الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
الكبائر والمعاصي, النكاح, قضايا الأسرة
عبد الحي يوسف
الخرطوم
غير محدد
1-الشريعة معناها تحقيق مصالح العباد. 2- إباحة النكاح والحث على تسهيل وسائله. 3- الأنكحة المحرمة والفاسدة. 4- انتشار النكاح العرفي. 5- أدلة تحريمه والفرق بينه وبين النكاح الشرعي. 6- دواعي انتشار هذا النكاح وأسبابه.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى, وخير الهدي هدي محمد , وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار, وما قلّ وكفى خيرٌ مما كَثُر وألهى, وإنّ ما توعدون لآتٍ وما أنتم بمعجزين.
أما بعد: أيها المسلمون، عباد الله، فإنّ شريعة الإسلام قد جاءت بإباحة كل حلالٍ طيب, وتحريم كل ضارٍ خبيث؛ كما قال رسول: (( بُعثت بالحنيفية السّمحة ) ).
كان دينه صلوات ربي وسلامه عليه قائمًا على الحنيفية في العقائد ملّة إبراهيم عليه السلام، وعلى السّماحة في الشرائع، فليس في شريعة الإسلام ما هو في غير نطاق طاقة العبد, لاَ يُكَلّفُ ?للَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة:286] ، وليس في شريعة الإسلام حرج ولا تكليفٌ بما لا يُطاق, بل شريعة الإسلام مبناها على اليسر, مبناها على السهولة, مبناها على الحكمة، ما أباح الله شيئًا من المطاعمِ والمشارب والملابس والمراكب والمناكح وغير ذلك إلا لأنّه نافعٌ طيّب, ولا حرّم علينا شيئًا إلا لأنّه ضارٌ خبيث.
ومما أباحته شريعة الإسلام ورغّبت فيه وحثّت عليه وأمرت بتيسير السُّبل الموصلة إليه الزواج الشرعي الذي يحصل به غضُّ البصر وإحصان الفرج وحفظ النسل وإغناء النفس وقضاء الوَطَر وغير ذلك من المنافع العظيمة، قال الله عز وجل: وَأَنْكِحُواْ ?لأيَـ?مَى? مِنْكُمْ وَ?لصَّـ?لِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ ?للَّهُ مِن فَضْلِهِ وَ?للَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32] , وقال رسول الله: (( تناكحوا تناسلوا، فإني مكاثرٌ بكم الأنبياء يوم القيامة ) ), وصحّ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنّه قال لتلميذه سعيد بن جُبير رحمه الله: تزوّج فإنّ خير هذه الأمة أكثرها نساءً، يعني بذلك رسول الله والذي قال: (( النكاح من سنتي, فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ).
هذا الزواج الشرعي مطلوبٌ منّا ـ أيها المسلمون عبادَ الله ـ أنْ يحثّ بعضنا بعضًا عليه, وأنْ يأمر بعضنا بعضًا به, لأنّ الله تعالى أمرنا, ولأنّ نبينا حثّنا وبيّن أنّ هذا النكاح سببٌ للإغناء: (( ثلاثةٌ حقٌ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله, والناكح يريد العفاف, والمكاتب يريد الأداء ) ). هذا النكاح تقوى به الأواصر, وتعظم به العلاقات بين المؤمنين والمؤمنات, وتنتُج منه الذرية الصّالحة التي تعمُر الأرض بطاعة الله, تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
لمّا كان هذا النكاح بهذه المنزلة العظيمة وبهذه المكانة الجليلة فإنّ شريعة الإسلام قد سنت فيه أحكامًا ووضعت له ضوابط وحدّت له حدودًا، فليس كلُّ نكاحٍ صحيحًا, وليس كلُّ زواجٍ يُعدّ شرعيًا, بل لا بدّ من أركان, لا بدّ من شروط, إذا اختلت فإنه يقعُ فاسدًا, يقعُ باطلًا, لا تترتب عليه آثاره, ولا يحل الإقامة عليه.
أيها المسلمون، عباد الله، مما أجمع عليه أهل الإسلام أنّ نكاح التحليل حرام, وأنّ نكاح المُتعة حرام, وأنّ نكاح الشِّغار حرام, إلى غير ذلك من أنكحة باطلة اتفق على حرمتها أهل الإسلام، قد تأخذ صورة الزواج الشرعي لكنها في حقيقتها تحايل على شرع الله, مسافحةٌ، سفحٌ لماء الحياة في غير ما أحل الله.
أما نِكاح التحليل فهو ما وقع فيه كثيرٌ من الناس إذا ما طلق الرجل امرأته ثلاثا وعلم يقينًا أنها قد صارت عليه حرامًا لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره, فإنّ هذا الإنسان يعمد إلى رجلٍ آخر يتّفق معه على أنْ يتزوج هذه المرأة المطلّقة حينًا من الدهر، يمكث معها يومين أو ثلاثة أو أسبوعًا أو شهرًا, ثم بعد ذلك يطلّقها, لترجع إلى زوجها الأول الذي طلّقها ثلاثًا بعدما تنقضي عدتها من الثاني, هذا النكاح حرام, وهو باطل، قال رسول الله: (( ألا أنبئكم بالتيس المستعار: هو المحلل, لعن الله المحلِّل والمحلَّل له ) ).
وكذلك نكاح المتعة, وهو الذي أجمع أهل الإسلام على بُطْلانِهِ, ولا يُجيزه ولا يمارسه إلا الروافض الذين شاقوا الله ورسوله, وفارقوا جماعة المسلمين في كثير من الأصول والفروع. نكاح المتعة هو النكاح المؤقت لمدّة, أنْ يتزوج الرجل المرأة لمدّة معلومة ينصّ عليها في العقد, أنْ ينكحها أسبوعًا أو شهرًا أو سنةً ونحو ذلك, هذا النكاح قد حرمه رسول الله فأمر مناديًا ينادي يوم خيبر: (( إنّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحُمُر الأهلية, وإنّ نكاح المتعة حرام إلى يوم القيامة ) )، نكاح المتعة محرمٌ تأبيدًا، لا يُمارسُه من له نصيبٌ من دينٍ أو حظٌّ من عقل.
أما نكاح الشّغار فهو أنْ يُنكحَ الرجلُ الرجلَ بنته على أنْ ينكحه الآخرُ بنته، والنكاح خالٍ من المهر, شاغرٌ مِنْ الصَدَاق, يقول له: زوجني ابنتك على أنْ أزوجك ابنتي, أو زوجني أختك على أنْ أزوجك أختي, ثم يسقطان المهر، فيكون كل بُضعٍ مهرًا للبُضع الآخر, هذا أيضًا حرام باتفاق أهل الإسلام، قال رسول الله: (( لا شِغار في الإسلام ) ).
أيها المسلمون، عباد الله، ظاهرةٌ تفشّت, نابِتةٌ نبتت, أقوالٌ حُكِيَت في الآونة الأخيرة, ممارسةٌ فظيعة وقع فيها بعض الناس, شبّانٌ وشابّات, فتيانٌ وفتيات, في الجامعات وغير الجامعات, وهو ما اصطُلح على تسميته بالنكاح العُرفي, كثُر سؤال الناس عنه واستفتاؤهم حوله, كلٌ يسأل: أحلالٌ هو أم حرام؟ ما صورته؟ ما حقيقته؟
صورته أنْ يذهب الفتى إلى الفتاة, الشابُّ إلى الشابّة, ويريد أنْ يُخادِنها في الحرام, يُريد أنْ يُواقِعها في غير ما أحل الله, في غير الزواج الشرعي الذي أباحه الله, لكنه لا يريد أنْ يُسمّيَه زنا, بل يريد أنْ يتحايل, يريد أنْ يُخادِع, فيقول لها: زوجيني نفسك، فتقول له: زوجتك, فيقدم لها مهرًا شيئًا يسيرًا من نقود، أو خاتمًا من فضةٍ أو ذهب, ثم بعد ذلك تُكتب ورقة يشهد عليها اثنان من أصحابهما، زملائهما، ممن كانوا على شاكلتهما. تُكتب ورقةٌ من نسختين تكون إحداهما عند الشاب, والأخرى عند الفتاة، ثم بعد ذلك يواقِعها حتى يُرضيَ نزْوته ويُشبع شهوته ويَقضيَ وَطَره, ثم بعد ذلك يقول لها: أنت طالق. هل هذا نكاحٌ شرعي؟ هل هذا زواجٌ إسلامي؟
الجواب: أيها المسلمون، عباد الله، إنّ هذه المعاملة وتلك الفعلَة هي من جنس ما أخبرنا عنه رسول الله: (( يأتي علي الناس زمان يشربون الخمر يُسمّونها بغير اسمها. يأتي على الناس زمان يأكلون الربا يُسمّونه بغير اسمه ) ), هذا هو الواقع الحاصل الآن, كثير من الأمور المحرمة مُورِست بأسماء موهمة, فيسمون الخمر: شراب الراحة أو مشروبات روحية, ويسمون الرّبا: فوائد أو عائدًا استثماريًا, ويُسمون الحكم بغير ما أنزل الله وتبديل الشريعة: سياسة, إلى غير ذلك من الأباطيل, الجهاد في سبيل الله جعلوه إرهابًا, التزام الشرع في النفس جعلوه تطرفًا, وقل مثل ذلك في أمورٍ كثير.
وهكذا أيها المسلمون عباد الله، ينبغي أن يُعلم أنّ هذا الذي يُمارسُ في أيّامنا هذه باسم النكاح العُرفِي أو الزواج العُرفِي هو زِنًا حَرّمه الله ورسوله، لا يحل لمسلم ولا مسلمة أنْ يقع فيه ولا أنْ يُمارسَه, لِمَ أيها المسلمون عباد الله؟ لسببين رئيسين:
السبب الأول: أنّ هذا الذي سموه زواجًا تمّ بغير علم الولي, بغير علم وليّ الفتاة, وقد صحَّ عن رسول الله أنّه اشترط الوليّ في صحّة النكاح, وجمهور العلماء على أنّ كلّ زواجٍ خلي من الوليّ فهو باطلٌ باطلٌ باطل. ما الدليل على ذلك؟ الدليل من القرآن أنّ الله عز وجل خاطب بالنكاح الأولياء، يقول سُبحانه: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ?لنّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْو?جَهُنَّ إِذَا تَر?ضَوْاْ بَيْنَهُم بِ?لْمَعْرُوفِ [البقرة:232] ، هذا الخطاب لك أيها الأب أيها الأخ أيها الجد أيها العم, يا من ولاك الله أمر فتاةٍ مِنْ المؤمنين, إذا طُلّقت هذه الفتاة التي ولِيت أمرها ثم بعد ذلك بعد بلوغ أجلها وانقضاء عدّتها رغب زوجها الذي طلّقها في أنْ يراجعها وكانت هي كذلك راغبةً فلا يحل لك أنْ تمنعها الله عز وجل، يُخاطبك أنت، لأنّ عُقدة النكاح بيدك، أنْت الذي تملك أنْ تُزوِّج, وأنت الذي تَمنع فلا ينعقد الزواج إلا برضاك, يَدلُّ على ذلك سبب نزول هذه الآية وهو ما رواه الإمام البخاري عن معقِل بن يسار رضيَ الله عنه أنّه زوّج أختًا له مِن رجلٍ, فعاش معها ما كتب الله له أنْ يَعيش ثم طلقها، فلما انقضت عِدتُها جاء يَخطِبُها ثانيةً، فقال له معقل: يا لُكَع ـ أي: يا لئيم ـ، أكرمتُك وأفرشتك وزوّجتُك، فلم تصبر عليها حتى طلّقتها ثم جئت تخطبُها! لا والله لا تعود إليك أبدا، يقول رضي الله عنه وكان الرجل لا بأس به، مرْضيٌ في دينه وخُلُقه, وكانت المرأة تُريد أنْ ترجع إليه, فلمّا بلغ ذلك رسول الله نزلت الآية: فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْو?جَهُنَّ إِذَا تَر?ضَوْاْ بَيْنَهُم بِ?لْمَعْرُوفِ [البقرة:232] ، فقلت: الآن أفعل يا رسول الله. رجع إلى حكم الله, خضع لشرع الله, زوّج أخته ممن طلّقها رغم أنّ ذلك كان يُخالف رغبته.
ثم من السنة في حديث أبي موسى رضي الله عنه قال رسول الله: (( لا نكاح إلا بوليٍّ وشاهدي عدل ) )رواه أصحابُ السنن، ومن حديث أمّنا عائشة رضي الله عنها قال رسول الله: (( أيُما امرأةٍ نكحت نفسها بغير إذن وليِّها فنِكاحُها باطل, فنِكاحُها باطل, فنِكاحُها باطل, فإنْ دخل بها فله المهر بما استحل من فرْجها, فإنْ اشتجروا فالسلطانُ وليُّ مَنْ لا وليَّ له ) )، ومِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله: (( لا تُزوّجِ المرأة المرأة, ولا تزوجِ المرأة نفسها, فإنّ التي تزوج نفسها هي الزانية ) ). ما بقي مقالٌ لأحد بعد ما قاله رسول الله , يُخبر أنّ النكاح بغير إذن الولي نكاحٌ باطل, وأنّ المرأة التي تُباشر العقد لنفسها زانية.
وكلٌّ منّا ينبغي أنْ يسأل نفسه أيها المسلمون عباد الله: أيرضى هذا لابنته؟ أيرضى هذا لأخته؟ أنْ تكون في الجامعة، أو أنْ تكون في المصلحة، أو في الوزارة, ثم بعد ذلك تتفق مع رجلٍ آخر فتتزوجه، والوليُّ لا علم له, هذا والله حرام.
ثم سبب ثانٍ يُقضى به بفساد هذا النكاح, إنّه نكاح سرٍّ, نِكاحٌ يتواطأ مَنْ حضره على كتمانه, هذا الفتى يلقى تلك الفتاة على غير مرأى من الناس, الشهود الذين حضروه يكتمونه, ويتواصون بأن لا يخبروا أحدًا, يلتقون كما تلتقي اللصوص في خفيةٍ مِنْ الناس, لِمَ؟ لأنّهم يعلمون أنهم يُمارسُون إثمًا, ويقترفون ذنبًا, ويحتقبون وزرًا، الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطّلع عليه الناس.
أما النّكاح الشرعي, النّكاح الطيب, النّكاح المباح, فكما قال رسول الله: (( أعلنوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف ) ), يُعلن في المسجد بمشهد مِنْ المسلمين وحضورٍ مِنْ المؤمنين أنّ فلان بن فلان قد نكح فلانة بنت فلان, ثم بعد ذلك يُضرب بالدفوف, ويعلم الناس كلهم أجمعون أنّ فلانًا تزوّج مِنْ فلانة. أما هذا فإنّه يكون سرًّا مَنْ غير إشهارٍ ولا إعلانٍ, ولا يَعرِف به إلا منْ حضروه.
ثم إنّه ـ أيها المسلمون عباد الله ـ يُمكن أنْ يُضاف لهذين السببين سببٌ ثالث: وهو أنّ النّكاح لا يصحُّ إلا بشهودٍ عدولٍ, لا بد أنْ يكون الشهود عدولًا, موصوفين بالعدالة, ما عُرِف عنهم سببُ منْ أسباب الفسق, ولا خارمٌ مِنْ خوارم المروءة, أما هؤلاء الذين يشهدون على هذا النوع مِنْ النكاح فإنّهم في الأعم الغالب يكونون فسقةً فجرةً، لا يرجون لله وقارًا, لا يعرفون شرعًا ولا دينًا, لا يحلُّون حلالًا, ولا يُحرمون حرامًا, ولا يَنضبطون بضابطٍ مِنْ الكتاب ولا مِنْ السنة.
أيها المسلمون، عباد الله، الوليُّ شرطٌ في صِحّة النّكاح, مَنْ الوليّ؟ الأبُ هو ولي المرأة, فإنْ لم يكن فأبوه وإنْ علا، فإن لم يكن فابنها, ثم ابنه وإنْ نزل, ثم الأخُ الشقيق وابنه, ثم يأتي بعد ذلك العُمومة, فإنْ كانت امرأةٌ ليس لها أبٌ ولا أخٌ لا عمٌّ, لا يوجد لها وليٌ قط فالسلطان وليُّ مَنْ لا وليّ له, كما أخبر رسول الله. والسؤال الذي يطرح نفسه أيها المسلمون عباد الله: ما الذي أوصلنا إلى هذا الدّرْك؟ وما الذي دفع بطائفة مِنْ شبابنا وفتياتنا إلى هذه الممارسات القبيحة الشنيعة الفظيعة التي ما عَرفها أسلافنا ولا كانت في أجدادنا، وإنّما هي نابتةٌ نبتت, وظاهرةٌ تفشت؟ ما الذي حَمَلَ عليها؟ الذي حمل عليها ـ أيها المسلمون عباد الله ـ جُملة أسباب:
أولها: أنّ كثيرًا من الشباب فقد الأمل, فإنه يرى أنّ الزواج الشرعي الزّواج المعروف دونه عقباتٌ كؤود, دونه قيودٌ وسدود, لا بدّ أنْ يتخطاها, لا بد من مالٍ يُبذل, لا بد مِن ملابسَ تُجلَب, لا بد من حفلاتٍ تُقام, لا بد مِن طعام يُوزّع, لا بد مِن نفقاتٍ باهظة, وهذا كلّه مما خالفنا فيه سُنة رسول الله الذي علّمنا أنّ أكثرهنّ بركةً أيسرهنّ مؤونةً. إنّ رسول الله كان ينكح نساءه رضوان الله عليهن في مظاهر خفيفة، في طعام يسير, ربّما أولمَ في بعض زيجاته بخبزٍ ولحم, ربّما أولم في بعض زيجاته بسويقٍ وتمر, السويق شراب الشعير وتمرٌ يُوزع على الناس, ربّما في بعض زيجاته أمر بالأنطاع فبُسطت, وأمر الصحابة بأنْ يأتي كل منهم بما يستطيع, فيأتي هذا بقبضةٍ مِنْ تمر, وذاك بشيءٍ مِنْ أقِط, وهذا بقليلٍ مِنْ خبز, يوضع هذا على النطْع ـ الجِلد ـ ثم يأكلون جميعًا، ويُعلم بذلك أنّ رسول الله محمدًا قد تزوّج فلانة بنت فلان.
هكذا كانت أمورهم يسيرة, مظاهر خفيفة, يحصُل بها الإعفاف والإعلان وتحليل الحلال وتقوية الروابط وتوثِقَة الأواصر, ويعم الخير بإذن الله. لكنّ الحال غيرُ الحال، على ما بِنا مِنْ فاقةٍ وجهل, على ما بنا مِن شدةٍ وعُسر, زدنا الأمر تعسيرًا بهذه المظاهر المتكلفة.
ثم سببٌ ثانٍ أيها المسلمون عباد الله: أنّ كثيرًا مِنْ الأولياء لا يتّقي الله في بناتهِ, كثيرٌ من الآباء لا يتّقي الله في بناتهِ, قد تبلغ البنت مِنْ الكِبَر عِتيّا ويشتعل رأسها شيبًا وتتخطى الثلاثين وتُعاني ما تُعاني, ثم بعد ذلك يشترطُ شروطًا ويضع قيودًا, لا بدّ أنْ يأتيها رجل يخطبها بمنزلة كذا, ومكانة كذا, مِن قبيلة كذا, على أنْ يأتي مِن الملابس بكذا وكذا, وبالذهب بكذا وكذا, وكثيرٌ مِن الرجال الزوجة ـ أمُّ الفتاة ـ هي التي تتحكم فيه, وهي التي توجّه قراره، وهي التي تضبط أمره، فإذا كان أغنياؤُكم بخلاءَكم وأمراؤُكم شرارَكم وأمرُكم إلى نسائكم فبطن الأرض خيرٌ لكم مِن ظهرها، إذا كان الرجل سيُسلم أمر بناته إلى الأم, هي التي تقبل وهي التي ترفض, هي التي تضع وهي التي تفرض فبطن الأرض خيرٌ مِن ظهرها.
الله عز وجل ما جعل الولاية بيد المرأة، جعلها بيدك أنت أيها الرجل, واجبٌ عليك أنْ تسعى في تزويج بناتك, واجبٌ عليك أنْ تسعى في إحصانهنّ, في إعفافهنّ, وإلا كثيرٌ من الناس يقول: ما تزال صغيرة, ويبلغ قلّة الدين ببعض الرجال أنْ يتقدم إلى بنته رجلٌ ذو دينٍ وخُلُق, وربما يكون ذا وظيفةٍ ومالٍ يتقدم لخطبتها, يقول له: لا مانع عندنا، ولكن بشرط أنْ تنتظر إلى تُكمل دراستها الجامعية. وقد تكون دراستها الجامعية بقيت عليها أربع سنوات أو خمس سنوات, لِمَ يا عباد الله؟ حرامٌ والله أنْ نؤخِّر، قال رسول الله: (( إذا جاءكم مَنْ ترضون دينه وخُلقهُ فزوّجوه, إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفسادٌ كبير ) ).
سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه لمّا مات زوج ابنته حفصة وهو السكران بن عمرٍ رضي الله عنه, فانقضت عدتها ما مكث عمر بن الخطاب في بيته يقول: أنا الشريف القرشي, أنا الأميرُ العدوي, أنا عمر بن الخطاب, فليأتِ الخاطب متى يأتي. لا والله، سعى في تزويج ابنته, سعى إلى الرجال الصالحين, سعى إلى المؤمنين الطيبين, ذهب إلى أبي بكر قال: يا أبا بكر، إنْ شئت زوّجتك حفصة، فسكت أبو بكر. ذهب إلى عثمان فقال له: يا عثمان، إن ْشئت زوجتُك حفصة، قال عثمان: لا حاجة لي فيها. يأتي عمر رضي الله عنه مهمومًا مغمومًا, وهكذا الرجل الصالح يكون مهمومًا مغمومًا بأمر ابنته, يُريد تزويجها, يريد لها أنْ تعيش في كنف رجلٍ صالح, في بيتٍ طيّب, يريد لها الإحصان والعفاف, يريد لها الاستقامة والصلاح, جاء عمر مهمومًا مغمومًا, فلقيه الرؤوف الرحيم الرسول الكريم عليه مِن الله أفضل الصلاة وأتم التسليم فقال له: (( ما شأنُك يا عمر؟ ) )قال: يا رسول الله، عَرضتُ حفصة على عثمان فأبى, وعرضتها على أبي بكر فسكت، فكنت على أبي بكر أوجد مني على عثمان، فقال له رسول الله: (( يتزوج حفصة مَنْ هو خيرٌ مِنْ عثمان ـ يعني نفسه عليه الصلاة والسلام ـ، ويتزوج عثمانُ مَنْ هي خيرٌ مِنْ حفصة ) )يعني ابنته أمُّ كلثوم رضي الله عنها, فتزوج النبي عليه الصلاة والسلام حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وصارت أمًّا للمؤمنين وزوجة للنبي الكريم عليه الصلاة والسلام.
أيها المسلمون عباد الله، هؤلاء قدوتنا, أسوتنا, ما ينبغي أنْ نُعسّر الأمر, وأنْ نضع الشروط, وأنْ نتشدد ونتنطّع لأننا إنْ لم نفعل, إنْ لم نُيسّر هذا الزواج تكون فتنة في الأرضِ وفسادٌ كبير, مِنْ جنس ما نرى, فتنة في الأرض وفساد كبير، زواجٌ عُرفي, زنًا صريح, كثرة لُقطاء.
يُحدثني بعض من يقوم على دار الأيتام أنّه في الشهر الذي مضى وحده ثمانية وخمسون من الأطفال اللُقطاء في دار رعاية الأيتام ماتوا نتيجة سوء التغذية وقلّة الرعاية, مِنْ أين هؤلاء الأطفال اللُقطاء؟ مِنْ أين أتوا؟ مِنْ جهة أنّ رجلًا فاجرًا لقي امرأة فاجرة, فوضع فيها بذرة حرامًا وأراق ماء الحياة على غير وجهه, فكانت هذه الثمرة التي ستشكو إلى ربها ظلم العباد.
نسأل الله أنْ يردّنا إلى دينه ردًا جميلًا, نسأل الله أن يردّنا إلى دينه ردًّا جميلًا، وأنْ يُحصّن فروجنا, وأنْ يستر عوراتنا, وأن يحفظ بناتنا, وأن يصون أعراضنا, وأنْ يصرف عنا شرّ كلّ ذي شرّ هو آخذ بناصيته, والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله ربّ العلمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين, وأشهد أن لا إله إلاّ الله إله الأولين والآخرين, وأشهد أنّ سيّدنا ونبينا محمدًا عبدُ لله ورسوله النبي الأمين, بعثه الله بالهدى واليقين, لينذر من كان حيًّا ويحق القولُ على الكافرين, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياءِ والمرسلين وآل كلٍ وصحب كلٍ أجمعين, وأحسن الله ختامي وختامكم وختام المسلمين وحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين.
أما بعد: أيها المسلمون، عباد الله، فاتقوا الله حقّ تُقاته، وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] .
واعلموا ـ أيها الإخوة في الله ـ أنّ مِن الأسباب التي أدت إلى شيوع هذه الظاهرة وتفشي هذا الأمر الخطير ما هو حاصلٌ من اختلاطٍ للذكور بالإناث في الجامعات, في المؤسسات, في الوزارات, في الشّركات, في وسائل المواصلات, في غير ذلك مِن المرافق والخدمات، الرجال مع النساء، ترتفع الكُلفة ويزول الحجاب, ويحصل ما حرّم الله عز وجل مِن أصنافٍ كثيرة وأنواعٍ شهيرة مِن زنا أو زواجٍ عُرفيٍ أو غير ذلك, فالاختلاط درجة أُولى في سُلّم الفساد, ينبغي أنْ يُمنع وأنْ يُحال بين الناس وبينه، كما فعل سيّدنا رسول الله ؛ جعل للنساء في الصلاة صفوفًا, وللرجال صفوفًا, جعل للنساءِ بابًا، وللرجال بابًا, وأمر بالمباعدة بين أنفاس الرجال والنساء.
أيضًا مِنْ الأسباب التي أدت إلى هذا المنكر هذه المسلسلات وهاتيك الأفلام وتلك المسرحيات والتمثيليات التي تُعرض على الناس فتُزيّنُ الفاحشة وتُشيعها في الذين آمنوا, هذا سببٌ عظيمٌ من أسباب الفساد.
ثم مِن الأسباب كذلك أنّ الناس قد أماتوا سُننًا عظيمةً سنّها رسول الله , أماتها الناس وضيّعوها. مِنْ سنّة رسول الله تيسير الزواج, من سنّة رسول الله أنّه لا مانع مِنْ أنْ يعرض الرجل ابنته على الرجل الصالح الذي يرجو برّه ويرجو خيره ورِفدَه. ومن سنن رسول الله أن يتزوج الرجل اثنتين وثلاثًا وأربعًا, حارب الناس ذلك عن طريق المسلسلات والقَصَصِ والحكايات والكتب والمجلات والنّكات التي تتداولها الألسُن, حاربوا سنّة التعدّد التي أمر بها رسول الله ، بل أمر الله بها في كتابه: فَ?نكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ?لنّسَاء مَثْنَى? وَثُلَـ?ثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَو?حِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـ?نُكُمْ [النساء:3] , حارب الناس هذه الشريعة فأبدلهم الله عز وجل بهذه الأحوال الوضيعة, هذه الأحوال التي يضجّ مِنها الناس ويتألمّون منها, لكنهم لا يستطيعون لها علاجًا, العلاج في شرع الله, العلاج في دين الله.
وإيّاك يا عبد الله، وإيّاك أيها الشاب أنْ تبدأ حياتك الزوجيّة بمعصية الله عزّ وجل. كثير مِن الناس إذا بدأ حياته الزوجيّة يبدأ باختلاط وغناءٍ فاحشٍ وموسيقى يتأذى مِنها الجيران والخلان والأصحاب. كثيرٌ مِن الناس يبدأ حياته الزوجية بمصاريفَ باهظة ونفقاتٍ عالية وديونٍ قاتلة, ثم بعد ذلك يبدأ في الشكوى حيث لا تنفعه الشكوى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ?لْقِيـ?مَةِ أَعْمَى? قَالَ رَبّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَى? وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذ?لِكَ أَتَتْكَ ايَـ?تُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذ?لِكَ ?لْيَوْمَ تُنْسَى? [طه:124-126] . قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أيها الناس، لا تغالوا في المهور, فإنها لو كانت مكرمةً في الدنيا أو منزلةً في الآخرة, لكان أولى الناس بها نبيكم , ما تزوج إحدى نسائه على أكثر مِن ثنتي عشرة وقيّة) ، أكثر نسائه أم حبيبة رضي الله عنها، كان مهرها اثنتي عشرة وقية, وكانت البساطة والزهد السمة الغالبة, يخطب رسول الله أمّ سلمة فتقول له: يا رسول الله، ليس أحدٌ مِن أوليائي شاهد، يقول لها: (( ليس مِن أوليائك شاهدٌ ولا غائبٌ إلا ويرضى هذا الزواج ) )، لن يرفضه أحد ولن يأباه أحد، ماذا تقول أم سلمة رضي الله عنها؟ تقول لولدها، لصغيرها عمر: قم ـ يا عمر ـ زوّج رسول الله. ما باشرت العقد بنفسها رضي الله عنها, وفي الوقت نفسه ما تنطعت وقالت: لا حتى يحضر العمّ مِن السفر وحتى يأتي الأب مِن كذا، قم ـ يا عمر ـ زوج رسول الله.
لمّا خطب أبو طلحة الأنصاري أم سليم رضي الله عنهما قالت أم سليم: يا أنس، قم زوج أبا طلحة، تقول لولدها أنس: يا أنس، قم زوّج أبا طلحة. هكذا كانت أمورًا يسيرة, حياةً مضبوطة بضوابط الشرع, فأثمرت خيرًا كثيرًا في العاجل والآجل, وما زلنا نتفيأ تلك الظلال الوارفة, ظلال أصحاب محمدٍ الذين اتبعوا سنته, وعظّموا شريعته, فكانوا أبرّ هذه الأمة قلوبًا, وأعمقها هديًا, وأقلها تكلُّفًا, فاتّبعوهم ـ أيها المسلمون ـ لعلكم تفلحون.