التوحيد
الألوهية
إبراهيم بن محمد أحمد عبد الكريم
صنعاء
العميري
1-الغاية من خلق الثقلين. 2- الرزق مقدر ومضمون. 3- سر الزهد في الدنيا. 4- وجوب الأخذ بالأسباب. 5- معنى العبادة. 6- شرطا العبادة. 7- تعاهد النية وتحسينها. 8- جمع النيات في العمل الواحد.
أما بعد:
فأوصي نفسي المقصرة وإياكم بتقوى الله سبحانه، ثم أما بعد:
فيقول المولى جل في علاه: وَمَا خَلَقْتُ ?لْجِنَّ وَ?لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لرَّزَّاقُ ذُو ?لْقُوَّةِ ?لْمَتِينُ [الذاريات:56-58] .
ويقول سبحانه وتعالى: تَبَارَكَ ?لَّذِى بِيَدِهِ ?لْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى? كُلّ شَىْء قَدِيرٌ ?لَّذِى خَلَقَ ?لْمَوْتَ وَ?لْحَيَو?ةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ ?لْعَزِيزُ ?لْغَفُورُ [الملك:1-2] . وأخرج الترمذي في جامعه عن النبي أنه قال: (( بادروا بالأعمال سبعا: هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا منبذًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر ) )، وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن النبي أنه قال: (( بادروا بالأعمال الصالحة، فستكون فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا ) ).
إخوة الإسلام وأحباب الحبيب المصطفى محمد:
لم خلقنا يا عباد الله؟ ولم أوجدنا في هذه الحياة؟ وما الهدف والغاية من وجودنا؟! هل خلقنا لنأكل ونشرب ونلبس، أم وجدنا لنجمع الأموال الوفيرة والكنوز والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث؟!!! أم الهدف والغاية من وجودنا وخلقنا أن نتمتع بزخرف هذه الحياة وزينتها؟؟!
لا والله يا عباد الله، ما خلقنا في هذه الدنيا عبثًا، ولم نترك فيها سدى أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـ?كُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَـ?لَى ?للَّهُ ?لْمَلِكُ ?لْحَقُّ لاَ إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ?لْعَرْشِ ?لْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116] . لقد خلقنا - يا عباد الله - لمهمة عظيمة وغاية جليلة ألا وهي توحيده جل في علاه، وإفراده بالعبادة سبحانه وتعالى: وَمَا خَلَقْتُ ?لْجِنَّ وَ?لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لرَّزَّاقُ ذُو ?لْقُوَّةِ ?لْمَتِينُ [الذاريات:56-58] .
إخوة الإسلام:
إن قضية الرزق والتي أخذت مساحة شاسعة من أوقاتنا وجهدنا وتفكيرنا قد ضمنها الله وتكفل بها لجميع خلقه، فاسمع يا أيها العبد الموحد لربك وخالقك ومولاك إلى قول الحق سبحانه وتعالى وهو يقول: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ?لأرْضِ إِلاَّ عَلَى ?للَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ [هود:6] . واسمع إلى قول الله سبحانه وتعالى وهو يقول: وَفِى ?لسَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبّ ?لسَّمَاء وَ?لأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ [الذاريات:22-23] . ويقول الصادق المصدوق محمد: (( إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ) )، ويقول أيضًا كما في حديث ابن مسعود وأرضاه: (( إن الملك عندما ينفخ الروح يؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ) ).
لقد تكفل الله سبحانه وتعالى بالرزق للحيوانات والهوام والدواب والسباع فكيف بك يا ابن آدم، يا من فضلك الله على سائر مخلوقاته، رأى رجل عصفورًا يطير من شجرة إلى شجرة وبفمه لحمة ينقلها إلى أعلى نخلة، فصعد الرجل إلى أعلى النخلة لكي يعرف سر هذا العصفور، فإذا به يجد في أعلى النخلة حية عمياء كبيرة، فكان إذا اقترب منها العصور وشوش لها فتحت فاها وألقى فيه العصفور قطعة اللحم [1] . فسبحان من سخر هذا العصفور لتلك الحية، وسبحان من دل تلك الحية على رزقها.
وخرج نبي الله سليمان عليه السلام ليستسقي بقومه في سنة مجدبة، وقد علم الله نبيه سليمان منطق الطير، فكان يكلم الحيوانات والهوام، وفي طريقه للاستسقاء رأى نملة قد استلقت على ظهرها ورفعت رجلها ويداها إلى السماء، فقال لها نبي الله سليمان: لماذا فعلت ذلك؟ قالت: أستسقي الله أن ينزل المطر، فرجع نبي الله سليمان عليه السلام إلى قومه وقال لهم: عودوا فقد سقيتم بدعاء غيركم.
وذكر أن نبي الله سليمان أراد أن يتولى رزق بعض المخلوقات، ولكن المولى سبحانه وتعالى أعلمه أنه لن يستطيع ذلك، فقال نبي الله سليمان: يا رب ولو رزق نملة؟ فقال المولى له: لك ما شئت، فأخذ نبي الله سليمان نملة، ووضعها في زجاجة، وقال لها: كم تأكلين في العام؟ قالت: آكل حبتين من القمح، فوضع لها نبي الله سليمان حبتين من القمح، ومضى عام كامل، فنظر إليها فوجدها قد أكلت حبة واحدة من القمح وأبقت على الأخرى، فقال لها: أيتها النملة ألم تخبريني أنك تأكلين في كل عام حبتين من القمح؟! فلماذا أكلت حبة واحدة؟ فقالت النملة: يا نبي الله سليمان، كنت آكل حبتين من القمح وأنا متيقنة وواثقة بإن الله الرازق سيبعث إليّ بغيرها، لكنني لما علمت أنك الذي توليت أمر رزقي خفت أن تنساني فأكلت حبة وادخرت الحبة الأخرى للعام القادم.
إن هذه النملة يا عباد الله أفقه من كثير من البشر الذين طغت المادة عليهم حتى ضاعت ثقتهم بخالقهم ورازقهم ومولاهم، ونسوا أن الرازق هو الله.
انظر يا عبد الله إلى البيضة حين تنفصل عن الدجاجة، فمن البياض يخلق الله سبحانه وتعالى الفرخ، وبالمح الذي هو الصفار يتغذى هذا الفرخ حتى يخرج من البيض، فانظر كيف هيأ الله لهذا الفرخ زاده قبل أن يوجد.
وأعجب من هذا كله بيضة الغراب إذا انفقأت خرج الفرخ أبيض اللون والأم سوداء، فتخاف الأم من فرخها وتنفر منه لمباينة اللون، فيبقى فرخ الغراب الأبيض الأعمى فاتحًا فمه، والقدر يسوق إلى فيه الذباب والهوام فيتغذى بها حتى يسود لونه فتعود إليه أمه.
فيا عجبًا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
سئل الحسن البصري رحمه الله عن سر زهده في الدنيا، فقال أربعة أشياء:
1-علمت أن رزقي لا يأخذه غيري فاطمأنّ قلبي.
2-وعلمت أن عملي لا يقوم به غيري فاشتغلت به وحدي.
3-وعلمت أن الله مطلع عليّ فاستحييت أن يراني على معصية.
4-وعلمت أن الموت ينتظرني فأعددت الزاد للقاء ربي.
فعجبًا لك يا ابن آدم كيف تجتهد في أمر مضمون قد ضمنه الله لك، ولا تجتهد في أمر خطير وموقف عظيم ومصير مجهول إما إلى نار وإما إلى جنة.
ولا يعني هذا عباد الله أن تترك العمل في طلب الرزق، وتتفرغ لعبادة الله، لا، فالإسلام يدعوك للعمل ويدعوك للسعي في مناكب الأرض والأخذ بالأسباب لتحصيل الرزق الحلال.
ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع تساقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزها جنته ولكن كل شيء له سبب
ولكن إياك - يا عبد الله - أن تجرفك زهرة هذه الحياة وتنسيك ما خلقت لأجله.
أما والله لو علم الأنام لما خلقوا لما هجعوا وناموا
ممات ثم حشر ثم نشر وأهوال وأحوال جسام
ليوم الحشر قد عملت أناس فصلوا من مخافته وصاموا
ونحن إذا أمرنا أو نهينا كأهل الكهف أيقاظ نيام
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: مَّنْ عَمِلَ صَـ?لِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـ?مٍ لّلْعَبِيدِ [فصلت:46] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] ذكر هذه القصة ابن الجوزي
أما بعد:
فقد علمنا أن الهدف والغاية من وجودنا في هذه الحياة هو عبادة الله عز وجل، والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
وإذا علم هذا فليعلم أن أي عبادة لا يكتب لها القبول ولا ترتفع إلى السماء إلا وهي مختومة بخاتم لا إله إلا الله محمد رسول الله ، أي أنه لا بد من توفر شرطين أساسيين في أي عبادة أو عمل لكي يقبل:
الشرط الأول: أن يكون هذا العمل خالصًا لوجه الله عز وجل، غير مشوب برياء ولا سمعة ولا شرك، فالله سبحانه وتعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغي به وجهه: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ?للَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ?لدّينَ حُنَفَاء [البينة:5] .
والشرط الثاني: أن يكون هذا العمل موافقًا لما جاء به محمد بن عبد الله ، يقول: (( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) )أي مردود على صاحبه، وفي الأثر الإلهي يقول الرب سبحانه: (( لو جاؤوني من كل طريق واستفتحوا عليّ من كل باب ما فتحت لهم حتى يأتوا خلفك يا محمد ) ). ويقول سبحانه وتعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـ?لِحًا - أي موافقًا لهدي الرسول - وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا الكهف:110].
ومن فقه العبادة أن ينوي العبد لكل عمل نية، فلا يعمل عملًا إلا بنية، فإن النية الصالحة ترفع الأعمال المباحة إلى درجة الطاعة والعبادة، إذا أخلص العبد النية فيأكل الإنسان ويشرب وهو ينوي بالأكل والشراب أن يتقوى على طاعة الله، وينام الإنسان وهو ينوي أن يتقوى بهذا النوم على عبادة الله عز وجل، ويجامع الإنسان زوجته ويقضي شهوته ووطره وهو ينوي أن يحصن فرجه عن الحرام، يقول: (( وفي بضع أحدكم صدقة ) )، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته فيكون له بذلك أجر؟ فقال: (( أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ ) )، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: (( فكذلك إن وضعها في الحلال يكون له أجر ) ).
وهكذا يا عباد الله فإن النية الصالحة تحول العادة إلى عبادة وطاعة، ولذلك قال بعض السلف: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.
ومن فقه العبادة أيضًا: أن يجمع العبد في العمل الواحد نيات كثيرة صالحة.
يقول: (( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ) )فلو أراد العبد أن يذهب إلى صلاة الجمعة مثلًا فليَنوِ أنه يريد أن يؤدي فرضًا من فرائض الله، وأن يستمع إلى الخطبة ويعمل بما فيها من علم ونصح، وأن يلتقي بإخوانه المسلمين ويسلم عليهم، وأن يقيم ذكر الله عز وجل في المسجد، وأن ينظف المسجد، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإن الله عز وجل يثيبه على هذه الأعمال جميعًا.
ولو طرق الباب طارق فقبل أن تفتح الباب انوِ في قلبك أنه لو كان سائلًا أعطيته، ولو كان جائعًا أطعمته، ولو كان جارًا أو قريبًا قضيت حاجته، فلو فتحت الباب ولم تجد أحدًا كتب الله لك أجور هذه الأعمال جميعًا ولذلك قيل: تجارة النيات تجارة العلماء.
فتقربوا رحمكم الله إلى ربكم بالأعمال الصالحة، وراقبوه تبارك وتعالى في السر والعلانية، طهروا قلوبكم، وزنوا نفوسكم، فلا ينفع عند الله عز وجل إلا التقوى والعمل الصالح.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يصلحني وإياكم ظاهرًا وباطنًا، سرًا وعلانية، وأن يجعلنا من المتقين المهتدين، الذين سلك بهم صراطه المستقيم، وهداهم إلى البر العميم والأجر العظيم.
يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، وكن كما شئت فكما تدين تدان.