أهمية التوحيد
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
أما بعد:
فقد بينا فيما مضى طرفًا من معاني الإيمان بالله تعالى وشيئًا من موضوعات هذا الإيمان ودارت أحاديثنا حول أربع دعائم هي العلم والعمل والتوحيد والجهاد. ونبدأ منذ اليوم إن شاء الله تعالى في بيان طرف آخر من موضوعات الإيمان بالله تعالى وهو جانب السلب والنفي والضد والنقيض فالإيمان ضده الكفر والتوحيد ضده الشرك فكما أنك تؤمن بالله تعالى فيجب عليك أن تكفر بالطاغوت، وسيدنا رسول الله لما عرف الإيمان في حديث جبريل بدأ ذلك بقوله: (( أن تؤمن بالله ) ). [1]
وفي حديث وفد عبد القيس فصل التعريف فقال: (( أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا ) ) [2] فالإيمان بالله الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له لا يفسده شيء مثل الشرك ولذلك أكد النبي على معنى الإيمان بنفي الشرك فلا إيمان ولا عبادة مع الشرك وقال في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: (( أتدري يا معاذ ما حق الله على عباده قال معاذ: قلت: الله ورسوله أعلم. فقال: حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، أتدري يا معاذ ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ألا يعذبهم ) ) [3] .
هنا في حق الله تعالى الذي هو عبادته وحده لا شريك له وتوحيده في هذه العبادة ينبئ هذا على انكشاف علمين للعبد؛ علم الربوبية وعلم الألوهية، ففي علم الربوبية إذا انكشف للعبد مشهد ربوبية الخالق العظيم سبحانه وتعالى فرأى بنور قلبه وبصيرته تدبير الرب سبحانه للخلق وقيامه على كل شيء فهو الخالق وهو المالك لكل شيء، وشهد سر قوله:"كن فيكون".
إذا انكشف للعبد هذا المشهد وحد الله تعالى في الاستعانة به والتوكل عليه والتسليم والتفويض له إذ رأى بنور قلبه ونور بصيرته أنه سبحانه هو النافع الضار المعطي المانع الذي يقلب الليل والنهار ويدبر الكون ويربي الخلق، وفي علم الألوهية إذا انكشف للعبد أن الله تعالى هو الإله الحق الذي يستحق العبادة لذاته والذي تألهه القلوب وترغب إليه وتفزع إليه عند الشدائد وكل ما سواه هو مقهور له تعالى مفتقر إليه تعالى، مقهور له بالعبودية له فلا يصلح أن يكون إلهًا بل الإله الحق هو الله سبحانه وتعالى الذي لا إله إلا هو الذي له الأمر كما له الخلق.
إذا رأى العبد بنور قلبه ونور بصيرته سر تلك الكلمات الشرعيات كما رأى سر تلك الكلمات الكونيات وحد الله تعالى في الألوهية كما وحده في الربوبية.
فالتوحيد بالأمر والنهي، والتوحيد بالمحبة والخوف والرجاء يكون عن كشف علم الألوهية، والتوحيد في الاتكال والتسليم والتفويض والاستعانة يكون عن كشف علم الربوبية، والمؤمن الموفق هو الذي رزق كلا المقامين ووقف على كلا المشهدين فلم يشغله مشهد الربوبية عن مشهد الألوهية، المؤمن الحق هو الذي جمع بين الأصلين أصل إياك نعبد وأصل إياك نستعين [الفاتحة:5] .ففي (إياك نعبد) سر الألوهية وفي (إياك نستعين) سر الربوبية ولا يصح في العقول أن تستعين به تعالى ولا تعبده ولا يمكن أن تعبده ولا تستعين به، والمخلوق كلما أراد تذللًا لله تعالى وخضوعًا له وانقيادًا لأمره أي كلما ازداد العبد عبودية لله تعالى عظمت درجته عنده سبحانه وارتقى عنده في سلم الكمال بخلاف المخلوقين، فإنك كلما ازددت خضوعًا لهم واحتياجًا إليهم نقصت درجتك وقل مقامك عندهم، فالعزيز المكرم عندهم هو الذي استغنى عنهم والذليل المهان عندهم هو الذي احتاج إليهم وإكرام الناس لك، وحبهم إياك إنما هو بما يحصل منك أو بسببك من نفع لهم فلو لم يكن منك ولا بسببك نفع لهم ما أحبوك ولا أكرموك فعبودية المخلوق للمخلوق عبودية متبادلة فالمخلوق آمرًا أو مأمورًا سيدًا أو مسودًا مالكًا أو مملوكًا كل منهم عبد للآخر بقدر احتياجه إليه وافتقاره له، فإذا ذهب الاحتياج وانتفى الافتقار انقطعت المحبة بين المخلوقين، أما الإله الحق المعبود الحق سبحانه وتعالى، فافتقارك أيها العبد إليه واحتياجك له دائم لا ينقطع فلا صلاح لقلبك ولا لروحك إلا به سبحانه وتعالى فهو الله الذي لا إله إلا هو وروحك لا تطمئن إلا بذكره سبحانه وهى كادحة إليه كدحًا فملاقيته فلابد لروحك من لقائه ولا تصلح إلا بلقائه ولا تستغني أيها العبد عن إلهك سبحانه في كل حال وفي كل وقت فهو معك أينما كنت وكيفما كنت لا تغيب عنه ولا يغيب عنك فهو الدائم الباقي الحي القيوم سبحانه وتعالى، وأما ما سواه فلا يستحق العبادة والألوهية لأنه ليس دائمًا ولا باقيًا ولا حيًا ولا قيامًا ألم تر إلى قول إبراهيم أبي الأنبياء عليه الصلاة والسلام: لا أحب الآفلين [الأنعام:76] . وذلك في مشهد قومه الذين كانوا يعبدون الكواكب الشمس والقمر والنجوم فانتظر حتى غاب القمر وأفل فقال:"لا أحب الآفلين"فذلك الذي يزعمون أنه إلههم ليس دائمًا ولا باقيًا معهم بدليل أفوله والذي يأفل وينقطع وينتهي لا يستحق أن يكون إلهًا معبودًا.
فسر التوحيد أيها المؤمن هو أن تكون كلك لله تعالى، لأنك خلقت له فلا يكن شيء منك لغيره مساويًا له سبحانه وتعالى، حبك لله وحبك لغيره إذا تساويا أشركت وخوفك من الله وخوفك من غيره إذا تساويا أشركت ورجاؤك في الله ورجاؤك في غيره إذا تساويا أشركت، أنت إنما خلقت لله فلا تعبد إلا الله والله هو الذي خلقك فلا تستعن إلا بالله فإذا عبدت الله وعبدت معه غيره أشركت وإذا استعنت بالله واستعنت معه بغيره أشركت، ذاك هو مقام التوحيد وهذه هي حفرة الشرك، فتحقيق الإيمان أيها المؤمن أن تقف في مقام التوحيد وتسلم من حفرة الشرك، روي في الحديث القدسي أن الله تعالى قال: (( يا بن آدم خلقت كل شيء لك وخلقتك لي فبحقي عليك ألا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له ) ).
فالنعم التي أنعم الله بها عليك أيها العبد خلقها لك فلا تشغلك هذه النعم التي خلقت لك عما خلقت أنت له، وهو عبادته سبحانه وتعالى وانظر كيف يكون حالك وانظر كيف يكون هذا الظلم الذي وقعت فيه إذا اشتغلت بالنعم التي خلقها الله لك عن العبادة التي خلقك الله من أجلها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطمعون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين [الذاريات:56-58] .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه البخاري في صحيحه في الإيمان باب سؤال جبريل النبي عن الإيمان والإسلام والإحسان (1/27) من حديث أبي هريرة.
[2] أخرجه البخاري في صحيحه في العلم ، باب تحريض النبي (1/45) رقم (87) .
[3] أخرجه البخاري في صحيحه في الجهاد باب اسم الفرس والحمار (3/1049) .
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ويعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئًا.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون [آل عمران:102] يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا [الأحزاب:70-71] .
ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [الأحزاب: 56] اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين عليّ وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.