فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 5777

الكفر وأسبابه

الإيمان

نواقض الإيمان

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

لا يجتمع في قلب كفر أكبر وإيمان - تفاوت درجات الإيمان والكفر - كفر من يبغض الرسول

صلى الله عليه وسلم والصحابة - الكفر الأكبر وأسبابه - من لوازم صحة الإيمان بغض

الكافرين , وأسباب تذوق حلاوة الإيمان - اتفاق العلماء على كفر من ترك الأركان كلها -

أمثلة للكفر الأصغر

أما بعد:

فإن الإيمان والكفر نقيضان لا يجتمعان في قلب واحد أبدا كما أن التوحيد والشرك نقيضان لا يجتمعان في قلب واحد أبدا والكفر المراد هنا الذي لا يجتمع مع الإيمان هو الكفر الأكبر المخرج من الملة فإن الكفر أصله في لغة العرب معناه الستر والتغطية يقولون كفر الشيء إذا ستره وكفر عليه إذا غطاه ومنه سمت العرب الليل كافرا لأنه يستر بظلامه وسموا الزراع كفارًا لأن الزارع يغطي البذر ويخفيه في الأرض قال تعالى: أعجب الكفار نباته [الحديد:20] . أي الزراع ومنه سمي نقيض الإيمان كفرا لأنه يغطي العقل ويستره ويحجبه فلا يرى أنوار التنزيل فلا يؤمن.

وكما أن الإيمان درجات فإن الكفر درجات فمنه الكفر الأكبر يخرج من الملة ومنه كفر دون ذلك كالتكذيب، والجحود كفر أكبر يخرج من الملة ومنه أن يبغض العبد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كفر أكبر وإن صدقه وأقر بنبوته كما فعلت اليهود فإنهم صدقوه صلى الله عليه وسلم وأقروا بنبوته ولكنهم حسدوه وأبغضوه ومثل ذلك أن يبغض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد عد ذلك العلماء كفرًا واستدل الإمام مالك إمام دار الهجرة على كفر من يبغض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار [سورة الفتح:29] . ففي هذه الآية الكريمة شبه الرب سبحانه وتعالى كثرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزرع إذا استغلظ فاستوى على سوقه وأخبر بأن كثرتهم تغيظ الكفار وتسر المؤمنين.

فاستدل إمام دار الهجرة بذلك على كفر من يبغض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يكفر من أبغض سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر ما يقع الكفر الأكبر المخرج من الملة في الأمور الاعتقادية وفي الأعمال القلبية فلا يتصور بقاء شيء من إيمان في قلب خال من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما لا يتصور بقاء شيء من إيمان يضمر الحب والود لمن حارب الله ورسوله قال تعالى لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله [سورة المجادلة:22] . فكما أن من لوازم صحة الإيمان حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم فلا يصح إيمان العبد إلا بذلك فإن من لوازم صحة الإيمان بغض الكفر والكافرين وبغض من حارب الله ورسوله فإن هذا من لوازم صحة الإيمان بغض الكفر والكافرين وكلما اشتد حب العبد لله ورسوله وكلما اشتد مقته وبغضه للكفر والكافرين قوي إيمانه وكمل إيمانه حتى يذوق حلاوة الإيمان كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) ) [1] .

وقد أخذ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة والعهد على جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أخذ عليه العهد أن ينصح لكل مسلم وأن يبرأ من كل كافر فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن جرير رضي الله عنه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أبايعك على الإسلام فقال صلى الله عليه وسلم: (( أشترط النصح لكل مسلم أشترط النصح لكل مسلم ) ) [2] . وفي رواية في المسند أيضا أن جريرا رضي الله عنه قال فقلت: يا رسول الله اشترط علي أي أنا الآن أبايعك وأعاهدك فاشترط علي فقال صلى الله عليه وسلم (( تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتصلي الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتنصح للمسلم وتبرأ من الكافر ) ) [3] .

فإن كان هناك تردد في كفر من ترك شرطا من هذه الشروط فليس هناك أي تردد من العلماء في كفر من ترك هذه الشروط جميعا ليس هناك اختلاف بين العلماء في أن من ترك هذه الأمور كلها يكفر كفرا أكبر ويخرج من الملة إذ لا يتصور أن يكون مؤمنا من لا يقيم الصلاة ولا يؤدي الزكاة ويضمر البغض والغش والخيانة لكل مسلم ولا يبرأ من الكافر بل يضمر للكفار الود والميل إليهم ثم هو فوق ذلك يشرك بالله الواحد القهار.

من اجتمعت فيه هذه الأمور وتكالبت عليه هذه النواقض كلها لم يبق لديه من الإيمان أبدا وإن جهر ورفع صوته بلا إله إلا الله فهو كافر خارج من الملة من لا يصلي الصلاة ولا يؤدي الزكاة ويبغض المسلمين ويحب الكافرين ويشرك بالله الواحد القهار كيف يكون مؤمنا مسلما حاشا وكلا أن يكون كذلك.

ثم اعلموا أيها المسلمون أن للكفر درجات فمنه كفر أكبر كما بينا يخرج من الملة ومنه كفر دون ذلك سماه العلماء كفرًا دون كفر.

بوب الإمام البخاري محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله بوب في صحيحه بابا فقال: باب كفران العشير وكفر دون كفر ثم ذكر حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال عبد الله بن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أريت النار فرأيت أكثر أهلها النساء يكفرن(أي بسبب أنهن يكفرن) قال الصحابة رضوان الله عليهم: يكفرن بالله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان إذا أحسنت إلى أحداهن دهرا (أي زمنا طويلا وأنت تحسن إليها) فإذا رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط )) [4] فسمى الرسول صلى الله عليه وسلم فعل النساء هذا سماه كفرًا مع أنه معصية لا تنقض الإيمان ولا تهدم الإيمان ومعصية من المعاصي لكنه كفر للعشير وهو الزوج وكفر للإحسان فالمرأة وأكثر النساء إذا رأت من زوجها ما يغضبها وقد أحسن إليها زمنا طويلا قالت له ما رأيت منك خيرا قط فسمى الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك كفرا وهو ليس بذلك الكفر الذي ينقض الإيمان كما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم قتال المسلم بالكفر فقال صلى الله عليه وسلم:

(( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) ) [5] وقال في حجة الوداع: (( لا ترجعوا بعدي كفارًا قال ذلك لأصحابه- لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) )أخرج هذين الحديثين الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه.

وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين الحديثين قتال المسلم بالكفر هذا مع أن الله سبحانه وتعالى في كتابه سمى المسلمين المتقاتلين سماهم مؤمنين وأطلق عليهم وصف الإيمان وأثبت بينهم أخوة الإيمان قال تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوابينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة [سورة الحجرات:9] . أي وإن تقاتلوا فأصلحوا بين أخويكم.

قال سبحانه وتعالى في وصف الواحد من المسلمين إذا قتل مسلما في وصف الواحد القاتل من الأفراد قال سبحانه وتعالى: فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان [سورة البقرة:178] . فسمى سبحانه وتعالى سمى ولي المقتول أخا للقاتل فدل هذا كله على أن الكفر في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم قد يطلق أحيانا على المعصية التي لا تنقض الإيمان ولا تهدم الإيمان وإن كانت تؤثر فيها بالنقصان ولذلك سماها الشارع الحكيم كفرا حينئذ لأن المعصية أيضا تغطي العقل وتحجب عن القلب نور الإيمان عند ارتكابها على حد قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) ) [6] .

أي إن الزاني وقت ارتكابه لهذه الفاحشة المنكرة يرتفع عنه نور الإيمان إذ إن ظلمة المعصية تغشت قلبه وحالت بينه وبين الإيمان ولكن نور الإيمان يرتفع فوق رأسه فوق رأس المؤمن الزاني يغادر قلبه ويرتفع فوق رأسه كالظلة لا يفارقه بتلك المعصية أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف واداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم [سورة البقرة:178] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه البخاري:كا الايمان رقم (16) .

[2] أخرجه البخاري:ك:الإيمان رقم (58) . أحمد (4-357) .

[3] أخرجه البخاري:ك:الإيمان رقم (57) .

[4] أخرجه البخاري ك:الإيمان رقم (29) .

[5] اخرجه البخاري:ك:الإيمان رقم (48) .

[6] أخرجه البخاري:ك: المظالم رقم (2343) .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا.

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون [سورة آل عمران:102] .

يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا [سورة النساء:1] .

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما [سورة الأحزاب:70] .

و صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [سورة الأحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا ) ) [1] . اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

[1] صحيح مسلم (408) عن أبي هريره رضي لله عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت