أديان وفرق ومذاهب, موضوعات عامة
أديان, جرائم وحوادث
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-مأساة المسلمين في فلسطين. 2- شعب فلسطين ينتصر على حب الحياة بحبه للشهادة. 3- عرض لبعض مذابح اليهود للمسلمين في فلسطين. 4- الصراع بيننا وبين اليهود صراع عقائدي. 5- معاصينا تؤخر النصر عن إخواننا. 6- دورنا في الصراع.
أما بعد:
أيها المسلمون، لقد تقرحت أكباد الصالحين كمدًا مما يجري في الأرض المباركة في فلسطين الحبيبة، مناظر مفزعة متوالية، وعربدة صهيونية غادرة، القتل بطريقة وحشية تفوق كل طريقة، مسلسلات من الرعب، وإراقة دماء الأطفال والنساء والشيوخ بأيد قذرة، لم يكفهم القتل بل جاوزه إلى كل ما يهلك الحرث والنسل، كما هو دأبهم وديدنهم، صور وآلام تصرع كل الجبابرة فضلًا عن الإنسان العادي لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً [التوبة:10] .
والمراقبون يصفون ما يجري الآن بأنه حالة حرب حقيقية حولت ما يسمى بمناطق السلطة الفلسطينية إلى ساحات قتال حقيقية، المدفعية الثقيلة تمطر حممها فوق رؤوس العزل والطائرات تصب جام غضبها على الرضيع والشيخ والمرأة والعجوز، والمجنزرة الحديدية تعارك الجسد البشري المجرد. شهيد تلو شهيد، وأرملة تلو أخرى، ورضيع خلف أم وأم خلف رضيع، ومنزل مهدم، وشيخ حزين، وعجوز بائسة، والسؤال إلى متى؟ مناظر حفرت معالمها في ثنايا التاريخ، بل في ثنايا قلب كل مسلم، ملاحم تسطرها أشلاء الرجال، بألوان الدم القاني، وجماجم الشهداء.
وفي المحيا سؤال حائر قلق أين الفداء وأين الحب في الدين
أين الرجولة والأحداث دامية أين الفتوح على أيدي الميامين
ألا نفوسٌ إلى العلياء نافرةٌ تواقةٌ لجنان الحور والعين
يا غيْرتي أين أنت أين معذرتي ما بال صوت المآسي ليس يشجيني
أين اختفت عزة الإسلام من خَلدي ما بالها لم تعد تغذو شراييني
أيها المؤمنون، إن الحديث عن الانتفاضة متشعب وطويل بطول هذه الانتفاضة عميق في الجذور بعمق هذه الانتفاضة، لكنه واجب كما هذه الانتفاضة واجبة
إن كل نفس مؤمنة أبية حرة حق لها أن تتساءل إلى متى هذا الذل؟ وماذا بإمكاننا أن نفعل نصرة لإخواننا الفلسطينيين, ومتى يأتي الوقت الذي يخلى بين المسلمين وعدوهم ليشفي الله صدور قوم مؤمنين. هذه أحد أهم القضايا التي لا بد لأهل العلم والدعاة من التركيز عليها في مثل هذه الأيام المأساوية التي تعيش فيها الأمة بأسرها مخاضًا صعبًا.
ولقد ضرب الشباب الفلسطيني أروع الأمثلة في حب الموت واسترخاص الدنيا والاستعلاء على خور النفس وتحطيم رهبة العدو في النفوس. إن حب الدنيا وكراهية الموت هي من أهم أسباب هزيمة أي أمة من الأمم وهي سبب هزيمة الأمة المسلمة في كثير من عصورها. يقول صلى الله عليه وسلم: (( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت ) ) [رواه أبو داود بإسناد صحيح] .
لقد انتصر الفلسطينيون على حب الدنيا وكراهية الموت من خلال العمليات الاستشهادية التي يقومون بها، وهذه نقلة كبيرة في حياتهم تجعلهم يطرقون أبواب النصر بإذن الله.
كرامة الأمة العصماء قد ذبحت وغيبت تحت أطباقٍ من الطين
لكنّها سوف تحيا من جماجمنا وسوف نسقي ثراها بالشرايينِ
نشرت جريدة الحياة قبل أشهر والانتفاضة على أشدها، عن أحد الفلسطينيين الذي يعيشون في إحدى قرى الضفة الغربية أنه يحاول الانتقال بأولاده الثلاثة إلى عمّان، وكان سبب طلب انتقاله عجيبًا غريبًا، فليس طلبه ذلك خوفًا على نفسه من الموت لأجل الرعب الذي دب في قلبه. لا، لقد أصيب ابنه الأكبر في عيار ناري في قدمه، ثم أصيب ابنه الأصغر، ثم الثالث الذي يبلغ من العمر عشر سنوات بعيار مطاطي في قدمه، وما إن تماثل الأكبر للشفاء حتى عاود محاولة رشق الجنود بالحجارة مرة أخرى، تقول والدتهم: لا نستطيع أن نثنيهم عن الخروج، لمّا سمعوا أن الذي يموت في المواجهات مع اليهود يموت شهيدًا فهم يطلبون الشهادة منذ ذلك الحين، وفقدنا السيطرة عليهم. الله أكبر، بهؤلاء الفتية، وبهذه الدماء تقرع الأمم أبواب النصر.
هتف الجهاد بإخوتي فمضوا بلا استئذاني
سأعيد أرضي بالدم القاني وبالنيراني
والله لن يطؤوا الثرى إلا على جثماني
من كان يصدق أن ينفجر الغضب الفلسطيني على النحو الذي رأيناه وأن يخرج ألوف الشباب بالحجارة متحدين المجنزرات والصواريخ والرشاشات الإسرائيلية.
لولا الحجارة في أيدٍ تلت قسمًا وأيم ُ اللهِ من قسمِ
لقلت ضاعت وكانت أخت أندلس يوم استبيحت وكانت أول الذمم ِ
قبضًا على الجمر يا أبطالها ولكم في الله عون لا من أمة هرم
والفجر آذن بالإبلاجِ من ظلم ٍ والنصر وعدٌ وحق الوعدُ في الكلم
أيها المسلمون، إن المجازر الجارية هذه الأيام على أرض فلسطين من قبل اليهود ليست جديدة، ولا أظن أننا نسينا التاريخ الأسود لليهود من عام ثمانية وأربعين ميلادية حتى اليوم. كيف ننسى مذبحة دير ياسين عندما دخلها عصابة من اليهود في تمام الساعة الرابعة صباحًا في العاشر من نسيان عام ثمانية وأربعين، وقتلوا أكثر من مائتين وخمسين شخصًا في حوالي عشر ساعات منهم خمس وعشرون امرأة حبلى، فأخذوا يبقرون بطون النساء ويقطّعون الأجنة بحرابهم، كما قتلوا اثنين وخمسين طفلًا دون العاشرة وقطّعت أوصالهم أمام أمهاتهم، ثم قتلوا ما بقي من النساء والشيوخ والعجزة وبعض الشباب الذي كان متواجدًا في القرية، ثم أخذوا بعض النساء وجردوهنّ من ملابسهنّ وأخذوا يطوفون بهنّ في سيارات نقل مفتوحة في الأحياء اليهودية في القدس. وبينما كانت امرأة تحاول إنقاذ زوجها الكفيف البصر وتقوده صارخة ضارعة، أطلقوا رصاصهم صامّين آذانهم عن دعاء الإنسانية. وكانت امرأة أخرى مع طفلها الصغير أطلقوا عليها رصاصهم فقتلوهما معًا. وهناك أسر أبيد معظم أفرادها في تلك القرية، في ذلك الصباح الذي لا ينسى ولم يرحموا حتى النسوة العجزة والشيوخ الكبار فقد كان رصاصهم يقصدهم ويحصدهم على مختلف أحوالهم، وقد مثلوا بالقتلى وأرغموا الأسرى على أن يدوسوا جثثهم، وأخذوا سبعة من الأسرى فطافوا به شوارع القدس الجديدة، ثم عذبوهم في شوارع القرية على مرأى من أسرهم ثم غابوا في غياهب المجهول إلى اليوم، وبعدها اتجهوا إلى نسوة القرية اللاتي فاتهنّ دور الموت، فسلبوا حليهنّ وكل ما معهنّ وجردوهنّ من الحجاب وسيروهنّ حافيات الأقدام عاريات الرؤوس والوجوه.
لقد مرت مذبحة دير ياسين تاركة لطخة عار في جبين الصهيونية إلى الأبد لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ?لنَّاسِ عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ ?لْيَهُودَ وَ?لَّذِينَ أَشْرَكُواْ [المائدة:82] .
وكيف ننسى مذبحة سنة ثلاث وخمسين ميلادية عندما هاجم اليهود قرية صغيرة شمال القدس ونسفوا منازلها بالمدفعية الثقيلة والديناميت وقتلوا السكان الآمنين العزّل وقتلوا النساء والأطفال، ثم أخرجوا ستة عشر شابًا وأُعدموا برصاص الرشاشات، وقبلها أحرقوا عائلة بأكملها في داخل بيوتهم إرهابًا لسائر السكان لحملهم على الخروج من القرية.
وكيف ننسى مذبحة غزة سنة خمس وخمسين ميلادية عندما تسلل الجنود اليهود إلى معسكر اللاجئين في قطاع غزة وسلطوا نيران رشاشاتهم وقنابلهم على الآمنين العزّل في خيامهم وقتلوا تسعة وثلاثين شخصًا وجرحوا ثلاثة وثلاثين، وكانوا يقصدون قتل الجميع ولكن الله سلّم.
وبعد أشهر هجموا على مدينة غزة مرة ثانية فسلطوا نيران مدافعهم على السكان وكذلك فعلوا بقرى مجاورة، ونجم عن هذه المذبحة ستون شهيدًا من بينهم سبعًا وعشرين امرأة وأربعة أطفال، والجرحى يربو عددهم على المائة، والله المستعان.
وكيف ننسى مجزرة كفر قاسم في الثامن والعشرين من تشرين الأول سنة ست وخمسين ميلادية غداة العدوان الثلاثي على مصر وقف اليهود على أبواب القرية بغير علم الفلاحين المسالمين وأخذوا يحصدون كل من يمر بهم من أهل القرية، وقتل في هذه المجزرة سبعة وخمسون شخصًا منهم سبع عشرة امرأة كما جرح خمس وعشرون.
وكيف ننسى مجزرة رفح عندما نادى الصهاينة في مكبرات الصوت على جميع الذكور من الأهالي من سن الخامسة عشر حتى سن سبعين سنة ليتجمعوا الساعة الخامسة صباحًا في المدرسة الأميرية الابتدائية للبنين في رفح، وهي ذات ساحة متسعة وسور عال مبني بالحجر، وكان الناس لا يستطيعون التخلف، فالبلاد محتلة والجيش الصهيوني مستعد. وبالفعل في الصباح الباكر سارع الناس إلى المدرسة المذكورة والصهاينة على جانبي الطريق يشبعون الناس ضربًا وركلًا حتى وصل العدد في المدرسة إلى حوالي عشرين ألفًا، أُمروا أن يجلسوا القرفصاء فكانوا بحرًا بشريًا هائلًا لا يعرف له مصير، ثم انطلق الصهاينة إلى القرية يقتلون كل من تخلف. وعثروا على أولاد تقل أعمارهم عن خمس عشرة سنة، وعلى شيوخ تزيد أعمارهم عن سبعين سنة، ولكنهم لم يعفوهم من القتل أمام أمهاتهم وأمام النساء.
ثم رجعوا إلى الأمواج البشرية التي تنتظر في المدرسة فصاروا يختارون من يشاؤون ثم يأخذونهم للقتل، وكان أزيز الرصاص لا يهدأ، وانجلت المجزرة عن ساحات مليئة بالجثث والأشلاء. لا حول ولا قوة إلا بالله.
وكيف ننسى مذبحة تل الزعتر في العاشر من يونيو سنة ست وسبعين ميلادية والذي استمرت لأكثر من خمسة وخمسين يومًا ذهب ضحيته أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة قتيل من سكان تل الزعتر كما أن عائلات كثيرة أبيدت بكاملها.
بل كيف ننسى مذبحة صبرا وشاتيلا عندما قامت القوات اليهودية بمباركة أمريكية وأوربية بقصف صبرا وشاتيلا بالمدفعية والطائرات واستمرت المذبحة ستة وثلاثون ساعة راح ضحيتها ألف وخمسمائة قتيل بينهم أطفال ونساء، كما تعرضت بعض النساء للاغتصاب المتكرر.
وكيف ننسى مجزرة المسجد الإبراهيمي بالخليل حين أطلق ذلك اليهودي رصاصه على المسلمين وهم يصلون الفجر في المسجد الإبراهيمي فقتل ستين مسلمًا وجرح أكثر من تسعين مات معظمهم بعد ذلك.
وكيف ننسى إحراق المسجد الأقصى عام تسعة وستين ميلادية بأيد مجرمة يهودية بل وقاموا بقطع المياه عن منطقة المسجد وحاولوا منع المسلمين وسيارات الإطفاء من الوصول للمسجد، وكاد الحريق أن يأكل المسجد لولا لطف الله جل وتعالى وقيام أكثر من ستمائة من الفلسطينيين وإخماد الحريق.
إذن، ما يحصل هذه الأيام من مجازر بشعة ما هو حلقة في سلسلة طويلة من المجازر والمذابح والوحشية اليهودية.
وهذا السفاح شارون، أكبر إرهابي في العالم، تاريخه أسود منذ عام ثلاثة وخمسين ميلادي عندما كلّف بقيادة الوحدة 101 في حكومة موشي ديان. قاد مذبحة قبيّة التي ذُبح فيها ستة وستون من الأهالي ثلاثة أرباعهم من النساء والأطفال. ونَسفت واحدًا وأربعين منزلًا ومدرسة على من فيها من الأهالي، ثم جَمع بعد ذلك كل من تبقى من السكان الأحياء وعددهم اثنان وأربعون بين رجل وامرأة وأدار ظهورهم لتُفرّغ فيهم الرصاص وتحولهم إلى أشلاء ممزقة. كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً [التوبة:8] .
وشارون هو سفاح صبرا وشاتيلا، عندما فعل فعلته الشنيعة تحت شمس متوهجة من اهتراء الوجوه المشوهة، والأجساد الممزقة، وأكداس الأعضاء المبتورة، وركام جثث الرجال والنساء والشيوخ والأطفال، وهي تختلط بجثث الحيوانات المذبوحة، صور المجازر التي ارتكبها المجرم شارون في هذا العصر انضمت إلى لوحات فضائع الحرب العالمية الثانية التي لا تمحى.
لقد قتل شارون الكثيرون من أطفال لم يتجاوزوا الثالثة أو الرابعة من أعمارهم وهم غارقون في ثياب نومهم وأغطيتهم المصبوغة بدمائهم.
بل صرح بالحرف الواحد لصحيفة رسمية قال فيه:"اضربوهم لا تتوقفوا عن ضربهم عليكم أن تضربوا الإرهابيين أينما كانوا في إسرائيل أو في البلاد العربية أو في غيرها وأنا أعرف كيف نفعل ذلك فلقد سبق لي أن فعلتها".
وكلنا يذكر جيدًا عندما قام باقتحام ساحات المسجد الأقصى صباح يوم الخميس الثامن والعشرين من سبتمبر سنة ألفين ميلادية وهو مدجج بثلاثة آلاف جندي من الشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود متحديًا مشاعر المسلمين في كل مكان، مستفزًا بعمله هذا جميع الأنظمة مدعومًا من الدول الغربية.
فَعَسَى? أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ ?للَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19] ، لقد بدأت بعدها الانتفاضة المباركة والتي نسأل الله تعالى أن لا تتوقف إلا على جثث اليهود.
فيا شارون:
ارحل عن القدس واترك ساحة الحرم هل يلتقي الطهر يا خنزير بالرممِ؟
كيف اجترأت على أرضٍ مطهرةٍ أسرى بها خير خلق الله والأمم؟
هذا التراب الذي لوثت جبهته ما زال يصرخ بين الناس في ألم
لوثت بالعار أعتابًا مباركةً وجئت كالكلب في حشدٍ من الغنم
تاريخك الآن بالأوحال نكتبه لكل أطفالنا في القبر والرحم
يا أقذر الناس تلهو في مساجدنا وتقذف القدس بالنيران والحمم
كيف اجترأت على أقداسنا سفهًا وجئت كالخنزير بالحراس والخدم؟
صبرا وشاتيلا وأنهارٌ مسافرةٌ من الدماء وأنّاتٌ بكل فم
في راحتيك دماءٌ أغرَقَت زمنًا وجه الصغار وأذكت نار منتقمِ
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تنتقم من المجرم شارون، اللهم أوقف الدم في عروقه واحبس الهواء في صدره، واجعله عبرة للمعتبرين.
اللهم إن شارون قد طغى وبغى، وأهلك الحرث والنسل، وأفسد في الأرض أيما إفساد، اللهم فشل أركانه، ودمّر كيانه، وأخرس لسانه، وصم آذانه، وألحق به جلطة يتعذب بها سنينًا، محبوسًا في جلده يا قوي يا عزيز.
بارك الله...
أما بعد:
أيها المسلمون، إن الصراع بيننا وبين يهود صراع ديني تاريخي متشعب، لا يحده زمان ولا مكان، ولا يتخذ طبيعة واحدة. نعم هذه طبيعة الصراع، ليس الصراع صراعًا عسكريًا في مدة محدودة على أرض فلسطين، ما المعركة في أرض فلسطين، سواء التي تجري الآن، أو التي جري من قبل سوى جزء صغير من هذا الصراع. ولا أدلّ على ذلك، من إقرارنا بناء على استقراء الواقع، من أن يهود لا يحتلون أرضنا في فلسطين فقط، بل في وقت من الأوقات سيطروا على أجزاء من البلاد العربية بصورة غير مباشرة قد تكون أقبح من الاحتلال العسكري، فمثلًا كانت لهم سيطرة سياسية اقتصادية، وبذلوا كل ما يستطيعون من أجل السيطرة الثقافية، وما لهثهم وراء التطبيع إلا جزء من إدارتهم لهذه المعركة التي أدركوا كنهها وجهلناه نحن.
إننا نعلم أن يهود يستخدمون كل ما يمكن استخدامه من أجل إدارة هذا الصراع لينتهي لصالحهم، وعليه فلا بد لنا من إدارة هذه المعركة بطريقة تتناسب مع زمانها الممتد في عمق التاريخ، ومكانها الذي يتجاوز بقعة واحدة إلى نواحي الأرض كلها، في جميع بلاد العالم، بطريقة تتناسب مع طبيعتها التي تتناول جميع جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وغيرها.
إن جنود هذه المعركة ليسوا هم الفلسطينيون وحدَهم، بل المسلمون كل المسلمين، في جميع بقاع الأرض، في أرض الحرمين وفي الجزائر وفي مصر وفي الشيشان وفي أندونيسيا وفي السودان بل وفي بلاد أوروبا وفي غيرها من بقاع العالم. وأنت أيها المسلم في هذا البلد جزء من هذا الصراع، نعم جزء من هذا الصراع شئت أم أبيت، حتى ولم تكن على أرض فلسطين، بل حتى ولو لم تقل: إنك من الأصوليين أو الإرهابيين، أو في أقل الأحوال من الإسلاميين، نعم يا أخي كن من تكن، فأنا منك وأنت مني، وأنا وإياك جنود في هذه المعركة، حياتي حياتك، ونصرك نصري، وهزيمتنا هزيمة للأمة جميعًا.
أيها الأخ الكريم، لست أقول ذلك اعتباطًا، ولا حماسًا، ولا أقول ذلك كي أقحمك في ما لا شأن لك به؟
ألست مسلمًا؟ ألا تعبد الله؟ إذًا الشيطان عدوك، وأنت عدو للشيطان، ألم يقل هذا اللعين لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:82] ، ألست تمتنع عن الزنا؟ عن الربا؟ ألست تحاول غض بصرك عن الحرام؟ ألست تحاول أداء الصلاة في أوقاتها؟ ألست تسجد لله وحده؟ إن هذا كله يغيظ عدوك اللدود الشيطان الرجيم؟ ألا يتقطع قلبك حينما ترى مشاهد القتلى، إن تحرك مشاعرك فهذا دليل على أنك خضت المعركة من حيث لا تدري. وعليه فإني أختصر عليك الجواب أيها الأخ وأقول لك: إن اقترابك من الله بأداء ما افترضه عليك اقتراب من النصر، وإن ابتعادك عن الله باقتراف ما حرمه عليك ابتعاد عن النصر، ولأنك جزء من جسد هذه الأمة، وجندي في معسكرها، وواحد من قواتها، فإني أقول لك: لا بد أن تدرك أن اقترابك من النصر إنما هو زحف من قبل الأمة كلها نحو النصر، وأن ابتعادك عن الله إنما هو نكوص من قبل هذه الأمة نحو الهزيمة.
هل تعلم أيها الأخ المبارك أن كل معصية تقترفها إنما هي طعنة نجلاء توجهها نحو جيشك المرابط في ساحة المعركة، لتزيده وهنًا وتقوي شوكة العدو عليه.
ألم تقرأ قول الله عز وجل: أَوَ لَمَّا أَصَ?بَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى? هَ?ذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ ?للَّهَ عَلَى? كُلّ شَىء قَدِيرٌ [آل عمران:165] ، ألم تسمع إلى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (ما وقع بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة) .
أيها الأخ المبارك، ولا بد لنا أن نقول إنك على ثغر من ثغور هذا الرباط، فكل ما تقدمه يمثل نوعًا من أنواع الرباط، وصورًا من صور القتال، وإعدادًا للمواجهة الكبرى.
قل لي بربك: ألست قادرًا على بذل شيء ولو يسير من أموالك لتدعم به إخوانك المرابطين هناك؟ ألست قادرًا على اقتطاع شيء ولو من مصروف أولادك الذين يتمتعون بأكل الحلويات هنا، لإنقاذ حياة أطفال يأكلون الثرى، ويلعقون الحنظل، ويكرون ولا يفرون أمام مجنزرات العدو ودبابته وأسلحته الخفيف منها والثقيل؟
إن تربيتك لأبنائك ليكونوا أناسًا صالحين، وإعدادك لهم حتى يكونوا جنود المستقبل جزء من الصراع في هذه الملحمة.
امتناعك عن أكل الربا مع بعض صوره المحببة إلى النفس، وكفك عن النظر المحرم الذي يشق على النفس ومع هذه الأجواء، وسعيك نحو الله، كل هذا كثير يمكن أن تفعله في أي زمان ومكان.
هذا نوع من الجهاد وهناك أنواع أخرى كثيرة، الكاتب يجاهد بقلمه، والمتحدث بكلامه، بل ومهندس الحاسب الآلي بآلته، ربة البيت في بيتها وتربية أبنائها على الصلاح والتقى، الكل له جهاده. فنسأل الله تعالى أن يستعملنا في طاعته ولا يستعملنا في معصيته، وأن نكون جميعًا مفاتيح للخير مغاليق للشر.