فهرس الكتاب

الصفحة 4818 من 5777

دعونا نقوّم صيامنا

الرقاق والأخلاق والآداب

اغتنام الأوقات, فضائل الأزمنة والأمكنة

حمزة بن فايع الفتحي

محايل

جامع الملك فهد

1-الحث على اغتنام رمضان في الأعمال الصالحة. 2- حال كثير من الناس في رمضان. 3- الحث على الصدقة.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثه بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

أيها الصائمون الفضلاء، في هذه الليالي الشريفات المباركات يبدو الجو بديعا صافيا، يميل إلى برودة معتدلة، نهار نير زاهر، وليل أبلج طليق، والنفوس منشرحة رضية؛ إذ يتدفق المسلمون الصائمون إلى البلد الحرام لأداء العمرة والاعتكاف. فكم هي سعادتهم وبهجتهم بإتمام العبادة، وكم هو حزنهم وأسفهم بوداع رمضان.

رمضان تتصرم أيامه وتتلفظ أنفاسه، والساهون اللاهون في غفلة معرضون، ليال عظام تتنزل فيها الرحمات وتعظم الهبات وأرباب المعاصي والذنوب في شقاوة وندامة، أضمنوا الجنة أم فازوا بالنعيم، أم أنها الخسارة والضياع والضلال البعيد؟! قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24] ، وقال تعالى: كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] .

إتيانهم المعاصي والآثام غطى قلوبهم عن أنوار رمضان، فكان صيامهم مجردا عن القرآن، مُلئ زورا ولغوا، وكان قيامهم سمرا ووترا ولعبا وضياعا.

في الثلث الأخير من الليل ووقت نزول الرب جل جلاله يتوجه الصائمون الأخيار إلى ربهم بالصلاة والذكر والضراعة والابتهال، بكل خشوع وخضوع وبكاء، يرجون رحمته ويخافون عذابه، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. في ذلك الوقت يتسابق الأشقياء إلى المقاهي والملاعب والطرقات، يقيمون سهرة الخيبة والندامة والحرمان، لغو طويل، وضحك مميت، قد جملوها بمزمار وتدخين وفعل سيئ مهين، ينشق الفجر وإذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون شهود.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له ) )أخرجه الترمذي والحاكم وقال:"صحيح".

كم هي مصيبة أن تُجعل مواسم الخيرات أيام تسابق في اللهو واللعب وقاتلات الأوقات، أهذا حق رمضان يا صائمون؟! أهذا جزاء النعمة والإحسان؟!

كنا في مدة نشكو فئاما لا يعرفون ربهم إلا في رمضان ومواسم الرحمة، والآن نشكو طوائف كثيرة شقيت في رمضان وغيره، بل ربما كان شقاؤها في رمضان أعظم من غيره، والعياذ بالله. قبح الله أقواما ليس لهم من صيامهم إلا الجوع والعطش، وكان رمضان عليهم شدة وبلاء ومشقة وعبءًا.

أيها الصائمون، دعونا نتأمل أحوال هؤلاء الصائمين، أهم صاموا على الجادة، أم أنهم على خلاف ذلك؟!

في مكان كذا وكذا عشرات المنازل، وتقام الصلاة في المسجد فلا يحضر سوى القليل في رمضان! خبرونا ـ يا مسلمون ـ هل يصح صيام بلا صلاة؟! وهل من زكاة الصيام التخلف عن الجماعة والمنازل ليست مساجد للرجال كما هو مشهور؟!

يا صائمون، هل يستقيم صيام آكل الربا ومن بنى بيته من أموال الناس بغير حق؟! وهل يزكو صوم مشاهدي الأفلام والمسلسلات التي طفقت بنساء سافرات وكلمات فاسدات؟! وهل من صام على غيبة ونميمة كان صومه سويا؟! روى أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي قال: (( من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) ). إن كان صومنا كحال أولئك فوالله ليس لربنا حاجة في تركنا الطعام والشراب.

يا صائمون، من يمكث على اللهو أو الدش أو السهر ساعات طويلة ونهاره نوم في نوم هل يقرؤون القرآن؟! هل ختموه هذه الأيام؟! والله، إن ترددهم على المقاهي والأرصفة والسكك أكثر من ترددهم على المساجد. أما صلاة التراويح فالسنة المقتولة، أناس زهدوا في فرائض ومهمات كيف يقومون بنوافل ومستحبات؟! قال: (( من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم ذنبه ) )أخرجاه.

تالله، إننا لمن المقصرين، وفي ثواب الله من الزاهدين، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ [الأعراف:23] .

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الفضلاء، إن من أسرف أول الشهر وغفَل لا يضيع آخره الذي هو لبه وروحه وخلاصته. أيام فاضلات مباركات، وفيها ليله مباركة عظيمة، ليلة القدر التي هي فوز الدهر لمن أقامها إيمانا واحتسابًا. في المتفق عليه عن أبي هريرة قال: (( من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ).

والله، إننا لقوم مساكين، ذُكرنا برمضان وفضله فتكاسلنا، ثم العشر فقصرنا، ثم أوتارها فشُغلنا، فماذا بقي بعد؟! إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم أيقظ غفلتنا، واشف سقمنا، واجبر كسرنا، وعلّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا.

أيها المسلمون، إن ما بقي من رمضان يتطلب منا رجوعًا إلى الله تعالى وإحداث توبة ومزيدا من الجد والعمل والإكثار من الطاعات، حتى يُختم لنا رمضان بخير.

اليوم الخامس والعشرون! يا من شغل عن الطاعة وتكاسل عن العبادة وشح بالصدقة، بقي أيام قلائل، ستنقضي كلمح البصر، وأنت تزهد راكضا وراء حطام الدنيا استقبالا للعيد، فتجمل أبناءك، وتجدد بيتك، وتجتهد في تحسينه وتجميله لكي يسر الناظرين.

رب صائم يروم الجنة وقد جدد بيته وجمله بعشرات الآلاف وشح بريالات في رمضان، ألا تريد ـ أيها الصائم ـ السلامة والنجاة يوم القيامة؟! يقول: (( اتقوا النار ولو بشق تمرة ) )أخرجاه عن عدي بن حاتم، وفي المتفق عليه عن حارثة بن وهب قال: سمعت النبي يقول: (( تصدقوا؛ فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها، يقول الرجل: لو جئت بها بالأمس نقبلها، فأما اليوم فلا حاجة لي بها ) )، وفيهما عن عائشة أن رسول الله قال: (( أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك ) ).

أيها المسلمون، إنها لنذارة شر أن يتشاغل الإنسان عن هذه الأيام الطيبات الفاضلات، وإنها لأمارة خزي وخسران أن يقضيها الصائم في اللهو واللعب ولا يعي فضلها، وما فيها من الخير الجزيل.

يا أيها الذين آمنوا، ألم يدعكم ربكم إلى عبادته والتقرب إليه؟! تذكروا أنكم في زمن المهلة، قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله، يومئذ تتذكرون، كم من رجل شيّد دارا فقضى قبل أن يسكنها، وكم من إنسانٍ جمع أموالا فمات قبل أن يهنأ بها. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ. [الأنفال:20-22] .

إن العقلاء هم الذين يعظمون خالقهم ويوحّدونه، ويعملون بمقتضى أوامره ونواهيه الشرعية؛ لكي تتم حياتهم وتصفو قلوبهم وتزكو نفوسهم؛ إذ لا زكاة لهم ولا حياة إلا بالاستجابة لربهم وخالقهم.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت