فهرس الكتاب

الصفحة 704 من 5777

ما يجب على كل مسلم

الأسرة والمجتمع, الإيمان, العلم والدعوة والجهاد

الأبناء, التربية والتزكية, الولاء والبراء

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

واجبان عظيمان: 1- العلم 2- العمل - هكذا كان الصحابة - ما يجب نحو الخَلق ( الولاء والبراء ) ما يجب نحو الأسرة والأولاد

أما بعد: سأل سائل بعدما سمع الأحاديث الماضية عن الإيمان فقال: ماذا يجب علىّ أن أفعل. ما هو الواجب على كل مسلم ؟

كان الصحابة رضي الله عنهم يسألون النبي فيقول: (( أحدهم دلنا على عمل يقربنا إلى الجنة ويباعدنا عن النار ) ) [1] .

وسأله وفد عبد القيس [2] فقالوا: مرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا ندخل به الجنة، نعم ماذا يجب على كل مسلم أن يفعل ؟ على كل مسلم واجبان هما العلم والعمل.

أما العلم: فعليه أن يتعلم الضروري من أمور دينه عليه أن يتعلم ما يصحح به إيمانه واعتقاده، وعليه أن يتعلم ما يصحح به عمله.

هذا القدر من العلم واجب على كل مسلم ومسلمة لا يُعذر أحد بتركه كائنًا من كان فإذا تعلم المسلم شيئًا قال رسول الله: (( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) ) [3] .

يشير إلى ذلك القدر الضروري من تعلم أمور الدين.

فإذا تعلم المسلم شيئًا فعليه أن يطبقه. كلما تعلم شيئًا من أمور دينه عليه أن يبادر إلى تطبيقه. هكذا كانت طريقة أصحاب رسول الله كانوا رضوان الله عليهم أجمعين كلما نزلت خمس آيات أو عشر آيات تعلموا ما فيهن من العلم والعمل [4] .

فإذا بدأت مسيرتك نحو العلم والعمل فاعلم أن هناك ما يجب أن تعرفه وتؤمن به وهناك ما يجب أن تعرفه وتعمله.

أما ما يجب عليك أن تعرفه وتؤمن به فأمور الإيمان الستة الأركان الستة وهى معرفة الله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

وأما ما يجب أن تعرفه وتعمله وتبادر إلى تطبيقه فأن تعبد الله وحده ولا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إلى ذلك سبيلًا وتجاهد في سبيل الله بمالك ونفسك.

وأما ما يجب عليك نحو المخلوقين فأولًا وقبل كل شيء أن يسلم المسلمون من لسانك ويدك أن تكف أذاك وشرك عن إخوانك المسلمين.

ثم بعد ذلك تكون رحيمًا بهم ناصحًا لهم لا تظلم أحدًا منهم ولا تغشهم ولا تخذلهم.

وتحب في الله وتوالي في الله وتكره الكفر والطاغوت، يجب عليك أن تبغض الكفر والطاغوت وأهل الكفر وعبد الطاغوت وتعاديهم في الله وتجاهدهم بكل ما استطعت من نفسك ومالك وقلمك ولسانك وسعيك وجهدك وعقلك ورأيك كما يجب عليك أن تؤمن بالله وتحب أهل الإيمان وعليك أن تكفر بالطاغوت وتبغض أهل الكفر وعبد الطاغوت وتجاهدهم بمالك إن كنت ذا مال بنفسك بقلمك ولسانك بأي شيء تملك.

أيها المسلم وعليك مع ذلك كله أن تحذر من الوقوع في الكبائر. أن تحذر في الوقوع في أكبر الكبائر على وجه الخصوص وأكبر الكبائر هو الشرك بالله فإن الشرك بالله يحبط العمل كله. لو أتيت بكل ما ذكرنا وفعلت كل ما ذكرنا وبذلت فيه كل جهدك وطاقتك ثم لقيت ربك بالشرك فقد حبط عملك كله.

إن الله سبحانه وتعالى يغفر الذنوب جميعًا إلا الشرك فإنه لا يغفره.

قال تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثمًا عظيمًا [النساء:48] وقال تعالى: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين [الزمر:65-66] .

فاحذر أيها المسلم من الوقوع في الشرك، العبد قد يقع في الشرك فلا غفران مع الشرك ولا يستحق مرتكب هذه الكبيرة لا يستحق الرحمة أبدًا. لكن قد يقع إنسان في باقي الكبائر والمعاصي فهو حينئذ تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه بعدله وإن شاء غفر له بفضله.

قال الرب سبحانه في الحديث القدسي: (( من لقيني بقراب الأرض خطيئة(بقراب الأرض أي بملء الأرض) وهو لا يشرك بي شيئًا لقيته بقرابها مغفرة )) [5] رواه مسلم فصحح إيمانك أيها المسلم أولًا وقبل كل شيء صححه من أدران الشرك حتى تلقى ربك سبحانه بإيمان سليم غير مشوب بشرك.

صحح إيمانك أولًا حتى يصح اعتقادك ويصح عملك ولا تكن كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا. تغزل وتجتهد وتبذل جهدها وسعيها حتى إذا أتمت غزلها أتت عليه كله فنقضته، هذا مثال الإنسان الذي جاء بأعمال صالحة وأنواع من البر والخير ثم لم يتورع من الوقوع في الشرك وأعمال الشرك إما جهلًا منه وإما تقليدًا واتباعًا للآباء والأجداد فهذا والعياذ بالله أحبط بشركه عمله كله أحبط بشركه كل تلك الأعمال الصالحة وكل تلك الأنواع من البر والخير. كما أخبر رب العزة والجلال مخاطبًا سيده وحبيبه محمدًا والمراد أمته: لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين [الزمر:65] .

يا أيها المسلم ابدأ مسيرتك نحو الجنة لا تماطل نفسك ولا تسوف.

ابدأ مسيرتك نحو الجنة ابدأ بنفسك ثم بمن تعول. ابدأ ومعك أهلك وأولادك وأسرتك ومن حولك، لا تبدأ وتضع نفسك في طريق الجنة وتنسى أهلك وفلذة كبدك وتتركهم في طريق الهلاك والدمار.

يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون [التحريم:6] .

أول ما بدأ رسول الله بدأ بنفسه فكان وهو شاب في مقتبل حياته كان يعرض عما يقع فيه أترابه من شباب مكة وينزه نفسه عن ذلك ثم حُبب إليه الخلاء فذهب يتعبد ربه في غار حراء [6] ولبث على ذلك برهة من الزمن حتى فاجأه الوحي وهو في أحسن حال.

وبم بدأ معه الوحي، الوحي بدأ مع النبي بنفسه فقيل له: اقرأ باسم ربك الذي خلق [العلق:1] فأُمر عليه الصلاة والسلام بالعلم. ثم قيل له: قم الليل إلا قليلًا [المزمل:2] فأُمر بالعمل ثم جاءه الأمر بالبلاغ، بم يبدأ البلاغ؟ أُمر أولًا أن يبدأ بأهله فقيل له: وأنذر عشيرتك الأقربين [الشعراء:214] . الأهل والعشيرة الأقربين أولًا ثم بعد ذلك جاءه الأمر بالبلاغ العام للناس جميعًا فقيل له: فاصدع بما تُؤمر وأعرض عن المشركين [الحجر:94] .

هذا هو الترتيب الرباني لهذا الأمر. فعلينا أن نرتب حياتنا كما أمرنا الله عز وجل نبدأ بما بدأ الله ونختم بما ختم الله.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إن المتقين في جنات ونعيم فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم كلوا واشربوا هنيئًا بما كنتم تعلمون متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين، والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين [الطور:17-21] .

[1] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب (30) الزكاة (1) باب وجوب الزكاة (2/506) برقم 1396.

[2] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان (38) باب: أداء الخمسمن الإيمان (1/29) برقم (53) .

[3] أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/23) برقم (15) وغيره.

[4] أخرجه ابن سعد في الطبقات (6/172) والقسوي في المعرفة والتاريخ (2/589-590) وغيرهاما عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود ومسنده صحيح.

[5] أخرجه مسلم في صحيحه (48) في كتاب الذكروالدعاء والتوبة والاستغفار (6) باب فضل الذكر والدعاء (4/2068) برقم (2687) .

[6] أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب (1) بدء الوحي (1) باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1/4) برقم (3) .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئًا.

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار.

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون [آل عمران:102] يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا [الأحزاب:70-71] .

وصلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علىَّ وعن سائر آل بيتك الطيبين الطاهرين وعن زوجاته أمهات المؤمنين وعن سائر الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت