العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة
جرائم وحوادث, قضايا دعوية
صالح بن عبد الله الهذلول
غير محدد
غير محدد
1-نعمة الأمن. 2- ظاهرة الغلو في نوع من الشباب المسلم المتدين. 3- تفسير هذه الظاهرة. 4- كيف استغل أعداء الدين هذه الفئة من الشباب. 5- أبرز النتائج المتوقعة لتلك المراهقات الفكرية. 6- الدعوة إلى الله وظيفة الرسل.
أما بعد: فإن نعمة الأمن ضرورة بشرية ومطلب فطري ومصلحة للأفراد والأمم، ولا تقوم حضارة ولا تزدهر حياة إلا به، ومن أجل هذا أمر الشارع الحكيم بنصب الولاة والقضاة لإقامة العدل وتحقيق الأمن، وشرع الحدود لتحقيق هذا المقصد العظيم، ونصوص الشرع من كتاب وسنة متضافرة ومتكاثرة على تقرير هذه الحقيقة.
قال الله تعالى ممتنًا على قريش بنعمة الأمن: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: 3، 4] ، وقال النبي مبينًا هذه النعمة: (( من أصبح آمنًا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا ) )رواه الترمذي. وسمي حد الحرابة بذلك الاسم لأن أهله هتكوا الأمن الذي أمر الله ورسوله بإقامته، فكانوا محاربين لله ورسوله فيما قصده الشرع وهو الأمن والأمان لكافة العباد.
عباد الله، الغلو في الدين وفهم نصوص دون أخرى وتغليبها على غيرها وحصر الدين وقصره عليها، كل هذه داخلة في السبل التي حذر النبي الأمة من نهجها، في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خط رسول الله خطًا بيده، ثم قال: (( هذا سبيل الله مستقيمًا ) )، ثم خط عن يمينه وشماله، ثم قال: (( هذه السبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ) )، ثم قرأ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 153] رواه أحمد والحاكم وقال:"صحيح ولم يخرجاه".
في غضون الثلاثين سنة الماضية ظهر في حقل العمل الإسلامي وميدان الدعوة نوع من الشباب القلِق، تنمّ حركاته وردود أفعاله عن خلل واضطراب في العقيدة، وسطحية وشرود في الفكر، وعشوائية وعاطفية في الحركة، شباب يصدر عن تصرفات فردية، يريد أن يجني الثمرة قبل نضجها، كل هذا لا يعني محاولة الهروب من سنن الله تعالى في ابتلاء المؤمنين والدعاة المخلصين، فقد قال الله تعالى في محكم التنزيل: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت: 2] ، ولكن حتى إذا وقع الابتلاء يكون على الإيمان الصحيح، فيعطى صاحبه أجره موفورًا. شباب يفتقر كثيرًا إلى العلم بالكتاب والسنة والمسلك القويم في الدعوة، فيه جرأة شديدة وتمسُّكٌ بألفاظٍ أخذ بظواهرها ولم يجمعها إلى غيرها من نصوص الوحي ليستنبط الحكم الشرعي، والشيء الذي لا يُنكر أن الإخلاص سِمةُ الكثير منهم، لكنه إخلاصٌ يصاحبه انحياز لناحية معينة قد استولت على مداركه، فأثرت على رؤيته لأهداف الدعوة ووسائلها. وكونهم مخلصين لا يمنع أنهم مخترَقون من أعداء للدعوة ومتربصين للإصلاح.
هذا النوع من الشباب الذي يضم معه نخبة متميزة كان من الممكن أن تكون طاقات فاعلة في مسيرة الدعوة الإسلامية، غير أن ظروفًا معينة حالت دون معرفته للدعوة معرفة واضحة متزنة سليمة، الأمر الذي جعل انطلاقته تجيء مشوبةً بالفردية وعدم الانضباط، هذا الشباب، ولست أعني في كلامي بلدًا معينًا وإنما يتناول هذا الكلام كل من نهج مظهرًا من مظاهر الغلو على امتداد العالم الإسلامي، وخاصة في هذا العصر، هذا الشباب بات يشكل ظاهرة خطيرة وعقبة كؤودًا في طريق العاملين، حيث جعل منه المتربصون لهذه الدعوة ورقة يلوّحون بها في وجه أيّ مدٍ إسلامي، كما جعلوا منه مادة إعلامية تُستغل بمكر ودهاء في تشويه وجه الدعوة الإسلامية السمح والتشهير بدعاتها والعاملين لها، لتصاب حركة الإسلام بالشلل وخصوبتهُ بالعقم.
أيها المؤمنون، ولسائل أن يسأل: ما تفسير ظاهرة الغلو في هذا النوع من الشباب المسلم المتدين؟
والجواب على ذلك: عاملان رئيسيان مهمان يقفان وراء هذه الظواهر، وعلى من أراد الإصلاح جادًا أن يأخذهما بعين الاعتبار:
العامل الأول: القلق العام الذي يسود الأمة، والفساد الذي استشرى داؤه في كل جوانب الحياة، بعد الهزائم المتلاحقة والنكسات المتتالية التي سالت فيها دماء المسلمين وضاعت أموالهم واحتلت أجزاء من ديارهم وانتهبت خيراتهم، وغرقت دول الإسلام في أوحال مناهج الغرب، فسلبت المسلمين معظم مقوماتهم الدينية والحضارية، وصاروا تبعًا يلهثون في تقليد كلّ ما يرد أو يُصَّدر من الغرب، وهنا سيكون طبيعيًا أن يدرك أولئك الشباب كما يدرك غيرهم أن ذلك نتيجة لمخالفة شرع الله، غير أن الشباب المعنيين بالحديث تعقَّدت أحاسيسهم ومشاعرهم، فنقموا على كل ما حولهم من أوضاع مترديةٍ، فجاءت محاولتهم في الإصلاح جانحة وخطيرة.
العامل الثاني الذي يفسر ظاهرة الغلو: هي المحن الشديدة المتكررة التي نزلت بالدعوة الإسلامية ورجالها وأبرز رموزها، واستخدمت فيها أبشع أنواع الإيذاء وكلّ وسائل الفتك والإبادة، مصحوبة بحملات التشكيك والإرجاف والتخوين والاتهام، ومن الطبيعي أن يخرج من رحم تلك الظروف رداتُ فعلٍ ونقمة تستهدف من وراء المحنة ومن عاصرها ومن سكت عليها، وربما لا تعذر أحدًا ولا تلتمس لساكتٍ حجة.
هذا النوع من الشباب الذي افتقد المنهج القويم في العمل والدعوة بسبب غياب قيادة مقنعة له وبسبب الظروف العصيبة التي مرَّ بها وبقي بلا موجّه ولا دليل، فتشعبت به السبل والمناهج، فوجد المتربصون بالإسلام فيهم غنيمة وفرصة لا تفوت، وذلك بوسائل وأساليب منها:
1-أن يستدرج أولئك النوع من الشباب إلى اعتناق واستخدام أسلوب العنف والقوة؛ لفرض رؤيته التي يراها شرعية، وهذا يَجرُّ إلى نتائج وخيمة تبوء بالفشل، وينال المتربصون بها وثيقةَ إدانةِ العمل والدعوة الإسلامية.
2-أو أن يُستدرج قطاعٌ منهم إلى نزعات سلبية هروبيّة، تجعل البعض يفضّل طريق العزلة من تصوفٍ ونحوه، فتفقد الدعوة نُخَبًا من الممكن أن يكون فاعلةً ومؤثرة ونافعة للمجتمع.
3-وقد يلجأ بعضهم إلى التفكير في إعادة صفوفهم وتجمعهم، لفتح موقع جديد في الجهاد وفق قناعهم ورؤيتهم. هناك تجد أفكار التكفير جوًا مناسبًا للتفريخ فيه، الأمر الذي يتيح للمتربصين بالدعوة الإسلامية ثانية فرصة التشويه والتحريش وضرب العاملين في الدعوة بعضهم ببعض.
