العلم والدعوة والجهاد
القتال والجهاد
عبد الله بن عبد العزيز التميمي
الرياض
الأمير حسن بن عبد الله آل سعود
1-وعد الله عز وجل بنصر دينه في كتابه وعلى لسان نبيه. 2- قد يكون البلاء نعمة. 3- كيف تكون نصرة الله عز وجل؟
تعيش أمة الإسلام في هذه الأيام مرحلة حرجة وفترة عصيبة، تتجرع فيها ألوانًا وأصنافًا من الذلة والهوان، قلما مر أو يمر عليها مثلها، فأمم الكفر ترميها عن قوس واحدة، وكان عداؤهم قبل اليوم تلميحًا، فأضحى الآن تصريحًا، ومع ذلك فإنك ترى كثيرًا من المسلمين لا يزالون يستدرون عطف أعدائهم ويسترضونهم ويستجدونهم ويتوددون إليهم.
لقد تاهت أمة الإسلام في ظلمات بحر لجّي، من ضعف الدين والتوحيد والبعد عن هدي القرآن، يغشاه موج من حبّ الدنيا وكراهية الموت، من فوقه موج التفرّق والتناحر، من فوقه سحابُ التودّد إلى الكافرين والاغترار بحضارتهم الساقطة، ظُلُمَـ?تٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ، وصدق الله: وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ?للَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ [النور:40] .
ورغم كل تلك المصائب والكروب التي تحلّ بأمة الإسلام في شتى بقاع المعمورة فإنها يقينًا زائلة منقشعة مهما اشتدّت، ولا بد أن يتلوها نصر من الله وعز للإسلام والمسلمين، نسأل الله أن يعجّل به، وهل تنشق دياجير الليل وحَنَادسه عن فجر باسم وضاء إلا بعد أن تشتد ظلمتها وتزداد حُلكتها؟!
لقد مضت سنة الله التي لا تتبدّل ولا تتغير أن هذا الدين هو المنتصر أخيرًا، طال ليل الباطل أم قصر، ومهما تقدّم العدو وتطوّر عسكريًا وتقنيًا وفكريًا، فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ?للَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ?للَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر:43] .
يقول الله عز اسمه: يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ?للَّهِ بِأَفْو?هِهِمْ وَيَأْبَى? ?للَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ?لْكَـ?فِرُونَ [التوبة:32] ، ويقول جل شأنه: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ?لْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ?لْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ?لْغَـ?لِبُونَ [الصافات:171-173] .
وعن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( بشّر هذه الأمة بالسَّناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض ) )رواه أحمد وابن حبان والحاكم وصححه الألباني، وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ) )رواه مسلم، وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها ) )رواه مسلم، وعن تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعِزِّ عزيز أو بذل ذليل، عزًا يُعِز الله به الإسلام وأهله، وذلًا يذل الله به الكفر ) )رواه أحمد.
فينبغي للعبد المسلم في خضم هذه الأحداث المُدْلَهمة والتداعيات الخطيرة أن يثق بوعد الله بالنصر، وَمَا ?لنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ?للَّهِ [آل عمران:126] ، وعليه أن ينأى بنفسه عن مستنقعات اليأس والقنوط؛ فإن نصر الله قادم ولو كره الكافرون، أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ?لْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ?لَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ?لْبَأْسَاء وَ?لضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى? يَقُولَ ?لرَّسُولُ وَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ مَتَى? نَصْرُ ?للَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ ?للَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214] ، فلما كان الفرج عند الشدة وكان النصر بقدر الشدة وكان الأمر كلما ضاق اتسع قال الله: أَلا إِنَّ نَصْرَ ?للَّهِ قَرِيبٌ ؛ فيجيء الفرج من الله، وتنقلب المحنة منحة، وتتبدل المشقات راحات، ويتنزل النصر فينهزم الأعداء، ويُشْفَى ما في القلوب من الداء، ويقول الله سبحانه: حَتَّى? إِذَا ?سْتَيْئَسَ ?لرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجّىَ مَن نَّشَاء [يوسف:110] .
فعلى العبد أن يحسن ظنه بربه ويعلمَ (( أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا ) )رواه أحمد.
إذا اشتملت على اليأس القلوب وضاق لما به الصدر الرحيب
وأوطأت المكاره واطمأنّت وأرست في أماكنها الخطوب
ولَم تر لانكشاف الضرّ وجهًا ولا أغنَى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوث يمنّ به اللطيف المستجيب
كذاك الحادثات إذا تناهت فموصول بها الفرج القريب
ومهما تلاحقت الخطوب وتتابعت فإن نصر الله قريب وكيد الشيطان ضعيف والعاقبة لجند الله، فَأَمَّا ?لزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ?لنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ?لأرْضِ [الرعد:17] ، وقد كتب الله: لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى إِنَّ ?للَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:21] .
وحسبك ـ يا عبد الله ـ من هذه المحن التي تحل بالمسلمين نعمة تمحيص الذنوب وفضح عدوهم وظهور صورته الحقيقية لهم، خاصة أمام المنخدعين به اللاهثين وراءه، لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ وَيَحْيَى? مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ [الأنفال:42] .
لقد ظهر زيف شعارات أعداء الدين التي ينادون فيها، بما يسمونه الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فها قَدْ بَدَتِ ?لْبَغْضَاء مِنْ أَفْو?هِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران:117] .
إن كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا، والله سبحانه ناصر دينه وأولياءه وهازم أعداءه أولياء الشيطان.
عباد الله، لقد قضى الله أنّ ذلكم النصر سيتحقق على أيدي أوليائه المتقين وحزبه المفلحين المؤمنين الصادقين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فهلاّ اجتهدنا في أن نكون منهم؟! وَ?للَّهُ يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء [آل عمران:13] .
فهنيئًا لمن اختاره الله واصطفاه ليكون جنديًا من جنود الدين الذين يجعل الله نصرة دينه على أيديهم؛ وإن لم يكن بيننا من هو كذلك فليجتهد المرء أن يجعل في بنيه وذريته من يشرفه الله بذلك الشرف، وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـ?لَكُم [محمد:38] .
عباد الله، لقد أخبر الله تعالى في غير ما موضع من كتابه أنه ينصر من نصره ونصر دينه، يقول تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ ?للَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] ، ويقول عز اسمه: وَلَيَنصُرَنَّ ?للَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ?للَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ [الحج:40] .
ونصرة دين الله تتحقق من خلال قول الله تعالى: ?لَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّـ?هُمْ فِى ?لأرْضِ أَقَامُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَاتَوُاْ ?لزَّكَو?ةَ وَأَمَرُواْ بِ?لْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ?لْمُنْكَرِ [الحج:41] ، وقوله تعالى: وَعَدَ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ?لأرْضِ كَمَا ?سْتَخْلَفَ ?لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ?لَّذِى ?رْتَضَى? لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئًا [النور:55] .
فمن جمع تلك الخصال وحصّلها نصر دين الله، والله قد وعد ـ والله لا يخلف الميعاد ـ أن ينصر من نصر الدين، فيا ليت قومي يعلمون.
إذا صدق العبيد ربهم وامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه ثم سألوه النصر واستغاثوه وطلبوا منه العون والمدد والتأييد فإن النصر يتنزل عليهم من عنده، وَهُوَ خَيْرُ ?لنَّـ?صِرِينَ [آل عمران:150] ، ويمدهم سبحانه بجنوده التي لا يعلمها إلا هو، وحينئذ فلن يقف أمام جند الله كلّ قوى الباطل مهما بلغ عددها وعُددها، وستتهاوى أمام التأييد الإلهي كلّ الأرقام الفلكية والحسابات الضوئية في رصيد القوة الكافرة، إِن يَنصُرْكُمُ ?للَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ?لَّذِى يَنصُرُكُم مّنْ بَعْدِهِ [آل عمران:160] .
لم ترد.