الرقاق والأخلاق والآداب
الدعاء والذكر
مصطفى ابن سعدة
مليانة
السلام
1-الدعاء النافع. 2- النهي عن دعاء غير الله. 3- عقيدتنا في الأولياء الصالحين. 4- مثل من يدعو غير الله.
وبعد: أيها المسلمون، نعود بكم إلى موضوع فقه الدعاء وآدابه، وإلى سلسلتنا: أثر الدعاء في قوة العقيدة والحياة ودوام الهداية والثبات.
فاعلم ـ أيها العبد ـ أنّ الدعاء الذي هو أنفع لإيمانك وأحسن لدينك وصلاح عقيدتك هو ذلك الدعاء الذي تخلِص فيه لربّ الأرض والسماء، الذي تقصد به وجهَ الله وتتوجّه إليه وحدَه لا شريك له، قال تعالى: وَأَنَّ ?لْمَسَـ?جِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ?للَّهِ أَحَدًا وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ?للَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبّى وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا [الجن:18-20] ، فالدعاء الشرعي الذي له الآثار الطيبة والثمار النافعة على عقيدة المسلم وحياته وهدايته وآخرته هو ذلكم الدعاء الذي سلِم من الشرك والرياء، قال تعالى: هُوَ ?لْحَىُّ لاَ إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ فَـ?دْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ?لدّينَ ?لْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ [غافر:35] ، فلا يجوز للمسلم أن يدعوَ غيرَ الله، سواء أكان هذا المدعوّ حيًا أو ميتًا، حاضرًا أو غائبًا، أو كان ملكًا مقربًا أو نبيًا، أو عالمًا صالحًا أو وليّا، فالدعاء عبادةٌ ينبغي أن يكونَ لله لا شريك له، لا إله إلا هو، ولا خالق إلا هو، ولا رازق إلا هو، ولا ينفع إلا هو، ولا يضرّ إلا هو، قال تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضَ لَيَقُولُنَّ ?للَّهُ قُلْ أَفَرَأيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ?للَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ?للَّهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَـ?شِفَـ?تُ ضُرّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَـ?تُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِىَ ?للَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ ?لْمُتَوَكّلُونَ [الزمر:38] .
فعلى المسلم إذا أرادَ الدعاء أن يتوجّه إلى الله مباشرةً يدعوه ويطلبه ويرجوه، فالله جل وعلا أمرنا بدعائه لا دعاء غيره، قال سبحانه: وَقَالَ رَبُّكُمْ ?دْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ?لَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ د?خِرِينَ [غافر:60] ، وأما إذا رأى المسلم رجلًا أصلح منه وأعلم وتوسَّمَ وظنّ فيه الخيرَ والهدى والصلاح والتقى فلا بأس أن يطلبَ منه الدعاءَ له، لا أن يدعوَه ويتوسَّل إليه ويرجوه، قال تعالى: قُلِ ?دْعُواْ ?لَّذِينَ زَعَمْتُمْ مّن دُونِ ?للَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَلاَ فِى ?لأرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مّن ظَهِيرٍ [سبأ:23] .
وكان الصحابة رضي الله عنهم يطلبون من النبي الدعاءَ والاستغفار لهم، ولا يدعونه، بل علّمهم إذا سألوا فليسألوا الله وحده، أخرج الترمذي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلفَ النبي يومًا فقال: (( يا غلام، إنّي أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ) )، وأخبر النبي صحابته وأمته أنه لا يملك لأحد نفعًا ولا ضرًا قال تعالى: قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا إِلاَّ مَا شَاء ?للَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ?لْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ?لْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ?لسُّوء إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:188] .
فمن الجهل بالإسلام ما نراه من دعاء الأولياء والصالحين، والاستغاثة بالأموات الغائبين، وكلام ربّ العالمين قد حذّر من هذا المنكر المبين قال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ ?للَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى? يَوْمِ ?لْقِيَـ?مَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَـ?فِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ ?لنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَـ?فِرِينَ [الأحقاف:5، 6] . فالمسلم يؤمن بأولياء الله، ويحبهم ويعظمهم ويمدحهم ويترحّم ويثني عليهم، ويسأل الله أن يوفّقه لعلمهم وعملهم الصالح، هؤلاء الأولياء الصالحون لو كانوا أحياء أو بعثهم الله من قبورهم ورأوا ما يفعله الناس من دعائهم لأنكروا عليهم، وتبرؤوا منهم قال تعالى: وَ?لَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ?سْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:13، 14] ، وقال سبحانه: ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَ?سْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ?لَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ?للَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ ?جْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ?لذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ?لطَّالِبُ وَ?لْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُواْ ?للَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ ?للَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ [الحج:72، 73] .
الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين، وقيوم السماوات والأرضيين، وأشهد أنّ سيدنا ونبينا محمدًا ، أفضل المرسلين، وسيد الأولين والآخرين، وإمام المتقين، بعثه الله بالحق والنور المبين، صلى الله عليه وسلم تسلمًا كثيرًا ما طلع الليل والنهار، وارض اللهم عن صحابته أجمعين من الأنصار والمهاجرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها المسلمون، اقرؤوا كتاب الله، وتدبّروا آياته فهناك آيات كثيرة تنهى عن دعاء غير الله، وقد وصف الله عز وجل من يدعو غيرَه كالعطشان والظمآن يرى خياله في الماء وقد بسط يده ليشرب وما هو بشارب للماء لا يبلغ قعر البئر، ولا الماء يرتفع إليه قال سبحانه: لَهُ دَعْوَةُ ?لْحَقّ وَ?لَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْء إِلاَّ كَبَـ?سِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ?لْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ [الرعد:14] ، وأمر الله عز وجل رسولنا أن لا يدعو غيره، فلا أحد يملك له نفعًا ولا ضرًا، والخطاب له ولأمته من بعده، قال سبحانه: وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ?للَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ ?لظَّـ?لِمِينَ وَإِن يَمْسَسْكَ ?للَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ ?لْغَفُورُ ?لرَّحِيمُ [يونس:106، 107] .
أيها المسلمون، إنَّ ربَّكم رؤوف رحيم، وجواد كريم، وسميع عليم، يسمع دعاءكم، ويستجيب لندائكم، فادعوه وحده وهو سبحانه يغضب إن تركتم سؤاله، ويسخط إن دعوتم عباده، فهو وحده الذي يكشف الهم ويرفع الغم ويرحم المستضعفين ويجيب المضطرين، قال تعالى: أَمَّن يُجِيبُ ?لْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ?لسُّوء وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء ?لأرْضِ أَءلَـ?هٌ مَّعَ ?للَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِى ظُلُمَـ?تِ ?لْبَرّ وَ?لْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ ?لرّيَاحَ بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ أَءلَـ?هٌ مَّعَ ?للَّهِ تَعَالَى ?للَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّن يَبْدَأُ ?لْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مّنَ ?لسَّمَاء و?لأرْضِ أَءلَـ?هٌ مَّعَ ?للَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـ?نَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـ?دِقِينَ [النمل:62-64] .
اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم تب علينا وأصلح حالنا، اللهم اغفر لنا ما تقدم منا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنّا، ونسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك الرضا بعد القضاء، ونسألك برد العيش بعد الموت، ونسألك لذّة النظر إلى وجهك، ونسألك الشوق إلى لقائك، من غير ضراء مضرّة ولا فتنة مضلة، اللهم زيّنَا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، اللهم ألّف على الخير قلوبَنا واجمَع شملَنا ووحّد كلمتنا، اللهم اجعل بلدنا آمنًا طيبًا مباركًا سخاء رخاء زاهرًا مزدهرًا وسائر بلاد المسلمين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على أفضل رسلك وخاتم أنبيائك محمد وآله وصحابته أجمعين، وألحقنا بالصالحين برحمتك يا أرحم الراحمين.