معاشر المسلمين، من أبرز النتائج المتوقعة لتلك المراهقات الفكرية أن يصاب أصحابها أو بعضهم بخيبة أمل وانطواء على النفس وقعود عن العمل للإسلام، حين يرون المجتمع قد خذلهم أو أسلمهم لخصمهم، وحين يرون أن أغراضهم في تقرير المعروف ونبذ المنكرات لم تنجح، والخاسر لا شك هو المجتمع كله.
وأخيرًا أيها المؤمنون، فإن الدعوة إلى الله تعالى وتبليغ رسالته إلى الناس وظيفةُ كل مسلم حسب استطاعته وإمكاناته، وهي غير محدودة بحدود ولا مرهونةٍ بزمان ولا مكان، وجزاءُ من عمل بها يبتغي وجه الله تعالى أن يَرْضى عنه مولاه، سواء استجيب له أو أعرض الناس عنه، لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة: 272] .
إن الداعية إلى اللله ليس كيانًا مبتورًا مقطوع الصلة بمن سبقه ومن يلحقه، بل هو حلقة في موكب طويل يمتد من آدم عليه السلام حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ووظيفته الدعوة إلى الله لهداية البشرية وإنقاذها، سواء كانت هذه تملك الإمكاناتِ المادية المؤثرة أو فقط عن طريق أصوات مؤمنة تحدوها أرواح تتحرق لهداية الناس إلى صراط الله وإنقاذهم من النار، وليس على المسلم إلا البلاغ وبذلُ الجهد المستطاع بالحكمة والموعظة الحسنة، مع السعي في تطوير وسائل الدعوة حسب مقتضى الظرف والحال. أما مرحلة الجهاد فتكون بعد التمكين.
وفقنا الله للصواب والاهتداء بهدي السنة والكتاب...
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وسيد المرسلين وأفضل الخلق أجمعين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
معشر الفضلاء، أنا أعلم وأدرك أن بعضًا أو كثيرًا من المعاني السابقة التي وردت في الخطبة الأولى ربما لا يعيها البعض من الحاضرين، وإنما الذي دفعني لذكرها والتركيز عليها بعض الشيء أمران:
الأول: ما نحن فيه من ظروف أمنية نتيجة ما وقع من تفجيرات مؤخرًا في مدينة الرياض، أو ما يتعلق بها من جنسها.
الثاني: رغبة الجهات المعنية بشؤون المساجد أن يخصَّص الحديث في عدد من خطب الجمعة عن تلك الظواهر تشخيصًا وعلاجًا.
وسيأتي الحديث ـ إن شاء الله تعالى ـ في خطب قادمة عن الجذور التاريخية لمثل تلك الأفكار التي تنزع إلى العنف ودوافع نشأتها، إذ هي ليست بدعًا تقع لأول مرة، بل سبق نماذج متعددة منها حدثت في تاريخ المسلمين، بتحريض من أعداء هذا الدين، لأنهم وجدوا من خلالهم تحقيقًا لكثير مما تكنه صدورهم تجاه الإسلام، ورغبة في إضعافه، وتشفيًا باشتغال العاملين بالدعوة والإصلاح بعضهم ببعض. غير أن هنا أمرًا مهمًا بل في غاية الأهمية بهذا الخصوص، وهو أن تشخيص تلك الظواهر ليس بالأمر الهين، ولا يستطيعه إلا القلة، فتعين إذًا أن يكف المسلم لسانه حذرًا أن ينال أحدًا بسوء لا يعود بالمصلحة لأحد؛ لا للمتكلم نفسه ولا للغائب ولا للمجتمع، فليس الأمر فقط كيل التهم، ولا يعالج مثل هذه الأمراض إطلاق عبارات التشهير والتكفير ليقع فيما يحذِّر منه، فالإفراط والتفريط كلاهما مذموم، وليس منهجًا شرعيًا في العلاج والإصلاح.