الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب
هيثم جواد الحداد
لندن
المنتدى الإسلامي
1-مضي عام يعني طوي سنة من أعمارنا. 2-ضرورة المحاسبة. 3-معنى المحاسبة. 4- أهمية محاسبة النفس. 5-فضل المحاسبة والآثار الواردة في ذلك. 6-كيفية المحاسبة. 7- نماذج من محاسبة السلف لأنفسهم. 8-التأريخ بالتأريخ الهجري دون الميلادي.
أما بعد:
فاتقوا الله أيها المسلمون حق التقوى، فالأعمار تطوى، والآجال تفنى.
قبل أيام ودعنا عامًا هجريًا وبدأنا عامًا آخر، انقضت صفحة من صفحات حياتنا، ولا ندري عما طويناها، هل سودناها بسوء أعمالنا، أم بيضناها بصالح قرباتنا.
المسلم الصالح يا عباد الله، تكون له وقفات دائمة مع نفسه ليحاسبها ويصحح مسيرته ويتدارك خطأه، لاسيما عند انقضاء مرحلة من مراحل عمره.
إن النفس سريعة التقلب، ميالة في كثير من الأحيان إلى الشر، كما قال الله تعالى عنها: إِنَّ ?لنَّفْسَ لامَّارَةٌ بِ?لسُّوء إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى [يوسف:53] .
ومن هنا كان لزامًا على كل عبدٍ يرجو لقاء ربّه أن يطيل محاسبته لنفسه، وأن يجلس معها جلسات طِوالًا؛ فينظر في كل صفحة من عمره مضت: ماذا أودع فيها.
قال أبو حامد الغزالي:"اعلم أن العبد كما (ينبغي أن) يكون له وقت في أوّل النهار يشارط فيه نفسه على سبيل التوصية بالحق، فينبغي أن يكون له في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كلّ سنة أو شهر أو يوم، حرصًا منهم على الدنيا، وخوفًا من أن يفوتهم منها ما لو فاتهم لكانت الخيرة لهم في فواته... فكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلق به خطر الشقاوة والسعادة أبد الآباد؟! ما هذه المساهلة إلا عن الغفلة والخذلان وقلة التوفيق نعوذ بالله من ذلك" [1] .
أولًا: معنى المحاسبة:
المحاسبة ياعباد الله كما قال الماوردي:"أن يتصفّح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن كان محمودًا أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذمومًا استدركه إن أمكن، وانتهى عن مثله في المستقبل" [2] يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ:"المحاسبة أن يميز العبد بين ماله وما عليه فيستصحب ما له ويؤدي ما عليه؛ لأنه مسافرٌ سَفَرَ من لا يعود" [3] .
وأما الحارث المحاسبي فقد عرّفها بقوله:"هي التثبّت في جميع الأحوال قبل الفعل والترك من العقد بالضمير، أو الفعل بالجارحة؛ حتى يتبيّن له ما يفعل وما يترك، فإن تبيّن له ما كره الله ـ عز وجل ـ جانبه بعقد ضمير قلبه، وكفّ جوارحه عمّا كرهه الله ـ عز وجل ـ ومَنَع نفسه من الإمساك عن ترك الفرض، وسارع إلى أدائه" [4] .
ثانيًا: أهمية محاسبة النفس:
أيها الإخوة المؤمنون: لمحاسبة النفس فوائد كثيرة متعدّدة:
1-فمنها أن غيابها نذير غرق الأمة في لجج من بحار الفساد والتيه المنتهية بنار وقودها الناس والحجارة، وأن الفساد في الدنيا إنما يكون ظاهرًا جليًا حينما لا يتوقع المجتمع أو الفرد حسابًا، لا يتوقع حسابًا من رب قاهر أو من ولي حاكم أو من مجتمع محكوم أو من نفس لوامة، وحينما لا يتوقع المجتمع والفرد حسابًا على تصرفاتهم فإنهم ينطلقون في حركاتهم كما يحبون ويموجون كما يشتهون وكما تهوى أنفسهم فيتقلبون على الحياة ودروبها بلا زمام ولا خطام فيتشبهون بأهل النار من حيث يشعرون أو لا يشعرون إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَابًا وَكَذَّبُواْ بِئَايَـ?تِنَا كِذَّابًا [النبأ:27-28] .
2-ومنها -يا عباد الله- الاطلاع على عيوب النفس ونقائصها ومثالبها، ومن اطلع على عيوب نفسه، أنزل نفسه المنزلة الحقيقة لا سيما إن جنحت إلى الكبر والتغطرس.وما من شك أنّ معرفة العبد قدر نفسه يورثه تذلّلًا لله وعبودية عظيمة لله عز وجل، فلا يمنّ بعمله مهما عظم، ولا يحتقر ذنبه مهما صغر. قال أبو الدرداء رضي الله عنه: (لا يفقه الرجل كلّ الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشدَّ مقتًا) [5] .
3-ومنها أيها الإخوة - أن يتعرّف على حق الله ـ تعالى ـ عليه وعظيم فضله ومنّه؛ وذلك عندما يقارن نعمة الله عليه وتفريطه في جنب الله، فيكون ذلك رادعًا له عن فعل كل مشين وقبيح؛ وعند ذلك يعلم أن النجاة لا تحصل إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، ويتيقّن أنه من حقّه ـ سبحانه ـ أن يطاع فلا يعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر.
4-من فوائد المحاسبة كذلك أنها تزكي النفس وتطهرها وتلزمها أمْر الله ـ تعالى ـ. قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـ?هَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـ?هَا [الشمس:9-10] . وقال مالك بن دينار:"رحم الله عبدًا قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألستِ صاحبة كذا؟ ثم ذمّها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله ـ عز وجل ـ فكان لها قائدًا" [6] .
5-أيها المؤمنون: المحاسبة تربّي عند الإنسان الضمير الحي داخل النفس، وتنمّي في الذات الشعور بالمسؤولية ووزن الأعمال والتصرّفات بميزان دقيق هو ميزان الشرع) [7] .
6-أيها المسلمون: استمعوا إلى ابن القيم ـ رحمه الله ـ وهو يحذر من إهمال محاسبة النفس فيقول:"أضرّ ما على المكلّف الإهمال وترك المحاسبة، والاسترسال، وتسهيل الأمور وتمشيتُها؛ فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذا حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب، ويمشّي الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب وأنسَ بها وعسر عليه فطامها" [8] .
والنفس كالطفل إن تهمله ش،ب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
فاحذر هواها وحاذر أن توليه إن إلهوى ما تولى يعم أو يصم
وراعها وهي في الأعمال سائمة وإن هي استحلت المرعى فلا تسم
كم حسنت لذة للمرء قاتلة من حيث لم يدر أن السم في الدسم
وخالف النفس والشيطان واعصهما وإن هما محضاك النصح فاتهم
أيها الإخوة: إذا كان أرباب الأعمال وأرباب الدنيا يجعلون المحاسبة والتدقيق والمراجعة من أهم مراحل العملية الإدارية، فبدون هذه المراحل تكون المنشأة عرضة لفشل محقق، فما بالكم بهذا الإنسان المسكين الضعيف الذي يقطع مراحل حياته ليلقى ربه، فإما فوز ونجاة، وإما خسارة وعذاب.
عباد الله: يا من تعيشون في هذه الديار التي علا فيها صوت الشيطان، وأجلب على أهلها بخيله ورجله، نحن في حاجة أكبر لمحاسبة النفس، المعاصي تغزونا حتى في دورنا وبين أهلينا، والغفلة رانت على قلوبنا، وطاعة الله بعيدة عنا.
ثالثًا: فضل المحاسبة والآثار الواردة في ذلك:
أيها المؤمنون: يقول الله تبارك وتعالى ـ: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18] . قال صاحب الظّلال:"وهو تعبير كذلك ذو ظلال وإيحاءات أوسع من ألفاظه، ومجرّد خطوره على القلب يفتح أمامه صفحة أعماله بل صفحة حياته، ويمدّ ببصره في سطورها كلّها يتأمّلها، وينظر رصيد حسابه بمفرداته وتفصيلاته لينظر ماذا قدّم لغده في هذه الصفحة. وهذا التأمّل كفيل بأن يوقظه إلى مواضع ضعف ومواضع نقص ومواضع تقصير مهما يكنْ قد أسلف من خير وبذل من جهد؛ فكيف إذا كان رصيده من الخير قليلًا ورصيده من البرّ ضئيلًا؟! إنها لمسةٌ لا ينام بعدها القلب أبدًا، ولا يكفّ عن النظر والتقليب" [9] .
قال الحسن البصري في تفسير قول الله عز وجل: وَلاَ أُقْسِمُ بِ?لنَّفْسِ ?للَّوَّامَةِ [القيامة:2] ."لا يُلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه: ماذا أردتُ بكلمتي؟ ماذا أردتُ بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قُدُمًا لا يعاتب نفسه" [10] .
ويقول الله ـ عزّ وجلّ ـ في وصف المؤمنين الذين يحاسبون أنفسهم عند الزلّة والتقصير ويرجعون عمّا كانوا عليه: إنَّ الَذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإذَا هُم مُّبْصِرُونَ [الأعراف:201] .
قال الفاروق عمر ـ رضي الله عنه ـ: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزيّنوا للعرض الأكبر يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيةٌ [الحاقة:18] ) [11] .
ويصف الحسن البصري المؤمن بقوله:"المؤمن قوّام على نفسه يحاسبها لله، وإنّما خفّ الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنّما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة" [12] . ويقول ميمون بن مهران:"إنه لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشدّ من محاسبة شريكه" [13] .
رابعًا: كيفية المحاسبة:
فإن قال قائل يا عباد الله: كيف تكون محاسبة النفس؟
فالجواب: محاسبة النفس لها طرائق متعددة، كل يجتهد في الطريقة الأنسب،وهنا نشير إشارات مختصرة.
بين بعض العلماء [14] أن المحاسبة تكون على نوعين:
النوع الأول: محاسبة قبل العمل، وهي: أن يقف عند أوّل همّه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبيّن له رجحانه على تركه.
قال الحسن:"كان أحدهم إذا أراد أن يتصدّق بصدقة تثبّت؛ فإن كانت لله أمضاها، وإن كانت لغيره توقّف" [15] . قيل لنافع بن جبير: ألا تشهد الجنازة؟ فقال:"كما أنت حتى أنوي، ففكر هنيهة، ثم قال: امض" [16] .
النوع الثاني من أنواع المحاسبة يا عباد الله: المحاسبة بعد العمل، وهي على أقسام ثلاثة:
أ- محاسبتُها على التقصير في الطاعات في حق الله ـ تعالى ـ وذلك يكون بأن يديم سؤال نفسه: هل أديتُ هذه الفريضة على الوجه الأكمل مخلصًا فيها لله ووفق ما جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فإن كان مقصّرًا ـ وأيّنا يسلم من ذلك؟ ـ فليسدّ الخلل بالنوافل فإنها تُرقّع النقص في الفريضة وتربي لدى العبد جانب العبادة، وبالمجاهدة وكثرة اللّوم يخفّ التقصير في الطاعات إلى درجة كبيرة.
ب - القسم الثاني من المحاسبة بعد العمل محاسبة النفس على معصية ارتكبتها: قال ابن القيم في ذلك:"وبداية المحاسبة أن تقايس بين نعمته - عز وجل - وجنايتك؛ فحينئذٍ يظهر لك التفاوت، وتعلم أنه ليس إلا عفوه ورحمتُه أو الهلاكُ والعطب."
وبهذه المقايسة تعلم أنّ الرّب ربّ والعبدَ عبد، ويتبيّن لك حقيقةُ النفس وصفاتُها وعظمةُ جلال الربوبّية وتفرّدُ الربّ بالكمال والإفضال، وأنّ كل نعمة منه فضل وكلّ نقمة منه عدل... فإذا قايست ظهر لك أنها منبع كلّ شرّ وأساس كلّ نقص وأنّ حدّها: [أنها] الجاهلةُ الظالمةُ، وأنّه لولا فضل الله ورحمتُه بتزكيته لها ما زكت أبدًا. ولولا إرشاده وتوفيقه لما كان لها وصولٌ إلى خير البتة؛ فهناك تقول حقًا: أبوء بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي" [17] ."
وبعد أن يحاسب نفسه هذه المحاسبة ويجلس معها هذه الجلسة المطوّلة فإنه ينتقل إلى الثمرة والنتيجة ألا وهي العمل على تكفير تلك المعصية، فيتدارك نفسه بالتوبة النصوح وبالاستغفار والحسنات الماحيةِ والمذهبة للسيئات. قال ـ سبحانه ـ: إِنَّ ?لْحَسَنَـ?تِ يُذْهِبْنَ ?لسَّيّئَـ?تِ ذ?لِكَ ذِكْرَى? لِلذكِرِينَ [هود: 114] .
فالبدارَ البدارَ يا عبد الله قبل أن يُختم لك بخاتمة سوء وأنت مُصِرّ على تلك المعصية ولم تتبْ منها. وتذكّر الحشرَ والنّشر وهوْلَ جهنّم وما أعدّه الله للعصاة والفسقة من الأغلال والحديد والزقوم والصديد في نارٍ قال فيها رسولنا صلى الله عليه وسلم: (( إن أهون أهل النار عذابًا رجل انتعل نعلين يغلي منهما دماغه ) ).
فبذلك السبيل وأشباهه من المحاسبة يكون المرء صادقًا في محاسبته نفسه على ارتكاب المعصية والذنب ـ ومن منّا يسلم من معاقرة الذنوب والخطايا؟! نسأل الله اللطف والتخفيف.
ج - محاسبتها على أمرٍ كان تركُه خيرًا من فعله، أو على أمرٍ مباح، ما سبب فعلِه له؟ فيُوجّه لنفسه أسئلة متكرّرة: لِمَ فعلتُ هذا الأمر؟ أليس الخير في تركه؟ وما الفائدة التي جنيتها منه؟ هل هذا العمل يزيد من حسناتي؟ ونحو ذلك من الأسئلة التي على هذه الشاكلة.
وأمّا المباح فينظر: هل أردت به وجه الله والدار الآخرة فيكون ذلك ربحًا لي؟ أو فعلتُه عادةً وتقليدًا بلا نيّةٍ صالحة ولا قصدٍ في المثوبة؛ فيكون فعلي له مضيعة للوقت على حساب ما هو أنفع وأنجح؟ ثم ينظر لنفسه بعد عمله لذلك المباح، فيلاحظ أثره على الطاعات الأخرى من تقليلها أو إضعاف روحها، أو كان له أثرٌ في قسوة القلب وزيادة الغفلة؛ فكلّ هذه الأسئلة غايةٌ في الأهمية حتى يسير العبد في طريقه إلى الله على بصيرة ونور.
أورد أبو نعيم بسنده عن الحسن قوله:"إنّ المؤمن يفجؤه الشيء ويعجبُه فيقول: واللهِ إنّي لأشتهيك، وإنّك لمن حاجتي؛ ولكن ـ واللهِ ـ ما من صلةٍ إليك، هيهات!! حيل بيني وبينك. ويفرط منه الشيء (يقع في الخطأ) فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردتُ إلى هذا، وما لي ولهذا؟ ما أردتُ إلى هذا، وما لي ولهذا؟ واللهِ ما لي عذرٌ بها، وواللهِ لا أعود لهذا أبدًا ـ إن شاء الله ـ."
إن المؤمنين قومٌ أوثقهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا حتى يلقى الله ـ عز وجل ـ يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره وفي لسانه وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كلّه" [18] ."
وبالجملة؛ فلا بُدّ للمسلم من دوام محاسبة النفس، ومعاتبتها وتذكيرها كلّما وقعت منها زلّة أو جنحت إلى حطام الدنيا الفاني.
خامسًا: نماذج من محاسبة السلف لأنفسهم:
أيها المؤمنون: سلفنا الصالح ضربوا أروع الأمثلة في محاسبة النفس، مما لو حاولنا أن نستقصيه لطال بنا المقام، ولعجزنا عن ذلك، لأن أولئك القوم ارتبطت قلوبهم بالله؛ فكانوا أجسادًا في الأرض وقلوبًا في السماء، وما إن يحصل من أحدهم تقصير أو زلّة إلا ويسارع في معالجة خطئه، ومعاقبة نفسه على ذلك؛ حتى لا تكاد تأمره نفسه إلا بخير.
عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعتُ عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يومًا وخرجت معه حتى دخل حائطًا فسمعتُه يقول ـ وبيني وبينه جدار ـ: (عمر!! أمير المؤمنين!! بخٍ بخٍ، واللهِ بُنَيّ الخطاب لتتقينّ الله أو ليعذبنّك) [19] .
وجاء رجل يشكو إلى عمر وهو مشغول فقال له: أَتَتْركون الخليفة حين يكون فارغًا حتى إذا شُغِل بأمر المسلمين أتيتموه؟ وضربه بالدرّة، فانصرف الرجل حزينًا، فتذكّر عمر أنه ظلمه، فدعا به وأعطاه الدرّة، وقال له: (اضربني كما ضربتُك) فأبى الرجل وقال: تركت حقي لله ولك. فقال عمر: (إما أن تتركه لله فقط، وإما أن تأخذ حقّك) فقال الرجل: تركته لله. فانصرف عمر إلى منزله فصلّى ركعتين ثم جلس يقول لنفسه: (يا بن الخطاب: كنتَ وضيعًا فرفعك الله، وضالًا فهداك الله، وضعيفًا فأعزّك الله، وجعلك خليفةً فأتى رجلٌ يستعين بك على دفع الظلم فظلمتَه؟!! ما تقول لربّك غدًا إذا أتيتَه؟ وظلّ يحاسب نفسَه حتى أشفق الناس عليه) [20] .
وقال إبراهيم التيمي:"مثّلتُ نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها، ثم مثّلتُ نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس أيّ شيء تريدين؟ فقالت: أريد أن أُردّ إلى الدنيا فأعمل صالحًا! قلتُ: فأنتِ في الأمنية فاعملي" [21] .
وحكى صاحب للأحنف بن قيس قال: كنتُ أصحبُه فكان عامةُ صلاته بالليل، وكان يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه حتى يحسّ بالنّار ثم يقول لنفسه: (يا حنيف! ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعتَ يومَ كذا؟) [22] .
ونُقِل عن توبة بن الصّمة: (أنه جلس يومًا ليحاسب نفسَه فعدّ عمره فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيّامها فإذا هي واحدٌ وعشرون ألفًا وخمسمائة يوم؛ فصرخ وقال: يا ويلتى! ألقى الملك بواحدٍ وعشرين ألف ذنب! فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب؟!!) [23] .
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب إنه غفور رحيم.
[1] الإحياء: 4/588
[2] أدب الدنيا والدين (342) [نقلًا عن موسوعة نضرة النعيم، 8/ 3317] .
[3] مدارج السالكين، 1/187.
[4] التربية الذاتية من الكتاب والسنة لهاشم علي أحمد (97) .
[5] الزهد للإمام أحمد (196) .
[6] إغاثة اللهفان لابن القيم (79) .
[7] التربية الذاتية (98) .
[8] إغاثة اللهفان، (82) .
[9] في ظلال القرآن، لسيد قطب، 6/3531.
[10] تفسير البغوي، 4/421، والزهد للإمام أحمد (396) .
[11] حلية الأولياء لأبي نعيم، 2/157.
[12] يراجع من المقال في مجلة البيان.
[13] الزهد لوكيع بن الجرّاح تحقيق الفريوائي (501) .
[14] وهو الغزالي ـ رحمه الله ـ
[15] مقاصد المكلفين فيما يتعبّد به لربّ العالمين، للدكتور عمر الأشقر (429) (بتصرّف) .
[16] جامع العلوم والحكم شرح الحديث الأول.
[17] مدارج السالكين 1/188.
[18] حلية الأولياء 2/157، وذم الهوى (40) .
[19] الزهد للإمام أحمد (171) .
[20] مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ لابن الجوزي، 171.
[21] الزهد للإمام أحمد، 501.
[22] الزهد للإمام أحمد، 336، وذم الهوى، 41.
[23] وتمام القصة ثم خرّ فإذا هو ميّت!! فسمعوا قائلًا يقول: يا لكِ ركضةٌ إلى الفردوس الأعلى. الإحياء،4/58، والقصة مذكورة في صفة الصفوة لابن الجوزي 4/196.
الحمد لله الواصل الحمد بالنعم، والنعم بالشكر، نحمده على آلائه كما نحمده على بلائه، ونستعين به على نفوسنا الأمارة بالسوء، ونستغفره مما أحاط به علمه وأحصاه كتابه علم غير قاصر وكتاب غير مغادر، خلق الإنسان وبصّره بما في الحياة من خير وشر إِنَّا هَدَيْنَـ?هُ ?لسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان:3] .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق كل شيء فقدره تقديرا ً. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ ?تَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ?لسَّاعَةِ شَىْء عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ?لنَّاسَ سُكَـ?رَى? وَمَا هُم بِسُكَـ?رَى? وَلَـ?كِنَّ عَذَابَ ?للَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1-2] .
الأمر جد خطير، أيها المؤمنون، استمعوا إلى هذا الحديث: عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّه،ِ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَد ) ) [1] .
أيها المؤمنون إلى متى نسبح في بحار الغفلة، ونسير مع رياح الهوى، أليس وراءنا حسابًا، أليس وراء الحساب عذاب؟
وباختصار نقول يا عباد الله، ليعاهد كل منا نفسه أن يكون له في كل يوم قبل نومه لحظة حساب، فإن لم يكن ففي شهره، فإن لم يكن ففي سنته، وليس وراء ذلك خوف ولا خير.
ثم هجرة نبينا صلى الله عليه وسلم تذكرنا بأمر هام إلا وهو التأريخ الهجري، هل تعلمون يا عباد الله أن كثيرًا من المسلمين لا يعلمون في أي سنة هجرية نحن، بل إن كثيرًا منهم لا يعرفون في أي شهر عربي إسلامي نحن؟
إن لكل أمة تأريخًا يعتزون به، اليهود يعتزون بدينهم، والصينيون لهم تاريخ، والأقباط لهم تاريخ، كل يعتز بتاريخه ويحافظ عليه، إلا أمة الإسلام، تهاونت في تاريخها، وما ذلك إلا مظهر من مظاهر انسلاخها من دينها وتاريخها، وهو نتاج طبيعي للهزيمة النفسية التي سيطرت على المسلمين أفراد وجماعات.
إن اعتماد التاريخ الهجري والعمل به التزام من هذه الأمة بدينها، وربط لأجيال الأمة بتاريخها المجيد، وإحياء لشعيرة التميز الذي ميزت به هذه الأمة كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] . (( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) ).
إن نسيان هذا التاريخ يعني ذوبان هوية هذه الأمة، وطغيان الهوية الغربية النصرانية عليها، إنه تشبه بالضالين، ولذا نص العلماء على منعه.
إننا وإن ابتلينا بهذا التاريخ النصراني، وارتبطت به كثير من مصالحهم، فلا أقل من أن نلتزم بذكر هذا التاريخ في حياتنا اليومية، وأن نبدأ به مراسلاتنا ومواعيدنا، وأن نعلمه أبناءنا وبناتنا ونذكر به زوجاتنا، بل نتذاكر به جميعًا.
أيها الإخوة: التاريخ الهجري هو تاريخ المسلمين المعتمد الذي انعقد الإجماع على العمل به، وهو من شعائر أهل الإسلام، والرغبة عنه إلى غيره من تواريخ الشرق أو الغرب خروج عن الإجماع، وإظهار شعار من شعائر الكفار واستغناء به ومشاركة في طمس الهوية الإسلامية. ولا يمكن أن تستقيم عبادات هذه الأمة التي أمرها بها خالقها إلا بالتاريخ الهجري. فعبادات هذه الأمة مرتبطة بهذا التاريخ وغيره لا يصلح لنا.
أيها المؤمنون: إننا ندعو الدول الإسلامية والهيئات الإسلامية والأفراد جميعًا - إن كانوا صادقين في تشرفهم بهذا الدين - أن يلتزموا التاريخ الهجري تاريخًا أصليًا، ولا مانع من ذكر الموافق له من التاريخ النصراني الذي ابتلينا به لتسيير أمورنا، حتى يأتي الله بفتح من عنده.
أيها المؤمنون: من اللطائف أيضًا أن نذكر التاريخ الهجري دون تعقيب بقولنا للهجرة النبوية، لأنه الأصل فلا داعي للتعريف به، وإذا ذكرنا التاريخ الميلادي نقيده بقولنا للميلاد أو نحوها لأنه أمر طارئ يحتاج إلى بيان.
عباد الله: نعم نحن هذه الأيام نستقبل عامًا جديدًا إسلاميًا هجريًا، ليس من السنّة أن نحدث عيدًا لدخوله أو نعتاد التهاني ببلوغه، أو أن نحتفل به، أو نحتفل بمهاجر النبي صلى الله عليه وسلم زاعمين حبه، فليس الغبطة بكثرة السنين وإنما الغبطة بما أمضاه العبد منها في طاعة مولاه، فكثرة السنين خير لمن أمضاها في طاعة ربه، شر لمن أمضاها في معصية الله والتمرد على طاعته وشر الناس من طال عمره وساء عمله.
ها قد أهلّ على الوجودِ (مُحَرّمُ) فالكونُ يزهو والحياةُ تبسّمُ
ترنو إلى ركبِ النبي وقد مضى تَبْكيه مكةُ والمَقَامُ وزمزمُ
عوّدتُ نفسي الاحتفالَ بهجرةِ الْـ هادي الْبشيرِ، وعطرَها أتنسّمُ
لكنْ على الوجهِ الذي أبصرتُه عن حبِ خير المرسلين يُترجِمُ
فاخترتُ من شعرِ المديحِ قصيدةً أنشدتُها ووجدتُني أترنّمُ
وحَسِبتُ أني قد بلغْتُ ذرا التقى بل ليس مثلي في المحبة مسلمُ!!
وإذا بأعماقي دويّ صارخٌ يا غافلًا حتّى متى تتَوهّمُ!!
حتى متى والقولُ قد زخرفْتَهُ والفعلُ يفضحُ ما تقولُ وتزعُمُ
لمّا عَجزْتَ عن اتباعِ (محمدٍ) أَقنعْتَ نفسَكَ بالكلامِ، ودُمْتمو!
ماذا اقترفتُ لكي تراني واهمًا أَلأَنّنِي بهوى النّبيِ مُتيّمُ؟!
إني أرى حبّ النبي عبادةً ينجو بها يومَ الحسابِ المسلمُ
فأجابني: حبّ النبِي عبادةٌ فرضٌ على كل العبادِ محتّمُ
لكنْ إذا سَلَكَ المحبّ سبيلَهُ متأسّيًا وَلهدْيِهِ يَتَرَسّمُ
هل ضيّعَ الإسلامَ إلا قائلٌ أفعالُهُ تنفي المقالَ، وَتْهدِمُ؟
فالقدسُ ضاعت من كلامٍ دونما فعلٍ يؤيد قولهم، ويُتَرْجِمُ
والطفلُ ملّ من الكلامِ؛ وليتهم يدَعُونه يرمي اليهودَ، ويَرْجُمُ
والعدلُ ملّ من الكلامِ؛ وقد رأى مَنْ يَدّعي عدلًا يجورُ، ويَظْلِمُ
والطهرُ ملّ من الكلامِ؛ وطالما زعمَ الطهارةَ داعرٌ لا يرحمُ
حتى البطولةُ أَعْلنتْ إضرابَها لما ادّعاها من يَخافُ، ويُحْجمُ
فَصَرخْتُ:كُفّ القولَ؛ قد أَخْجَلْتَنِي وكلامُك الحقّ الذي لا يُكْتَمُ
[1] رواه الترمذي