الإيمان
الجن والشياطين
حسين بن شعيب بن محفوظ
صنعاء
غير محدد
1-... أن لكل شيء أجل حتى هذه الحياة الدنيا سوف تنتهي بقيام الساعة التي لا يعلم موعدها إلا الله.2-... أن كل شيء يبلى من الإنسان إلا عجب الزبن منه يركبون وأن الساعة تقوم على شرار الخلق.3-... النفخ في الصور وقيام الناس من القبور وحشرهم وما يقع بعد ذلك من الأهوال.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، فإن الله سبحانه وتعالى كتب الفناء على كل شيء في هذه الحياة الدنيا، فما من شيء خلقه الله وأوجده في هذه الحياة إلا كان مصيره الفناء ولكل شيء أجل معدود، فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، واذا كنا نعلم علم اليقين أن الآجال معلومة ومحددة في علم الله سبحانه وتعالى فإن للدنيا أيضًا أجلٌ معدود فلا يعلم الساعة التي يحين فيها أجل هذه التي نعيش فيها إلا الله عز وجل، فذلك غيب غيب الله على سائر المخلوقات ولا يعلم الساعة ومتى قيامها نبي مرسل ولا ملك مقرب وإن الساعة آتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يعلمون وقبل أن يحين أجل هذه الحياة الدنيا وقبل أن ينفخ الله سبحانه وتعالى في الصور ايذانًا بقيام الساعة تكون زلزلة تهز الأرض هزًا وتخرج ما فيها وتلقي كل ما في باطنها من كنوز وأموال إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد هذه الزلزلة يصبح الناس فيها سكارى وما هم بسكارى ولكن من هول العذاب وهوا الفاجعة هي الذي جعلتهم يترنحون يمينًا وشمالًا، وهذه تكون قبل أن يأمر الله سبحانه وتعالى إسرافيل بنفخ الصور، فإن هذه الزلزلة تكون زلزلة عظيمة ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، شرار الخلق يكونون إلى الشر إسراعًا كخفة الطير وأحلام السباع، ولا تقوم الساعة في الأرض من يقول: الله الله، ولا يوجد في الأرض من يقول لا إله إلا الله، تجتالهم الشياطين حتى تعيدهم الشياطين إلى الجاهلية الأولى ليعبدوا الأوثان والطواغيت والشياطين، فبعد ذلك يأمر الله سبحانه وتعالى بنفخ الصور، والصور قرن عظيم خلقه الله سبحانه وتعالى بعد أن فرغ من خلق السموات والأرض وجعل النفخ بيد إسرافيل فهو المأمور بأن ينفخ فيه وذلك بأمر الله، وقد ذكر الإمام ابن جرير بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( لما فرغ الله من خلق السموات والأرض خلق الصور ثم أعطاه إسرافيل فوضعه في فيه فهو شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يأمر ) )أي ينتظر متى يأتيه الأمر من الله سبحانه وتعالى بأن ينفخٍ النفخ، والنفخ ثلاث مرات نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة الثالثة التي يكون فيها الناس قيامًا لرب العالمين قال أبو هريرة قال: يا رسول الله ما الصور قال: (( هو قرن، قال: فكيف هو قال قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات النفخة الأولى نفخة الفزع والنفخة الثانية نفخة الصعق، والنفخة الثالثة نفخة التي يكون فيها الناس قياما لرب العالمين ) )، فهذه النفخات الثلاثة تكون متتابعة ما بين النفختين أربعون، وقد ثبت ذلك في حديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: (( ما بين النفختين أربعون قال أي رجل يسأل أربعون أربعون يوما قال أبيت قال أربعون شهرا قال أبيت قال أربعون سنة قال أبيت ) )، أي إن أبي هريرة لا يدري مقدار هذه الأربعين أهي أربعون يوما أو أربعون شهرا أو أربعون سنة ثم قال ينزل الله سبحانه وتعالى من السماء ماء فينبت الأجساد كما ينبث البقل، وليس شيئا من الإنسان إلا يبلى إلا عظما واحدًا هو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة، وعجب الذنب هو عبارة عن آخر سلسلة من العمود الفقري، وهو عظم كالحب أو كالنواة صغير الجسم، كل شيء في الإنسان يبلى إلا عجب الذنب فمنه ينبت الناس ويركب الخلق يوم القيامة وعندما يقول الرسول: (( كل شيء في الإنسان يبلى ) )المراد بالإنسان من غير الأنبياء، لأن الأنبياء كما تواردت الأحاديث الصحيحة لا تأكل الأرض من أجسادهم، إنما الناس من غير الأنبياء يتفاوتون على قدر أعمالهم وقربهم إلى الله، ولكن أجسادهم تفنى وسيعيد الله سبحانه وتعالى الجسد كما بدء منه، ثم إنكم لبعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون.
والساعة إذا قامت تقوم بغتة، والناس يخوضون في أمر دنياهم فمنهم من يبيع ومن يشتري ومنهم من يرفع لقمته إلى فيه ومنهم من يصلح حوضه، وكل الناس مشغولون بأمر دنياهم فتأتي الساعة بغتة فلا يكمل أحد العمل الذي يعمله في هذه الدنيا، حتى الرجل الذي كان يرفع لقمته إلى فيه إذا نفخ في الصور لا يستطيع أن يرفعها، لأنه يصعق فنفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون وقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة في حديث طويل قد ذكرته ذات مرة وأنا في هذا المقام، حديث فيه إحدى عشرة علامة من علامات الساعة في آخره قال عليه الصلاة والسلام: (( ولتقومّن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن نقحته(أي بلبن ناقته) فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يصلح حوضه فلا يسبقى فيه ))أي في رواية: (( وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه ) )ومعنى يليط أي يصلح حوضه (( فلا يسقى فيه شيء، ولتقومن الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه فلا يأكلها حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وأزينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتانا أمرنا ليلًا أو نهار فجعلناه حصيدًا كم تغنى بالأمس ) )جعلها الله سبحانه وتعالى قائمًا صفصف ترى فيها عوجا ولا أمتا )) وجاء في رواية عند مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما في حديث طويل نأخذ الجزء الذي فيه يختص بالمجال الذي نتحدث فيه وهو أن رسول الله ذكر النفخ ثم قال: (( ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغا ليتًا ) )ورفع ليتا أي أنه حين يسمعون النفخة تأتي من السماء يرفعون أعناقهم هكذا ينصتون بأذان صاغية ما هذا الصوت الغريب الذي جاءهم ولم يكن معهودًا من قبل، وأول من يسمعه رجل يليط حوض أبل (أي يصلح حوض إبله) فيصعق، فيصعق الناس ثم يرسل الله أو قال ينزل الله مطرا كأنها الطل أو الظل فتنبت منه أجساد الناس ثم يقال للناس، ثم ينفخ في الصور النفخة الثانية فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: للناس هلم إلى ربكم وقفوهم أنهم مسؤلون ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: من كم فيقال: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين، فذلك يوم يجعل الولدان شيبا وذلك يوم يكشف عن ساق.
هذا الحديث يبين أن بعث النار بعد أن يقوم الناس من قبورهم، وبعد أن يساقوا إلى ساحة الحشر والحساب والعذاب، أنه من ألف يساق تسع مائة وتسعة وتسعين إلى النار، ولا ينجو من عذاب الله من كل ألف إلا واحد، فأين نحن من تلك الأهوال العظام الشدائد، أين نحن منها ونحن قد أصبحنا في غفلة وقد اعرضنا عن كتاب ربنا ومنهج محمد وقد جاء بالحديث عن المقداد بن الأسود أنه سمع رسول الله يقول: (( تدنوا الشمس يوم القيامة من رؤوس الخلق كمقدار ميل ) )يقول سليم ابن عامر أحد الذين يرون الحديث في سنده يقول سليم ابن عامر فلا أدري أهو الميل الذي نكتحل به أو ميل المسافة. سواء كان الميل يكتحل الناس أو ميل المسافة من ذا الذي يستطيع أن يتحمل حرارة الشمس حينما تدنى ميل المسافة أو ميل الكحل، لا أحد يستطيع إننا والذي لا إله غيره لو أن الله سبحانه وتعالى رفع درجة الحرارة بما يزيد عن أربعين درجة لصحنا، ولأصبح الناس يضجون بالشكوى، ويقولون، فكيف بالشمس حينما تدنوا ثم قال يكون الناس على قدر أعمالهم من العرق، الغرق على قدر أعمالهم، فمنهم من يكون العرق إلى كعبيه، ومنهم من يكونوا إلى ركبتيه، ومنهم من يكونوا إلى حقويه أي إلى وسطه يأخذه العرق إلى وسط جسمه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا ثم أشار إلى فيه أي أنه يغوص فيها على قدر العمل.
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا الذي قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها
النفس ترغب في الدنيا وقد علمت أن الزهادة فيها ترك ما فيها
فغرس قصور التقوى ما دمت مجتهدًا وأعلم بأنك بعد الموت لاقيها
إنه لهول شديد.
أيها الناس: واسمعوا إلى ما يقوله المولى عز وجل يوم القيامة: فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون كل الأنساب والقرابات تنقطع لا والد ينفع ولده ولا أم حنون تعطف على ولدها، ولا زوج يرحم زوجته، ولا قريب ينفع قريبه ولا يسأل حميم حميما يبصرونهم يودّ المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعًا ثم ينجيه كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعوا من أدبر وتولى وجمع فأوعى إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا واذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون لا ينجوا الإنسان إلا بعمله كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر هل فكرت يا ابن آدم حين يوقفك الله سبحانه وتعالى في ساحة الحشر وبعد أن يطوي الله الأرض والسموات بيمينه ويقول: أنا الملك. أين ملوك الأرض؟ هل فكرات بذلك اليوم؟ لمن الملك يومئذ؟ لله الواحد القهار. وعندما نقول بأن الله يطوي الأرض والسماوات بيمينه فنحن نقف عند نص الآية حسب ظاهرها، فنثبت لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات والأفعال، من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، إنما نثبت لله ما أثبته لنفسه، فنثبت لله اليمين، يمينًا يليق بجلالته، وعظمته ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وقد جاء في حديث عن سهل ابن سعد الساعدي أن رسول الله قال: (( يحشر الله الناس يوم القيامة إلى أرض بيضاء عفراء كقرصة نقي ليس فيها معلم لأحد ) )هذا الحديث دليلٌ أن الله بعد أن يطوي السموات والأرض بيمينه يسوق الناس إلى ساحة الحشر، وهي أرض بيضاء عفراء أي شديدة البياض، ناصعة البياض، ليس فيها معلم لأحد، أي لم يرق فيها دم، ولم تدنس فيها معصية إنما أرض بيضاء في تلك الأرض، يحاسب الله سبحانه وتعالى بعد أن يسوقهم إلى ساحة الحشر يحشر الناس في تلك الأرض ونحن لا نعرف أين هذه الأرض؟ وأين تكون وذلك غيب غيبه الله على الناس وبعد أن يقف الناس قيامًا ينظرون إلى المولى عز وجل لا يدرون ما يفعل الله بهم إذا بالصحف تطاير، فمنهم من يعطى كتابه بيمينه، ومنهم من يعطى كتابه بشماله فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم أقرؤوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية هذا قد فاز فوزًا عظيما لا يشقى بعده أبدا وأما من أوتَ كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوتي كتابيه ولم أدرِ ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية يتمنى أن يقضي الله سبحانه وتعالى عليه ويفنيه ليكون تراب كما يجعل الله الحيوانات بحيث يصيرها ترابًا يوم ينظر الكافر إلى تلك الحالة فيقول: يا ليتني كنت تراب يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه لا ماله الذي كان يتبجح به ويتكبر به على الخلائق ينفعه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه المال الذي كنزه ولم ينفقه في سبيل الله، أين ذهب، وسوف يطوقه الله سبحانه وتعالى به ليكون شجاعًا أي ثعبانًا ينفث السم على رأسه له زبيبتان يطوقه فيأخذ بلزمته فيقول له أنا مالك أنا كنزك الذي يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذقوا ما تكنزون إن الجزاء من جنس العمل والله سبحانه وتعالى إن عذب إنسانًا إنما يعذبه بعدله، وإن أنعم على إنسان بنعمة أبدية سرمدية وأدخله مع محمد في روضات الجنان فإنما ذلك بلطفه ومنّه ورحمته وكرمته، ولكن نحن لم نفكر ولا نتفكر بهذا المصير المحتوم الذي ينتظرنا، فأين نحن من تلك الأهوال الشداد ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه ماذا يكون جزاءه يا رب خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذارعًا فأسلكوه لماذا يارب لأنه لم يكن يؤمن بالله رب العالمين ولا يحض على طعام المسكين فليس له هاهنا حميم ولا طعام إلا من غسلين لا يأكله إلا الخاطئون.
أيها الخاطئون أيها العاصون أيها المتكبرون أيها الجبابرة: عودوا إلى ربكم من قبل أن يأتي الموت بغتة فإذا جاء الموت بغتة فإنكم تساقون بأعمالكم واستمعوا إلى ما يرويه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: (( يدنوا أحدكم إلى ربه فيضع كنفه عليه(فيضع كنفه عليه أي ستره أعماله التي كان يعملها في هذه الدنيا والتي كانت مستورة تكشف) فيضع كنفه عليه فيقول الله له ألم تعمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا فيقول: نعم، فيقول: أعملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا؟ فيقول: نعم. فيقرره ))أي أن الله سبحانه وتعالى يذكره بذنوبه لكي يأخذ منه اقرارًا، فبعد أن يقر بذنوبه يعطى كتابه بحسناته جاء في الرواية أيضًا أن رسول الله قال: (( فيقول الله له: يا عبدي قد سترت عليك في الدنيا وأنا أيضًا أسترها عليك بالآخرة ) )ما أعظم رحمتك يا رب، وأنت تعفو وتستر الذنوب، ما أحلمك يا رب ونحن المقصرون في هذه الحياة وأنت تقابلنا بالسيئات إحسانا، وبالذنوب مغفرة وعفوًا ورضوانا، ما أحلمك يا رب أنت الصادق الذي قلت في كتابك وسنة رسولك أن الذنوب تكون سببا في أن تردنا إلى مهاوي الردّى وقد سترك في الدنيا وأنا أسترك الآن فيعطى كتاب حسناته فيعطى كتاب حسناته فأما الكافر فيعطى كتاب سيئاته بشماله، ثم ينادي منادٍ على رؤوس الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين هؤلاء الذي كذبوا على ربهم، في ذلك اليوم ينجي كل شيء، وتفتح الصحف، ويقال للإنسان: إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما يحدث بعد ذلك نحن على موعدٍ معه بعد أن نأخذ قسطًا من الراحة أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمقتين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وعلى آله الطيبين والطاهرين ومن سلك سبيلهم وترسم خطاهم ونهج منهجهم وسار على دربهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الإنسان بعد أن يموت يبقى في القبر إلى أجلٍ لا يعلمه إلا لله، ثم بعد ذلك يبعث من قبره، وأول من ينشق القبر عنه محمد فإذا نفخ وصعق الناس ونفخة النفخة الثانية وقام الناس إلى ربهم يكون رسول الله أول من تنشق عنه الأرض كما أخرجه البخاري في صحيحه أول من يقوم وينشق عنه الأرض فيقوم من قبره فيقول عليه الصلاة والسلام فإذا أنا بموسى آخذًا بقوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقه يوم الطور، فإن رسول الله يبين أن الأرض تنشق عنه فيفيق، ولعل موسى يكون ممن استثناهم الله، وهذه المسألة خلافية عند العلماء ولكن الذي يهمنا أن رسول الله ما ترك صغيرة ولا كبيرة مما يتعلق من أهوال القيامة إلا وحدثنا عنها، وعلينا أيها المسلمون أن نتفكر في ذلك اليوم لأنه ليس ببعيد فإن كل إنسان إذا مات قامت قيامته، فإنك إذا مت عرض عليك مقعدك من الجنة أو مقعدك من النار، لا تدري من أي الفريقين تكون أمن أهل السعادة أم من أهل الشقاوة، ولكن عليك أن تتفكر وتعمل خيرًا حتى تلقى الله وهو راض عنك، يقول عليه الصلاة والسلام كما جاء عن أبي هريرة أن رسول الله قرأ: يومئذ تحدث أخبارها فقال: (( أتدرون ما أخبارها. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن أخبارها بأن تحدث كل إنسان بما عمل ) )فتقول: يا عبد الله ويا أمة الله عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا فذلك من أخبارها، هذه الأرض تتحدث، الأرض البكماء العمياء الصماء تتحدث، لأنها موكلة من عند الله سبحانه وتعالى بأن تخرج كل شيء فعله الإنسان في هذه الأرض، إنك إذا وقفت أمام الله وأنكرت فكيف تنكر الذنوب والمعاصي العظام التي فعلتها في تلك الحياة وهو الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ويوجد من الناس من ينكر ويظن أن الله سبحانه وتعالى ليس بقادر على كل شيء، بلى إنه قادر على كل شيء، وسوف يفضحك قبل أن تفضحك الأرض، فإن الله سبحانه وتعالى إذا أنكر الإنسان الذنوب والمعاصي التي فعلها ينطق الله الأرض بعد أن يخرس الألسنة، ينطق الله سبحانه وتعالى اليد والرجل وينطق السمع والبصر وينطق الجلود فيقول أولئك العصاة والكفار ولم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي انطق كل شيء. إن الذي جعلك تنطق وتتكلم وتكون فصيحا بليغا تخاطب الناس بكل ما تريد أن تقوله وبكل ما هو مكنون في نفسك قادر أن ينطق هذه اليد إذا أنكرت. أما إذا أقررت فإن الله سبحانه وتعالى هو الحليم الغفور، هو الذي يتجاوز عن السيئات ولكن عليك أن تفكر وأن تتدبر بأنك لا تستطيع أن تغالط الخالق الذي وصف نفسه أم يحسبون أنا لا نعلم سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون وهو الذي يقول: إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم وعندما يحشر الناس يكونون على ثلاثة أصناف كما أخرج الترمذي في سننه قال عليه الصلاة والسلام: (( يحشر الناس على ثلاثة أصناف صنف مشاه أي يمشون على أقدامهم وصنف ركبان وصنف على وجوههم ) )أي ينكسهم الله، ويقلبهم رأسًا على عقب نتيجة ما فعلوه وما أقترفوه وما جنوه في هذه الحياة، ومن زرع حصد ومن عمل خيرا وجد، ومن عمل شرا فلا يلومن إلا نفسه، وصنف على وجوههم فقال الصحابة كيف يمشوا يا رسول الله على وجوههم قال: (( الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم ) )ألا إنهم يتقون بوجوههم كل حدبٍ وشوك يتقون كل ما على وأرتفع يتقون بوجههم كما أنت تتقي الشوك وكما تتقي الحفر والأماكن العالية بأقدامك التي تمشي بها، فهذا هول عظيم وخطب جليل وأمر عصيب ينتظر كل إنسان وهل تعتقد أيها الإنسان أنك تبعث وتقوم من قبرك وأنت تلبس الحلي أو تلبس ما حسن وما جمل من ثياب إنما تحشر حفاة تحشرون حفاة عراة غرلًا وقد جاء ذلك في حديث متفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال وعظني رسول الله بموعظة فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة موّدع فقال: (( إنكم محشورون عند الله تعالى حافة عراة غرلًا، كما بدءنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين حفاة بلا حذية عراة بلى ألبسة غرلًا أي غير مختونين الجلد الذي يكون على الحشفة وينزع عند ختان الطفل قبل البلوغ، يعيده الله كما بدءنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين ) )وقد جاء في رواية أخرى عن عائشة رضي الله عنها حين أخبرها رسول الله أن الناس يكونون حفاة عراة ويحشرون كذلك ويكونون غرلا قالت: يا رسول الله الرجال والنساء قال: (( بلى، فقالت: ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إن الأمر لأعظم ) )من أن ينظر بعضهم إلى بعض، إن هول المصيبة وذلك الخطب الجليل لا يجعل الإنسان ينظر إلى عورة أخيه، ولا إلى فرج امرأة، لأن كل إنسان يقول نفسي نفسي ولا يدري أهو من الذين يساقون إلى النار وبئس القرار أم من الذين يفوزون فوزًا عظيما فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور كما بدءنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ألا إن أول الخلائق يكس يوم القيامة إبراهيم يكسى إبراهيم يلبّس أمام الناس قبل أن يلبس الناس لماذا؟ لأن الله يكرمه تلك المكرمة جزاء صبره يوم أن فتنه قومه المشركون، وحفروا له حفرة عظيمة فأُوقد فيها النار بعد أن سب أحلامهم وعاب آلهتهم وأقام عليهم الحجج البينات الواضحات الدافعات، فجرد من ثيابه وألقي في النار وأكرمه الله سبحانه وتعالى وحفظه من كل سوء قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم فأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأسفلين وبعد ذلك يكرمه الله سبحانه وتعالى يوم القيامة فيلبسه ويكون أول من يكسى، (( ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ألا وإنه سيجاء رجال من أمتي فيأخذ بهم ذات الشمال أي يساقون إلى النار نعوذ بالله من النار ونعوذ بالله من سخط الله وعذابه وغضبه فيأخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ماذا أحدث بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح وكنت عليهم شهيدًا مادمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ، فيقال لي: إنهم ما زالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ) )وجاء في رواية أخرى أن رسول الله يقول: (( فأقول سحقا سحقا ) )أي بعدًا لمن غير ديني وبدّل الأمر من بعدي فهل أتعظ الناس بهذا الحديث وغيرها من الأحاديث التي تحمل في طياتها الوعيد الشديد والإنذار العظيم أم أنكم ما زلتم في غيكم سامدون، وفي ضلالكم تعمهون؟ أفيقوا أيها المسلمون: اتركوا الغفلة وأعلموا على أنكم لن تكونوا من اتباع محمد إلا بشروطها، وإلا فإن محمدًا لا يريد يوم القيامة أناسًا يسودون بوجهه فكيف إذا جأنا بكل أمة بشهيد وجئنا من على هؤلاء شهيدًا حينها يقول رسول الله: (( يا ربي إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ) )، اتخذوا القرآن مهجورا فتشوا عن حياتكم ما هذه الظلمات التي ركب بعضها بعضًا، وتفننا في ركوبها وتجاوزنا الحدود والواجبات ويقتل بعضنا بعضًا ويسرق بعضنا بعضا، ويعصي كثير من الناس ربهم، الصلاة لا يقيمونها في أوقاتها، ثم يقولون: مسلمون يزنون ويشربون الخمر ثم يقولون من أتباع محمد يضيعون الحقوق والواجبات التي جعلها الله سبحانه وتعالى بين الخلائق ثم يقولون نحن من أمة محمد كفاكم تزويرًا وكفاكم خداعا، فمن تخدعون؟ الذي يعلم السر وأخفى والذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وكيف بك حين يوقفك الله سبحانه وتعالى أمامه فيسألك عن كل صغيرة وكبيرة. ماذا تقول؟ فحاسب نفسك أيها الإنسان ولا تغتر بهذه الدنيا وأكثر الأمل وجدَّ في العمل، كن من الذين يتزودون بالخير والإحسان وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب.
عن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( ما من كم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان(أي ليس بينه وبين ربه ترجمان) فينظر أيمن منه فلا يجد إلا ما قدم (أي ينظر على يمينه فلا يرى إلا ما قدم) وينظر أشمل منه فلا يرى إلا ما قدم (أي إذا نظر إلى شمائله لا يرى إلا ما قدم) ثم ينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة )). اتقوا النار ولو بشق تمرة اتقوا الله أيها المسلمون فإن أهوال الساعة شديدة وذلك اليوم أتدرون كم تقفون بين يدي المولى عز وجل، كمن يكون مقدار الوقفة التي تقفها لا تأكل فيها ولا تشرب ولا ترتاح، وقد ثبت في الحديث أن الناس يلجمون بالعرق حتى يصل إلى الأرض سبعون ذراعًا فيغطى العرق إلى أطراف آذانهم، فهل فكرت في ذلك اليوم، فكر يا ابن آدم، فكر يا ابن آدم قبل موتك في الحياة الثانية، فكر فإنك ميت ليست سنينك باقية لك، إن تفكر فالخلود بجنة أو هاوية والرسول عليه الصلاة والسلام قد قال: (( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم على النساء بالفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله سبحانه وتعالى ) )أي خرجتم بتكون في الصحاري والفيافي وإلى الأراضي الشاسعة تبكون إلى الله عز وجل تفرون إلى الله بذنوبكم، التي تجاوزت الحدود ووصلت إلى أمور لا يعلم كنهها ولا علمها إلا الله. إن يوم الحشر يوم يتبعه بعد ذلك حساب، وما حاسب الله أحدًا ولا ناقشه إلا عذبه ثم تكون الشفاعة العظمى التي لا تكون إلا لرجل واحد، وهو رسول الله ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودًا فيعطى من محامد الله وينال تلك المقامة التي ينالها لا بني مرسل غير محمد، ولا ملك مقرّب وهنا شرف لهذه الأمة وشرف لنبيه ويكون بعد ذلك الذين يشربون في حوضه هم الذين اتبعوه قولًا وعملًا، ثم بعد ذلك يكون المرور إلى الصراط الذي هو أدق من الشعر وأظلم من الليل، وأحدّ من السيف، وهو جسر موضوع على شفير جهنم كل الناس يجوزون، فمن حازه بعمله فقد أفلح وأنجح، ومن لم يجزه وأبطئ به عمله فإن على جنبتي الصراط كلالبيب تأخذه فتشده حتى تلقيه في قعر جهنم، ويكون ميزان الأعمال حين يزن الله سبحانه وتعالى كل إنسان مع عمله، فمن رجحت حسناته فقد فاز، ومن رجحت سيئاته فأمه الهاوية وما أدراك ما هي نار حامية، هذه كلها تكون مقدمات قبل دخول الناس إلى النار أو إلى الجنة، نحن على موعد مع الشفاعة العظمى مع الحوض والصراط والحساب ونحن مع دخول الناس إلى الجنة أو إلى النار.
اسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل الجنة وأن يعيذنا من النار. ونعوذ به من سخطه وغضبه والنار اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا في كل خير. اللهم هيء لعناصر الخير أن تسود ولكرام الأمم إن تقود، وأعد للمسلمين مجدهم يا رب العالمين. ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقون بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله وأقم الصلاة.