارة الإنسان, كل إنسان، الأحمر والأسود، العربي والأعجمي، أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ [إبراهيم:18] . ولا ينجو ولن ينجو إلا من استكمل أسباب النجاة التي دلت عليها السورة الكريمة، وأولها وأهمها الإيمان بالله وبما جاء من عند الله، الإيمان تلكم الكلمة المدوية المجلجلة التي تهزُّ كيان المسلم، فيرنو إليها ببصيرته، ويتحرك نحوها فؤاده، ويشد إليها رحاله، وتسمو إليها تطلعاته. إنه الميدان الذي يتسابق فيه المتسابقون، ويتنافس فيه المتنافسون.

الإيمان: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان.

الإيمان: نفحة ربانية يقذفها الله في قلوب من يختارهم من أهل هدايته، ويهيئ لهم سبل العمل لمرضاته، ويجعل قلوبهم تتعلق بمحبته، وتأْنَس بقربه. فالمؤمنون في رياض المحبة وفي جنان الوصل يرتعون ويمرحون، أحبهم الله فأحبوه، ورضي عنهم فرضوا عنه، اقتربوا منه بالصالحات والطاعات، فدنا منهم بالمغفرة والرحمات، كما في الحديث القدسي: (( ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ) ). نسأل الله تعالى أن نكون من أهل محبته ورضوانه.

الإيمان: شعور يختلج في الصدر، ويبعث في القلب الثقة بالله والأنس بالله والطمأنينة بذكره، أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.

الإيمان: شعور بأنك ذرّة في كون عظيم هائل، متجه إلى الله، يسبِّح لله، ويخضع لله، ويؤمن بالله، فسبحان من آمن له الكون أجمعه، وسبحان من سبَّح له الكون كله، تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِه وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.

إن أعظم كنز يكتنزه العبد في هذه الحياة هو كنز الإيمان، وإن أعظم ثروة يمتلكها العبد في هذه الحياة هي ثروة الإيمان.

الإيمان كما فسره لجبريل عليه السلام أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. هذا المعنى العظيم للإيمان ينعكس على حياة المؤمن، فيسعدها في الدنيا، وينجيها في الآخرة.

فالإيمان بالله يشعر العبد بأن الله يراقبه في أفعاله صغيرة كانت أو كبيرة، مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7] . إذا استشعر العبد هذه المعيّة سابق إلى الخيرات وخضع مستجيبا لربّ الأرض والسماوات

إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل: خلوت ولكن قل: عليّ رقيب

ولا تَحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيب

والإيمان بالملائكة يجعل المؤمن يستحي من معصية الله لعلمه أن الملائكة معه، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] ، ترافقه وتراه وتحصي عليه أعماله بسجلات محكمة، لا تغادر صغيرة ولا كبيرة.

والإيمان بالكتب يجعل المؤمن يعتزّ بكلام الله ويتقرب إليه بتلاوته والعمل.

والإيمان بالرسل يجعل المؤمن يأنس بأخبارهم، فيتخذهم أسوة وقدوة، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ [الأحزاب:21] .

والإيمان باليوم الآخر ينمي في النفس حبّ الخير، ليلقى ثوابه في جنات النعيم، ويكرّه في النفس الشرّ ودواعيه خوفا من نار تلظّى ومن وقوف بين يدي المولى.

والإيمان بالقدر يجعل نفس المؤمن لا تخاف ما أصابها ولا ترجو ما سوى ربها، لا تقنع إلا بالله، ولا تلجأ إلا لله، تزهد بالموت ولا تبالي، لا تخضع للطغيان، بل تخضع للرحمن، ولسان حالها يقول:

ماض وأعرف ما دربي وما هدفي والْموت يرقص لي في كل منعطف

وما أبالِي به حتى أحاذره فخشية الموت عندي أبرد الطرف

هات ما عندك هاتِ، معي الإيمان يهديني ببحر الظلماتِ، بلسم الإيمان ينجي مركبي والموج عاتي، هل ترى الإعصار يومًا هزَّ شُمًّا راسيات؟! كل ذلك يدفع العبد إلى عمل الصالحات وحب الخيرات وترك المنكرات؛ ولذلك قال الله بعدها: إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ. فالعمل الصالح ميدان العاملين وسمة المؤمنين وديدن الموحدين، لا يطمئنون إلا إليه، ولا يتنافسون إلا فيه، ولا يتسابقون إلا عليه، يتفانون في حبه، ويسابقون لكسبه، ولا يحيدون عن دربه. والإيمان بلا عمل كالجسد بلا روح، وكالشجر بلا ثمر، ولذلك يجمع القرآن دائمًا بين العمل والإيمان، ليلفت نظر الإنسان أنه لا قيمة لإيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان، قال جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف:107] . وتحديد مصير الإنسان يوم القيامة مبني على إحسان العمل أو إساءته، إن أحسن فله الجنة مع الأبرار، وإن أساء فما له إلا النار، قال تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ [الروم:14-16] .

والإيمان لا يعني أن يكون المؤمنون قابعين في بيوتهم، لا يهمهم أمر الإسلام ولا المسلمين، فأهل الإيمان يتواصون بالحق واتّباع سبله ونبذ الباطل ومسالكه؛ ولذلك قال الله تعالى بعد الإيمان والعمل الصالح: وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ. فهم يتواصون بحقّ بعضهم على بعض، وبحقوق أهل الإسلام عليهم، وبحقوق الله عليهم من الدعوة إلى دينه وتعظيم حرماته وترك مساخطه وغضبه، ويتواصون بالثبات على طريق الإيمان.

فإذا عمل المؤمن الصالحات وتواصى بالحق احتاج إلى الصبر عليها والمجاهدة في متابعتها واستمرارها ونبذ المحرمات واجتنابها؛ لذلك وصف الله المؤمنين بأنهم يتواصون بالصبر: وَتَوَاصَوْاْ بِالْصَّبْرِ أي: يوصي بعضهم بعضًا بالصبر على أقدار الله، والصبر على طاعة الله، وترك ما حرم الله، فهم يتواصون بالصبر بأكمل صوره وأجلى معانيه، فتراهم يذكر بعضهم بعضا بقول النبي: (( عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) )، ويذكر بعضهم بعضا بالموقف العظيم يوم ينظر الله للناس وهم في عرصات القيامة، ثم يقول لأناس منهم: ادخلوا الجنة بلا حساب، فيقولون: يا ربنا، ويا مولانا، قد حاسبتَ الناس وتركتنا! فيقول: قد حاسبتكم في الدنيا، وعِزّتي وجلالي لا أجمع عليكم مصيبتين، ادخلوا الجنة، فيتمنى أهل الموقف أن لو قرضوا بالمقاريض لينالوا ما نال هؤلاء من النعيم بسبب صبرهم واحتسابهم. وفي الحديث القدسي أن الله عز وجل يقول: (( ما لعبدي المؤمن عندي من جزاء إذا قبضت صفيه وخليله من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة ) )حديث صحيح، وفي الحديث القدسي أن الله عز وجل يقول لملائكته: (( قبضتم ابن عبدي المؤمن، قبضتم ثمرة فؤاده، وهو أعلم سبحانه، فتقول الملائكة: نعم، فيقول: وماذا قال؟ وهو أعلم جل وعلا، قالوا: حمدك واسترجع، فيقول الله جل وعلا: ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيتَ الحمد ) )حديث صحيح. وَبَشِّرِ الصَّابِرِين الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:155، 156] .

أيها الأحبة في الله، لا يزال أهل الإيمان كذلك, إيمانهم راسخ وعملهم دائم، يتواصون بالحق ويتواصون بالصبر، حتى تنقضي دنياهم فيعيشون بعد بعثهم الحياة الحقيقية والنعيم المقيم, حينها يعلم أهل الباطل وطلاب الدنيا أنهم ما كانوا إلا في خسران، وأنهم لم يذوقوا شيئًا من نعيم الدنيا.

فعلى من أراد أن يكون في عداد أولئك, ما عليه إلا أن يطبق هذه المعاني الجليلة في هذه السورة العظيمة تطبيقًا عمليًا، وصدق الشافعي إذ يقول:"لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لوسعتهم". وللحديث بقية عن سورة أخرى من سور القرآن العظيم.

اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن العظيم. اللهم اجعلنا لكتابك من التالين، وللذيذ خطابه من المستمعين، ولأوامره من العامِلين، ولنواهيه من المستجيبين يا رب العالمين.

قلت ما قد سمعتم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت