التوحيد, فقه
أهمية التوحيد, قضايا فقهية معاصرة
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-أهمية التوحيد وحماية الشارع له من كل ما يؤثر فيه بالنقص.
2-خطورة الصور والتصوير وما كان لها من أثر على فساد قوم نوح عليه السلام وكذلك فساد
النصارى.
3-حكم التصوير وأدلة ذلك.
أما بعد:
لا توجد قضية اعتنى بها الشرع وتكرر ذكرها بصور شتى في القرآن مثل قضية التوحيد وافراد الله بالعبادة. والتوحيد لا يقبل خدشًا فيه، فأقل شيء يخالفه يؤثر على صفائه ونقائه في قلب المؤمن. ولما كان الأمر كذلك فقد اعتنت الشريعة الحنيفية بالتحذير من كل ما يخدش في هذا التوحيد أو يضعف أثره في القلوب، القلوب التي تعصف بها الشهوات والشبهات، القلوب التي إن لم توحد الله وتخشع له، وتخضع لجلاله فإنها ولا ريب ستخضع لغيره وتذل لسواه، بل وتتعبد له وترق له، وتلهج بذكر مرادها وهواها.
أيها المسلمون: ومن الأمور التي جاء الإسلام بتحريمها والنهي عنها حفظًا وحماية لجناب التوحيد، النهي عن الصور والتصوير مجسمًا كان أو غير مجسم. إن الصور والتصوير باب من أبواب هدم التوحيد والايمان في قلوب العالمين. والذي يدل على خطورة الصور والتصوير ما كان لهما من الأثر الكبير في إخراج الناس من عبادة ربهم سبحانه وتعالى إلى عبادة غيره من الانس والجن والملائكة. وظهرت خطورة الصور أول ما ظهرت على قوم نوح عليه الصلاة والسلام. روى ابن جرير بسنده عن محمد بن قيس قال: إن يغوث ويعوق ونسر كانوا قومًا صالحين من بني آدم وكان لهم أتباعٌ يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم (تأمل: لو صورناهم) كان أشوق لنا للعبادة إذا ذكرناهم (فالقصد نبيل والنية سليمة لكن انظر للنتيجة) فصوروهم فلما ماتوا - أي هؤلاء المصورين - وجاء آخرون دبّ إليهم ابليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يُسقون المطر، فعبدوهم. قال عكرمة: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الاسلام. فأتى هؤلاء فأفسدوا التوحيد والاسلام وإفراد الله بالعبادة بسبب الصور التي صوروها، وبسبب هذه الصور بعث الله نبيه نوح عليه الصلاة والسلام حتى يرد القوم عن الشرك وعبادة الصور، إلاّ أن التوحيد لما كان ضعيفًا في قلوبهم، وكانت الصور تملأ أبصارهم أنّى اتجهوا وجدوها مزخرفة ومصورة ومجسمة فملأت قلوبهم، فلم يبق فيها ذكر لله عز وجل وسخروا من التوحيد والإسلام الذي جاء به نوح عليه الصلاة والسلام مما حدا بنوح أن يقول: رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارًا ومكروا مكرًا كبارًا وقالوا لاتذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا وقد أضلوا كثيرًا ولا تزد الظالمين إلا ضلالًا.
والسبب في كل هذا: الصور. إذن: الصور خطيرة على التوحيد والإسلام وهذه مسألة محسوسة في الشريعة، ولاتنظر إلى كثرة الصور في زمانك هذا وانتشارها وتساهل الناس بها فتظن أن الأمر سهل وهين، لا.. لاتجعل الخطأ الذي استمر عليه الكبير وربى عليه الصغير، يرغمك على أن تتنازل عما هو معلوم من دينك بالضرورة. روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: أن أم سلمة لما رجعت من أرض الحبشة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها"مارية"فذكرت له ما رأت فيها من الصور فقال صلى الله عليه وسلم: (( أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ) ) [1] . هؤلاء النصارى أصابهم ما أصاب قوم نوح بسبب الصور أيضًا، صوروا على جدران كنائسهم صورة لمريم عليها السلام، وصورة لعيسى عليه السلام، وصورة لروح القدس وصورة للبطرس وهكذا، فوصل بهم الأمر لعبادتهم [2] ، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وإنما فعل ذلك أوائلهم ليستأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم - زعموا - ثم خلف من بعدهم خلف جهلوا مرادهم ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها فعبدوها ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك سدًا للذريعة المؤدية إلى ذلك. ثم قال ابن حجر رحمه الله: وفي الحديث دليل على تحريم الصور [3] .
وما تلعّب الشيطان بأمة من الأمم وفتنها بالصور والتعلق بها والإكثار منها والتفنن فيها مثل ما تلعّب بالنصارى، ولهذا كانوا حتى في حروبهم الصليبية المشهورة عندما يهزمون ويطردون من ديار المسلمين فإنهم يذهبون إلى بلادهم فيصورون تماثيل ويقولون لعوامهم حتى يستجيشوا عواطفهم: انظروا هذا محمد يضرب عيسى، زعموا وكذبوا على الله، فيصورون صورة للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يضرب عيسى عليه السلام بالعصا، فتتعالى الصرخات الشيطانية والأحوال النصرانية الكفرية عند أولئك الضالين عن توحيد الله وإفراده بالعبودية أيها الأحبة: واليوم لاتوجد كنيسة من كنائس النصارى ولا معبد من معابد اليهود إلا وفيه صورًا مجسمة وصورًا منقوشة على الجدران، فإذا رأتها عيونهم خضعت لها ورقت وبكت، ولهذا حرم الإسلام على المسلم أن يدخول لهذه الأماكن ولو من أجل السياحة كما يقال أو المعرفة أو النظر والمشاهدة، روى البيهقي بسند صحيح عن أسلم مولى عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قدم الشام صنع له رجل من النصارى طعامًا فقال لعمر: إني أحب أن تجيئني وتكرمني أنت وأصحابك، وهو رجل من عظماء الشام، فقال له عمر رضي الله عنه: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الصور التي فيها [4] .
وإذا نظرت إلى الاسلام وما يأمر به في هذا الباب تجده ينهى كل النهي عن اتخاذ الصور في المساجد، ولهذا لايوجد مسجد من مساجد المسلمين فيه صورة للنبي صلى الله عليه وسلم أو لأحد من الصحابة، وذلك لأن هذا سيهدم صرح التوحيد الذي جاء به عليه الصلاة والسلام، ولم تبتل الأمة في سالف الأزمان بكثرة الصور، وأما في هذا الزمان فالصور قد عمّت وطمّت وهذا من غربة الدين والاسلام والسنة. إذن: الصور وانتشارها وكثرتها وكثرة مشاهدتها سبب من أسباب ضعف التوحيد في القلوب وقد يؤدي إلى زواله منها، وأقل أحوالها أن تضرب القلب بالوهن والمرض فتجعله يبحث عما يطفئ غليله، ولهذا تجد الذين تعلقوا بالصور والإدمان على النظر فيها والتلذذ برؤية شكل الصورة تجد هؤلاء من أعظم الناس عذابًا في الدنيا، قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: وهؤلاء عشاق الصور من أعظم الناس عذابًا في الدنيا وأقلهم ثوابًا فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقًا بها مستعبدًا لها اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لايحصيه إلا رب العباد، ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى فدوام تعلق القلب بها بلا فعل الفاحشة أشد ضررًا عليه ممن يفعل ذنبًا ثم يتوب منه ويزول أثره من قلبه، وهؤلاء يشبّهون بالسكارى والمجانين كما قيل:
سَكران، سُكر هوىً وسُكر مدامةٍ ومتى إفاقة من به سُكران؟
أيها المسلمون: اعلموا أن الصور والتوحيد ضدان لايجتمعان في قلب امرئٍ فإما أن يتخذ الصور في قلبه محبوبًا له، وهذا هو الشرك، وإما أن يتخذ رب العالمين معبودًا محبوبًا في قلبه وهذا هو التوحيد والاخلاص. قال شيخ الاسلام: فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وارادته واستكبر عن ذلك فلا بد أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله فيكون هذا الانسان عبدًا لذلك المراد المحبوب إما المال وإما الجاه وإما الصور... انتهى.
وبهذا نعلم أن اتخاذ الصور والتعلق بها وحبها أمر لايجتمع معه الايمان بل هو قرين الشرك بالله والسبب هو التعلق بالصور. فالصورة خطيرة يا عبدالله على توحيدك وإيمانك، نعم، لاتظن أنها سهلة، وتقول أتخيفني صورة؟ نعم إن المؤمن لايخاف من ألوف مؤلفة يقابلها لكن يخاف من كل ما قد ينفذ إلى قلبه فيوهنه ويضعفه عن السير إلى ربه.
ألم تر أن العين للقلب رائدٌ فما تألفُ العينان فالقلب آلف
كم من صورة أضلت من نظر إليها وأخرجته من دائرة الايمان إلى دائرة الخسران، كم من صورة فتنت أممًا بدءًا بأمة نوح ومرورًا بأمة النصارى وانتهاءً بما نراه ونشاهده من أحوال الناس اليوم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كم من صورة ختم على قلب من تعلق بها بخاتمة السوء فلقي ربه بخاتمة سيئة والعياذ بالله والسبب الصور، وإدمان مشاهدتها، والتعلق بها:
قال بن القيم رحمه الله تعالى:"والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان فإن النظرة تولد خطرة ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوه. ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة فيقع الفعل ولابد، مالم يمنع مانع".
يقول الشاعر:
كل الحوداث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر
والعين أصل عناها فتنه النظر والقلب كل أذاه الشغل بالفكر
كم نظرة نقشت في القلب صورة راح الفؤاد بها في الأسر والحذر
والمرء ما دام ذا عين يقلبها في أعين الغيد موقوف على الخطر
يسر مقتله ما ضر مهجته لا مرحبا بسرور جاء بالضرر
فالقلب يحسد نور العين إذ نظرت والعين تحسده حقا على الفكر
يقول قلبى لعينى كلما نظرت كم تنظرين رماك الله بالسهر
فالعين تورثه همًا فتشغله والقلب بالدمع ينهاها عن النظر
هذان خصمان لا أرضى بحكمهما فأحكم فديتك بين القلب والبصر
أيها المسلمون:
كيف غزا أعداء الملة هذه الأمة في هذا الوقت، بطرق وأساليب شتى من أهم أسلحتهم الصور وما يبثونه من خلال قنواتهم وتدخل بيوتنا وتفعل فيها ما لا تفعله القنابل والدبابات، كم من شاب ضيع دينه وخلقه بسبب ما تعلق بقلبه من الصور التي يشاهدها صباح مساء، كم من فتاة جلبت العار والشنار على أهلها، بسبب ما تعلق بقلبها من الصور لم تتمكن الخلاص منه حتى نحرت عفتها بيدها. وقد أدرك خصوم الشريعة هذه القضية ولهذا أغرقونا بهذه الصور التي لايكاد يسلم منها أحد، حتى في حاجياتك الضرورية التي تشتريها لاخلاص لك من صورها الماجنة والله المستعان.
أيها الأحبة: نتيجة مهمة لابد أن نخرج بها بكل وضوح وهي: أن الصور تمثل خطرًا كبيرًا على التوحيد والايمان، وعلى أقل أحواله تضعفه وتؤثر فيه، فإذا أدركت هذا علمت السر في تشديد شريعة الاسلام في شأن الصور والمصورين، وفي شأن اتخاذ الصور في البيوت والمكاتب والمحلات والاحتفاظ بها وتعليقها، وقد جاءت الشريعة بعذاب المصور وبالوعيد الشديد لمتخذيها في البيوت، ناهيك عن أحكام كثيرة متعلقة بهذا الأمر سنفصل فيها بإذن الله تعالى كالصلاة في ثياب عليها صور أو الصلاة في أماكن فيها صور وغير ذلك من الأحكام.
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه...
[1] الفتح 1/523
[2] ولعل هذا من الأسباب التي ساعدت على تأصيل ألوهيتهم ، وإنما عبادتهم كانت ابتداءً من النصىرى عن النصارى ، فريق المنبر.
[3] الفتح 1/525.
[4] آداب الزفاف ص 165.
أما بعد:
يها المسلمون: إن التصوير من الكبائر، وليس من الصغائر كما يظن البعض، بل هو من كبائر الإثم التي قال الله فيها: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلًا كريما فالتصوير من كبائر الإثم والمعاصي وإليك البيان:
أولًا: أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون: عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون ) ). متفق عليه. وكيف يكون عذابهم؟ عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم ) )متفق عليه. يقرعون بهذا أمام الخلائق في ذلك اليوم العظيم، أحيوا ما خلقتم، زيادةً لهم في التنكيل والله جل وتعالى أعلم بأنهم عاجزون عن ذلك لكن لزيادة التنكيل بهم. ومن تعذيبه أيضًا أنه يجعل له بكل صورة صورها نفس تعذبه في نار جهنم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم ) )رواه الشيخان. ولك أن تتأمل يا أخي في قوله صلى الله عليه وسلم بكل صورة صورها، فلو صور في كل يوم عشرة صور فكم يكون في الشهر ثم السنة، ويكون له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم حتى يستوفي هذه الصور كلها.
ثانيًا: المصورون ملعونون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن أبي حجيفة عن أبيه أنه اشترى غلامًا حجّامًا فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم: (( نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي، ولعن آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور ) )أخرجه البخاري.
ثالثًا: المصورون يوكل بهم عنقًا من النار نسأل الله العافية: ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يخرج عنق من النار يوم القيامة، له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: انى وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله الها آخر، وبالمصورين.
رابعًا: الملائكة لاتدخل البيوت التي فيها صور: عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت: أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخله فعرفت في وجهه الكراهية فقالت: يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ماذا أذنبت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما بال هذه النمرقة؟ قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسّدها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون فيقال لهم أحيوا ما خلقتم. ثم قال: إن البيت الذي فيه الصور لاتدخله الملائكة ) ). متفق عليه. وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام قال: (( إنا لاندخل بيتًا فيه كلب ولا صور ) )رواه البخاري. والبيت إذا خلى من تواجد الملائكة فيه فلابد أن يكون مأوى للشياطين والأباليس.
خامسًا: يجب طمس الصور: أخرج مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته ) ). وعن أسامة قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة ورأى صورًا فدعا بدلوٍ من ماء فأتيته به فجعل يمحوها ويقول: (( قاتل الله قومًا يصورون ما لا يخلقون ) )أخرجه الطيالسي بسند جيد.
أيها المسلمون: وللبحث صلة وسوف يستوفى بإن الله تعالى في الجمعة القادمة وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه.