الإيمان
الجن والشياطين
حسين بن شعيب بن محفوظ
صنعاء
غير محدد
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أمر الله سبحانه وتعالى بإقامة ميزان العدالة بين الناس حتى يكون الناس سواسية، كما أمر الله عز وجل الحاكم أن يخضع لحكم الله عز وجل فيحكم بين الناس بما أمر الله، ولذلك يقول الله عز وجل: وأن احكم بينهم بما أنزل الله فإذا فرط الحاكم في هذا الجانب فإنه مسؤول أمام الله عما ضيعه في الحكم بين الناس، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (( ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) )الإمام راع أي الحاكم راع، ومسؤول عن رعيته والرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة مسؤولة في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، الخادم راع في منزل سيده ومسؤول عن مال سيده (( ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) )وهذه المسؤولية مسؤولية عظيمة لا يستطيع أحد أن يتنصل منها لأن كل إنسان سيحاسبه الله سبحانه وتعالى، ولذلك جعل الله عز وجل الحكم بين الناس أمانة، وأمر الله عز وجل بالمحافظة على هذه الأمانة أشد مما يحافظ الإنسان على أمانة الودائع أي كما أنه يجب أن لا يضيع أمانة استودعها من قبل الناس، فكذلك أيضًا ينبغي عليه أن لا يضيع الأمانة التي حمله الله سبحانه وتعالى الحكام والمحكومين، كلًا في حدود طاقاته واختصاصاته، وهذا الأمر قد ضيعه أبناء المجتمع الإسلامي اليوم مع أن الدين الإسلامي دين ما قام إلا لإرساء قواعد العدالة بين الناس، وهذا السبب الذي دفع كثيرًا من المخالفين لمنهج الإسلام أن يدخلوا إلى الدين الإسلامي، حين وجدوا أن العدالة تطبق بحذافيرها بين المسلمين، لا فرق بين أبيض ولا أسود، ولا راع ومرعي، ولا حاكم ومحكوم، ولا سيد ومسود، ولا رئيس ومرؤوس، الكل سواسية كأسنان المشط إن أكرمكم عند الله أتقاكم ولذلك كانوا يجدون أن هذا الإسلام دين عظيم، فهذا الذي دفع كثير من المخالفين للإسلام وخصوصًا في عصر الفتوحات الإسلامية أن يدخلوا هذا الدين جملة واحدة، ونحن اليوم أبناء الأمة الإسلامية إذا أردنا أن نحقق العدالة فلنحققها وفق كتاب الله سبحانه وتعالى ووفق المنهج الذي ارتضاه لنا رسول الله وجعله مشاعًا بين الناس، وإنك لتعجب حين تجد كثيرًا من أبناء الأمة الإسلامية وهم يولون وجوههم صوب الشرق والغرب يبحثون من أنظمة الجاهلية نظاما يحقق لهم العدالة، فتسمع أحيانًا رجلا يقول لك: إن العدالة لا يمكن أن تكون موجودة إلا إذا طبقنا الديمقراطية، ومنهم من يقول لك: إذا أردنا العدالة فلن نجدها ولن نستطيع أن نجدها إلا إذا يممنا وجوهنا صوب الإشتراكية العلمية ونسو أن هذا المنهج القرآني فيه ما فيه لكفالة الناس جميعًا، وفيه ما فيه من الأنظمة والقوانين التي تحقق للناس كافة السعادة، وتحقق لهم الطمأنينة، وما موقف الإسلام تجاه الأديان السماوية التي سبقتها وتجاه النظريات قائمٌ إلا على أساس إقامة العدالة في الأرض، وتأملوا بعض النصوص القرآنية، ماذا تجدون فيها؟ يقول الله سبحانه وتعالى: وكذلك جعلنكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا الوسطية هنا يعني العدالة أي أن أمة الإسلام أمة محمودة اختارها الله سبحانه وتعالى، لا يكون جانبًا من حياتها طاغيًا على جانب آخر، إنما هي أمة تعرف الحدود والموازين، ولأجل ذلك فإنها تسعى إلى إقامة إرساء العدالة بين الناس، وهذا الأمر مأمور به من الله عز وجل إذ يقول في محكم التنزيل: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أي حتى لو كان ذلك الأمر لك شهوة فيه في نفسك وكان خاضعًا لهواك، لكن عليك أن لا تقدم بين يدي الله ورسوله شيئا ولو كان ذلك الشيء يتعارض مع مبدئك وخيارك، ويتعارض كذلك أيضًا مع ما ترجوه وتتمناه في الحياة، إن عليك أن تقدم حكم الله عز وجل على كل شيء قال الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم فمن قدم نظرية على حكم الله، ومن قدم قانونًا على حكم الله، ومن قدم تشريعًا بشريًا على حكم الله فقد كفر بما أنزل الله على محمد ، وهذه الحقيقة ينبغي أن تكون واضحة في أذهان المسلمين لأنهم اليوم جهلوا حقائق ووقائع الشريعة الإسلامية ولذلك رأينا بين صفوف الأمة الإسلامية من يدعو إلى العلمانية العلمانية في الحكم والسياسية، والعلمانية في النظم والقوانين الاقتصادية، العلمانية في مجالات التشريع والتقنين، علمنة كذلك أيضًا في ميدان التربية والتعليم، كما علمنوا من قبل الإعلام وجعلوا الإعلام يخضع لتصورات اليهود والنصارى ليشن حربا على كل القيم التي يرتضيها الله سبحانه وتعالى لعباده، هذه الأمور كلها ما وجدت في واقع المسلمين إلا حينما غابت المفاهيم الإسلامية الأصيلة من واقع المسلمين، ولذلك أقول أيها الأخوة والأعزاء: إننا لم نفهم ديننا كما أراده الله سبحانه وتعالى لسبب واحد وهو أن بعض أبناء الأمة الإسلامية فهموا أن الإسلام وراثة، ولم يعلموا أنه عقيدة. منهم من ظن أن الدين محصور في صلاة وصيام وزكاة وحج وغير ذلك وظنوا أن الإسلام لا دخل له بالتشريع وبالسياسة ولا بسلطة الدولة. نقول لهؤلاء: تأملوا الدين الإسلامي منذ أن قام رسول الله يدعوا الناس إلى كلمة التوحيد ألم يكن رئيسًا في المدينة يقود الدولة الإسلامية، ولذلك صدق الإسلام في واقع الحياة انطبق المجتمع الإسلامي جملة وتفصيلًا تطبيقًا واقعيا عمليًا في شخصه أولا، لأن عائشة حينما سئلت عن خلق النبي. قالت: (( كان خلقه القرآن ) )إذا كان القرآن يتلى في المصاحف أو يحمله الناس إذا حفظوه على صدورهم عن ظهر قلب فقد كان رسول الله قرءانًا يمشي بين الناس في معاملاته وفي سلوكياته وفي أخلاقياته وفي تعامله مع الآخرين ممن اختلفوا معه في المنهج والتصور والعقيدة والفكر، ولذلك أرسى رسول الله دعائم الدولة الإسلامية والصحابة رضوان الله عليهم تأثروا به، فإنه ما كان يجامل أحدًا على حساب دين الله، ولا كان يحابي أحدًا على حساب التشريع الإسلامي إنما كان يجعل المقياس هو إقامة العدالة في الأرض إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نِعمّا يعظكم به إن الله كان سميعًًا بصيرًا ، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر يعظكم لعلكم تذكرون ويقول تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى أي لا يجرمنكم أي لا يدفعنكم عداوتكم لأقوام، عدواتكم لليهود وعداوتكم للنصارى أن لا تعدلوا إذا كان الحق لهم، بل اعدلوا لأن العدالة لأجلها أقام الله سبحانه وتعالى هذا الدين، ولأجلها رفع الله سبحانه وتعالى السماوات بغير عمد، ولا بأس أن نذكر شجرات من التاريخ الإسلامي ذلك الجيل الواسع الرائع الذي يذكر لنا فيه الأجداد الأوائل رسول الله وصحابته رضوان الله عليهم حين سطروا في التاريخ الإسلامي سطورًا كأنها سطرت ونقشت بماء الذهب تبقى نبراسًا للمسلمين جميعًا يستضيئون به إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، إن رسول الله نراه يرسي ميزان العدالة بين الناس ماذا يفعل رسول الله حين سرقت امرأة من بني مخزوم كما ثبت في الصحاح حين سرقت المرأة المخزومية قالوا: من يشفع لنا عند رسول الله فاجتمع قولهم على أن يكلموا أسامة بن زيد لأنه حبيب النبي فقام أسامة فكلمه يشفع لهذه المرأة فقال عليه الصلاة والسلام بعد أن رؤي الغضب على وجهه فإنه غضب غضبًا شديدًا قال: (( يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله ) )ثم قام فخطب في الناس قال: (( أيها الناس إنه كان فيمن كان قبلكم كانوا إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وإذا سرق فيهم الشريف تركوه والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) )هكذا يرسي العدالة في الأرض ونحن نقول لهؤلاء الذين يتشدقون بكلمات العدالة، تعلموا العدالة من رواد العدالة، تعلموا العدالة من مرسي العدالة، تعلموا العدالة من صاحب العدل الإسلامي الذي كان عادلًا في كل الحقوق والواجبات، والذي كان عادلًا في أقواله وأعماله، والذي كان عادلًا كذلك فيما دعي إليه من أوامر وفيما أمر من أمور تعتبر صالحة للناس في كل زمان ومكان، إذا أردتم العدالة فلا تجلئوا إلى دُر كايم ولا لينين ولا ماركس ولا جورج بوش وغيرهم، إنما إلجئوا إلى الواحد القهار تعلموا العدالة من رسول الله ولذلك ثبت أيضًا أن رسول الله استدان أي اقترض من رجل يهودي شيء من المال فمضى على هذا الدين عند رسول الله أشهرًا طويلة لأن الرسول عجز عن سداد الدين لضائقة ألمّت به صلوات الله وسلامه عليه ولذلك جاء اليهودي فطلب من رسول الله ماله يريد أن يرجع إليه الدين الذي استدانه منه فالرسول عاجز ما استطاع أن يدفع له ولا قرشًا واحدًا ولا درهمًا لأنه لم يكن بيده الأموال مع أنه كان حاكمًا وكان قادرًا لو رفع يديه إلى السماء أن يحول الله له جبال مكة والمدينة جميعها لتكون له ذهبًا وفضة، ولكنه عاش عيشة الفقراء فليعلم أولئك الذين ينادون ويطالبون بالعدالة ويبنون القصور الفخمة ويكنزون الأموال في سويسرًا ويكنزونها في لندن وفي جنيف نقول لهؤلاء كفاكم دجلًا وتزويرًا وكذبا على ذقون العباد تعلموا العدالة أيها الناس من صاحب العدالة صاحب الرسالة العصماء ماذا يقول عليه الصلاة والسلام حينما يجد ذلك الرجل اليهودي رسول الله يأخذو بتلابيبه ويغلظ له القول ويطالبه بحقه، وعمر يرى هذا الموقف والرسول ساكت، فهمّ عمر أن يضرب عنق هذا اليهودي فيقول: يا رسول الله ائذن لي أن أضرب عنق هذا اليهودي، فيقول له رسول الله: (( يا عمر قد كنت جديرًا بغير هذا، كنت جديرًا أن تطالبني بحسن السداد وتطالبه بحسن الطلب ) )هكذا يعلمه رسول الله مع أن هذا اليهودي قد أخطأ في حق رسول الله، ومن هو رسول الله؟ إنه أفضل مخلوق وجد على الأرض، فوق هذا لو ذبح عمر ذلك اليهودي أو ضرب عنقه لما كان عليه لوم، ولكن الرسول ما جاء إلا ليقيم العدالة في الأرض أيكون جائرًا حاشى لله، حاشى لرسول الله أن يكون جائرا، لأن الله سبحانه وتعالى قد طهره ونقاه، وهو الذي قال في حقه وإنك لعلى خلق عظيم وبعد ذلك علينا أن ننتقل انتقالة سريعة لنتذكر بعض النماذج التي توضح لنا كيف كان الصحابة رضوان الله عليهم بعد أن تأثروا بروح النبي الشفافة في التعامل مع الناس، وتأثروا به فإنهم أرسوا ميزان العدالة في الأرض فهذا عمر بن الخطاب أول ما ولي الخلافة يطلع على المنبر فيقف خطيبًا في القوم فيقول لهم: إن رأيتم فيّ إعوجاجًا فقوموني، فيقوم له رجل من الصحابة فيقول له: والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بحد السيف. ما غضب عمر، ولو كان حاكما في زماننا من دعاة الديمقراطية ومن دعاة العدالة ومن دعاة المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات ومن الذين يرفعون الشعارات في كل وطريق لو كان أحد هؤلاء فقال لهم: راع من رعاياهم قال لهم: لو رأينا فيك أعوجاجا لنصحناك قبل أن يقولوا لقومناه بحد سيوفنا لأعلنها حالة طوارئ واستنفار، وأقام الدنيا وأقعدها وكان مصير ذلك الذي يتكلم بكلمة الحق أن يزج به في السجون، لكن عمر وهو الذي تربى على يد النبي في مدرسة الإيمان ما غضب فقال: الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من يقومه بحد السيف ماذا تفسرون هذا؟ تفسيرًا دنونيًا؟ أتفسرونه تفسيرًا جاهليًا، علينا أن نفسره تفسيرا إسلاميا إنهم أناس ارتفعوا من ضحالة الدنيا ورجسها ووثنيتها، وعلموا أن الواجب عليهم أن يكونوا أطهارًا لأن الإسلام نقاهم من رجس الدنيا، نقاهم من قذارة الدنيا، أراد لهم الإسلام أن يعلوا فكانوا في السمو والعلياء أما الذين أرادوا لأنفسهم أن ينتكسوا في الوحل والطين فهؤلاء قد برء الإسلام منهم ولا يرتجى لهم الخير، ولا يرتجي منهم الخير وهكذا رفع الله سبحانه وتعالى بالإسلام وحده أقوامًا وأذل أقوامًا آخرين.
نموذج آخر عن صحابي جليل أبو بكر الصديق هذا الرجل الذي كان أول خليفة للمسلمين بعد النبي فإنه يقف أيضًا فيقول: (إني وليت عليكم ولست بخيركم) لله درك يا أبي بكر كنت خير رجل عرفته البشرية بعد محمد إلى هذه الدرجة من التواضع يقول: (إني وليت عليكم ولست بخيركم، إن أحسنت فأعينوني، وإن اسأت فقوموني) أخلاقيات الإسلام أخلاقيات لا إله إلا الله جعلتهم يتواضعون جعلتهم يقولون قولة الحق للناس ولا أجد فيما أعلم حاكمًا في هذا الزمان يقول للناس إن رأيتم فيّ أعوجاجًا فقوموني، أو يقول لهم: إن أسأت فقوموني، لا نجد حاكمًا يقول للناس أو يطلب منهم أن يقوموه، وبما يكونوا من الذين عدلوا عن منهجه، لكن بعد أن يقوم الناس بثورة عارمة بضغط من واقع المجتمع أو بضغط ثورة شعبية ربما تجدون هذا، أحسنهم ربما تجدوا واحدًا منهم يعدل على منهجه ويحسنها لكن من تلقاء نفسه أن يقوم فيقول للناس إن رأيتم فيّ اعوجاجًا فأقيموني أو إن أسأت فقوموني، هذا لا نجده إلا في صحابة رسول الله وهذا التاريخ كفيل لنا بأن يحدثنا عن نماذج كثيرة من تلك البطولات الرائعة ومن تلك القيم التي استمدوها من الإسلام، قيم العدالة التي أراد الله سبحانه وتعالى أن ترسى في الأرض، هذه النماذج سنستكمل الحديث عنها بعد أن نأخذ قسطًا من الراحة أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من دعاة العدالة الاجتماعية وأن يجعلنا من حملة لواء العدالة حتى نحرر البشرية مما هي فيه من رقة العبودية، عبودية الإنسان لأخيه الإنسان أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين الآخرين صلى الله عليه وعلى صحبه الطيبين الطاهرين ومن سلك سبيلهم ورسم خطاهم ونهج منهجهم وسار على دربهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الإسلام قد سجل لنا نماذح كثيرة من العدالة التي حققها الرعيل الأول صحابة النبي في كل ميدان من ميادين الحياة وفي كل مجال من مجالات الحياة الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو التشريعية.
هذه النماذج ينبغي أن نقف أمامها وقفة تأمل حتى نجد البون الشاسع بين أولئك الذين تشدقون بكلمات لا وجود لها في أرض الواقع وبين الصحابة رضوان الله عليهم الذين حققوا هذا الأمر في الواقع بحيث أنهم جعلوا من المثالية واقعًا وارتفعوا بالواقع إلى درجة المثال، ننقل نموذجًا ثالثًا بعد أن نقلنا نموذجين في الخطبة الأولى. أمامنا قضية تبدوا لأول وهلة أغريبة عند كل الناس، إنه ابن عمرو بن العاص حين كان عمرو بن العاص واليًا على مصر في عهد عمر بن الخطاب إن ولد عمرو بن العاص تسابق مع شاب قبطي فلما سبق هذا القبطي ابن الأمير، ابن عمرو بن العاص غضب ابن عمرو بن العاص وضربه بعصى كانت في يده فقال له: خذها مني وأنا ابن الأكرمين. فذهب القبطي يشتكي يقطع الفيافي والقفار والمسافات الشاسعة، من أين؟ من مصر إلى المدينة المنورة، لأجل ماذا ليشتكي عند الخليفة الزاهد الفاروق عمر الذي لا يظلم عنده أحد، وهنا لنا وقفة الأقباط قبل أن يأتي الإسلام كانوا يخضعون لسلطة الدولة الرومانية والرومان كانوا يذلون الأقباط ذلا شديدا، سبب إذلال الرومان للأقباط عائد إلى مسألة عقدية، فالرومان على المذهب الكاثوليكي والأقباط على المذهب الأرثوذكس، فالاختلاف في المذهبين دفع الرومان إلى أن ينكلوا بالأقباط وكانوا يعذبونهم بوحشية حتى أنهم كانوا يقتلون منهم في اليوم الواحد أعدادًا جمة كثيرة، فكان الأقباط يعدون من قتل منهم في معركتهم ضد الرومان شهيدًا، حتى أنك تجد اليوم في جنوب مدينة القاهرة كنيسة باسم جرجس أو يسموها ماري جرجس، كنيسة ماري جرجس، وكلمة ماري تهنى الشهيد جرجس، وهكذا لم يستطع أحد من الأقباط في ظل السلطة المسيحية سلطة الرومان أن يدفعوا عن أنفسهم ذلك الشر، ولا أن يشتكوا إلى أحد، فإلى من يشتكون يشتكون؟ إلى ظالم يظلمهم ولكن في الإسلام بضربة من رجل مسلم لقبطي إذا بذلك القبطي يسافر من مصر إلى المدينة المنورة ليشتكي عند أمير المؤمنين فما كان من عمر إلا أن استدعى عمرو بن العاص وولده الذي ضرب ذلك القبطي ثم أعطاه السوط والعصى وقال له: خذ حقك منه، اضرب ابن الأكرمين، فيضربه يأخذ حقه منه فيقول له ضعها على صلعة عمرو لأنه سكت عن هذا الأمر ولم يغضب لذلك القبطي ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلو اعدلوا هو أقرب للتقوى إن الله بما تعملون خبير ثم يقول عمر كلمة أصبحت خالدة في التاريخ فقال له: يا عمر متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا. إن هذه القضية لو كانت وقعت بين مسلم ومسلم أو عربي وعربي لقال كثير من الناس صحيح إنها عدالة، ولكنه أمر ليس مستغرب لأن الظالم مسلم والمظلوم مسلم، أو الظالم عربي والمظلوم عربي، ولكنها لم تكن من هذا النوع ولا من ذلك الشكل، إنما كانت بين رجل مسلم يظلم قبطيا كافرًا، رجلا مسيحيا لم يكن على دين الإسلام فما الذي دفع الحاكم وهو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن ينصف بينهما؟ وكذلك نقف أمام أبي بكر الصديق فإنه حين ولي الخلافة، فمن زهده وورعه وتقواه خشي أن يأكل من بيت مال المسلمين، لو أخذ شيئا من المال ليأكله ليتفرغ في تسيس شؤونه تجارة الدولة لما لامه أحد في ذلك، ولكن أبا بكر كان يعلم أن عظمة المسؤولية عظيمة عند الله عز وجل: يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم فإنه يخرج في أول يوم بويع للخلافة، يخرج ويحمل على كاهله بعضًا من الأقمشة لأنه كان يتاجر بالقماش، يحمل هذه الأقمشة فيخرج إلى سوق المدينة ففي بعض طرق المدينة يقابله عمر فيقول له: إلى أين يا خليفة رسول الله فيقول له إلى السوق لأبيع هذه الأقمشة حتى أتعيش بها أنا وعيالي. فيقول له: وتفعل ذلك وأنت خليفة المسلمين وأمير المؤمنين ارجع إلى أبي عبيدة فإنه أمين بيت المال فليخصص لك في السنة مبلغًا ينفعك أنت وعيالك لتتعيش به. فما كان من أبي بكر إلا أن ذهب مع عمر إلى أبي عبيدة أمين بيت مال المسلمين، في مصطلحنا اليوم وزير المالية فيقف أبو عبيدة يخاطب الخليفة فيقول له: نجعل لك نفقة أربعة آلاف (في اليوم، لا في الأسبوع، لا في الشهر لا) في السنة أربعة ألاف درهم لمن؟ لأمير المؤمنين وحكام اليوم يكنزون الملايين ليست من الريالات إنما من الدولارات الأمريكية، يأكلونها من عرق جبين الشعوب، وبعد ذلك يدّعون العدالة العدالة. أين العدالة يا هاضم حقوق الناس، لكن أبا بكر يستمع إلى وزير ماليته يخاطبه بهذا المفهوم فيقول له نخصص لك نفقة أنت وعيالك أربعة ألاف درهم في السنة، ونجعل لك كسوة في الشتاء وكسوة في الصيف فإن أبليت (إن أصبح كساءك باليًا) رددته إلى بيت مال المسلمين وصرفنا لك غيره فلست برجل أفضل من المهاجرين والأنصار ولا ننفق لك نفقة أفضل منهم، فيأخذها أبو بكر برحابة صدر وسعة، لماذا؟ لأنه علم أن أبا عبيدة في اختصاصه مسؤول أمام الله، وأن أبى بكر في مجاله مسؤول أمام الله، وكل رجل مسؤول أمام الله في مجال اختصاصه، لكن أبا بكر كان ورعا تقيا فأخذ أربعة ألاف في سنتين لأنه حكم سنتين فقط، وكنزها في بيته، ولم يأكل منها درهما وقد كان هو قبل أن يتولى السلطة كان من أغنى المهاجرين والأنصار، معلوم أنه غنيا في الجاهلية وبارك الله له أمواله حتى في الإسلام فبعد ذلك حين حضرته الوفاة قال لأولاده يوصيهم: رحم الله عمر فقد قلت له: إنه لا يصلح لي هذا المال، لا يصلح لي أن أكل أموال المسلمين. خذوا من مالي ثمانية ألاف درهم، وردوها إلى بيت مال المسلمين ثمانية ألاف درهم لأن ابن عبيدة صرف له أربعة ألاف في السنة الأولى أربعة ألاف درهم في السنة الثانية، وأبو بكر يأمر أن يرد إلى بيت مال المسلمين ثمانية ألاف، أتعب من بعده تعبًا شديدًا، نموذج آخر أختتم به حديثي هذا النموذج لخليفة زاهد هو الذي سمي خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز رحمه الله فإنه كان زاهدا وكان ورعا وكان شديد المحاسبة لنفسه، في كل ليلة إذا فرغ من تدبير شؤون المؤمنين يدخل على بناته يسلم عليهم قبل أن يخلو بنفسه، ما كان يخو بنفسه ليجلس مجالس اللهو واللعب ولا ليجلس على مائدة يعصى فيها الله عز وجل. إنما كان يتفرغ لنفسه يحاسب نفسه هل أنصف أم هل ظلم؟ هل كان عادلا أم كان جائرا؟ هل أنه أدى الواجب الذي عليه ويظل في ليلته يقسمه ثلاثة أقسام: ثلث يراجع نفسه فيما قضاه وحكمه بين الناس، وثلث يتعبد فيه الله، والثلث الآخر ينام فيه، وفي الصباح يهتم بشؤون المؤمنين يتفقد الرعية حتى لم يوجد عهده من سرق مالًا لأن الناس أصبحوا أغنياء، من كثرة العدالة، أصبح الناس أغنياء، ولم يجدوا فقيرا حينما جمعت له أموال الزكاة لم يجدوا فقيرا يدفعون إليه المال لأن الناس أعتنوا في زمانه وفاض المال بأيديهم بسبب العدالة ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون فإنه كان يدخل كما قلنا في كل ليلة قبل أن يخلو بنفسه على بناته ليسلم عليهن فدخل عليهن ذات ليلة بعد أن صلى صلاة العشاء، فلما أحست البنات بقدوم والدهن إذا بهن يضعن أيديهن على أفواههن فيقول عمر حاضنته ما بال البنات. تقول: إنهن لم يجدن شيئا يتعشين إلا عسلًا وبصلًا وكرهن أن تشم منهن الرائحة لأن رائحة البصل كريهة فكرهن أن يشتم أبوهم الرائحة إذا بعمر بن عبد العزيز يقول لبناته يقول: يا بناتي لا تفرحن أن يكن لكن الألوان المتعددة من الأطعمة ويؤمر بأبيكن يوم القيامة في النار، يرضيكن ذلك؟ فبكين حتى ارتفعت أصواتهن؟ وبكى عمر بن عبد العزيز ثم انصرف إلى هذه الدرجة من السموق والعلياء والرفعة سجلها هؤلاء الأوائل:
أولائك آبائي فجئن بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
فليس دعاة العدالة ودعاة الديمقراطية الذين يقولون إن من مبادئ الديمقراطية العدالة والمساواة بين الناس ليتهم يعلمون أن العدالة لن يجدوها إلا في كتاب الله وسنة رسوله، فمن أراد المزيد فليراع كتب التاريخ، ومن أراد أن يستنير فليراجع سيرة النبي وسيرة صحابته رضوان الله عليهم أولائك الذين وصفهم الله سبحانه وتعالى بقوله: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يأخذ بأيدينا إلى ما يحبه ويرضاه وأن يوفقنا للعمل الصالح الذي يرضيه وأن يجعلنا هداة مهتدين وأن يوفقنا لكل ما نَصْبو إليه إنه على كل شيء قدير فاللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم انصر الإسلام والمسلمين وأعز الإسلام والمسلمين واخذل الكفرة والمشركين والملحدين ولم شعثنا ووحد صفوفنا وخذ بأيدينا إلى كل خير ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا وكن معنا حيثما كنا يا رب العالمين، اللهم نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله ما علمنا منه وما لم نعلم، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا في الإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.