العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
وقفات مع سورة القمر وفي:
أ- معجزة انشقاق القمر
ب- مصارع الأمم الغابرة
ج- الوعيد لكفار قريش
أما بعد:
إن الله جل وتعالى ما أنزل من كتاب إلا ليُعمل به، وما أرسل من رسول إلى قوم إلا ليُتبع.. وأية مخالفة لذلك الكتاب أو لذلك الرسول، فإن تلك الأمة ستنال عقابها وستتحمل مخالفتها لشرع ربها. وهذه أيها الأحبة، سنة ماضية في الأولين والآخرين.. ولنستعرض سويًا سورة من سور القرآن الكريم، تؤكد هذه الحقيقة، ولنتأمل في نوع المخالفات التي خالفته تلك الأمم، ثم نوع العقوبات التي حلت بها، لنتعظ ولنعتبر.
قال الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم: اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ يخبر تعالى بأن الساعة وهي القيامة قد اقتربت، وأن القمر قد انشق وكان هذا على زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، لما طلب منه كفار قريش أن يريهم من خوارق العادات ما يدل على صحة ما جاء به.. روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك: أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما. ومع هذا قالوا سحر مستمر، أي سحرنا محمد وسحر غيرنا فكذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتبعوه، فجاءت الآيات بعدها فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ.
ثم بدأت السورة الكريمة، بعرض مصارع الأمم التي سلكت من قبل مسلكهم مبتدئة بقوم نوح كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. نوح عليه السلام، أول رسول بعثه الله، دعا قومه إلى توحيد الله، وعبادته، فامتنعوا وقالوا: لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا بل وقالوا عن نبي الله بأنه مجنون.. عندها دعا نوح ربه عز وجل: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ أي هذه قوتي وهذه طاقتي وهذا دينك أنت، وهذه دعوتك، انتصر لحقك، وانتصر لمنهجك، وما تكاد هذه الكلمة تقال من نبي الله نوح أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ وما يكاد الرسول يسلم الأمر لصاحب الأمر إلا وجواب الله جل وتعالى حاضر فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ أغرقهم الله عز وجل، أغرق أمة كاملة بالتقاء المائين، ماء السماء وماء الأرض وهذه هي نهاية كل أمة تخالف أمر الله، هذه نهاية كل أمة تتنكب الطريق الذي رسم لها. ويأتي بعده سؤال المولى تبارك وتعالى، لي ولك ولكل أحد فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُر كيف رأيت أيها المخاطب عذاب الله.
لا شك أنه كان عذابًا مدمرًا جبارًا، لكن أين المعتبر؟!.
الأمة التي تليها، أمة عاد، وهي القبيلة المعروفة باليمن، أرسل الله لهم هودًا عليه السلام، يدعوهم إلى شريعة الله ودينه، لكنهم آثروا المخالفة على الطاعة. كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ.
أيها المسلمون: ما أهون الخلق على الله، ما أهون الخلق على الله، إذا عصوا أمره، وخالفوا شريعته، انظر في حال هؤلاء، ماذا فعل الله بهم، أرسل عليهم ريحًا شديدة استمرت سبع ليال وثمانية أيام حسوما، من شدتها أنها كانت ترفع بالرجل إلى جو السماء ثم تدفعهم إلى الأرض، فتدق رقابهم فتفصل الرأس من الجسد. وقيل أنهم كانوا يتداخلون في الشعاب، ويحفرون الحفر في الأرض، ويدخلون فيها، هروبًا من هذه الريح، فكانت كما وصفت الآية: تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ أي تجعل جثثهم بعد هلاكهم مثل جذوع النخل الخاوي الذي اقتلعته الريح فسقط على الأرض. فما أهون الخلق على الله إذا لم يتبعوا دينه، لماذا توصل الأمة نفسها وبيدها إلى هذا المصير، وكان بإمكانهم توقي ذلك.
الأمة التي تليها، أمة ثمود وهي القبيلة المعروفة في أرض الحِجر، نبيهم صالح عليه الصلاة السلام، دعاهم إلى دين الله، إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأنذرهم العقاب إذا هم خالفوه فكذبوه واستكبروا عليه فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ استمع إلى آيات الله وهي تصور لنا ذلك التمرد على شريعة الله، ثم ما هي نهاية المال. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنْ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ هؤلاء القوم، مع تمردهم وعصيانهم لأمر الله وامتناعهم عن الطاعة، اتهموا قبحهم الله نبي الله صالح بالكذِب، قالوا: بل هو كذاب أشر ، أي كثير الكذب والشر. سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنْ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ. فأرسل الله الناقة، التي هي من أكبر النعم عليهم يحلبون منها ما يكفيهم جميعًا، لكنهم ذبحوا الناقة في آخر الأمر، وانبعث لها أشقاها.. فنزل عليهم عذاب الله عز وجل، عاقبهم الله بالصيحة وهي الرجفة، فأهلكتهم عن آخرهم، ونجى الله صالحًا ومن آمن معه، أما العصاة فكانوا كهشيم المحتظر، أي كالحشيش اليابس المتكسر الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته. كل هذا بسبب عدم اتباع دين الله، وعدم طاعة كل ما يقوله الرسول الذي أُرسل.
الأمة التي تليها أمة لوط، وهؤلاء مخالفتهم ظاهرة، وهو أنهم مجتمع انتشر بينهم الفاحشة والفجور، ما قنعوا بالحلال، فأسرفوا في الحرام، فعاقب الله عز وجل تلك الأجساد التي تمتعت وتلذذت بالجنس المحرم، عذب تلك الأجسام بريح تحمل معها الحجارة كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ إن هؤلاء القوم طالما أنذرهم لوط عليه السلام، لكنهم تماروا بالنذر، واستمروا على فعل الفاحشة، وعندما نزل الملائكة ضيوفًا على لوط عليه السلام، جاءوا مسرعين قبحهم الله وراودوه عنهم، فأمر الله جبريل عليه السلام فطمس أعينهم، ثم قلب عليهم ديارهم، وجعل عاليها سافلها، ثم أتبعهم بحجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك للمسرفين.. هذه نهاية الفواحش، وهذه نهاية مجتمع يستشري فيه هذا المرض، فيصل إلى مرحلة لا يكون العلاج إلا بخسف القرية، وإهلاكهم جميعًا.. إن طمس الأعين كان ليلًا وفي الصباح وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ صبحهم ذلك الحاصب الذي طهر الأرض من تلك اللوثة ومن ذلك الفساد. ونجى الله لوطًا وأهله من الكرب العظيم، جزاءً لهم على شكرهم، وعبادتهم لربهم، وعدم انخراطهم في أوحال ذلك المجتمع النتن.... إنه ليس بالأمر الهين أن يمسك الإنسان نفسه عن فعل أمور بإمكانه أن يفعلها، وكل من حوله يفعلها، ثم هو حفاظًا على دينه وخوفًا من ربه يمسك.. تخيل رجلًا يعمل في دائرة وكل من حوله يسرق وينهب من المال العام، وهو بإمكانه أن يفعل مثلهم بل وظروف المعيشة وضغطها عليه قد تضطره أحيانًا وتراوده نفسه على ذلك، لكن يمسك ويرضى بشظف العيش حفاظًا على دينه. كذلك الذي يعيش في وسط ينتشر فيه الرذيلة، وقضايا الحرام ميسرة لمن أرادها، ثم هذا الإنسان يضغط على نفسه، ويرغم هذه النفس على سلوك الطريق المستقيم، ويكون من الذين شبههم المصطفى صلى الله عليه وسلم بأن الذي يقبض على دينه كالقابض على الجمر.
ما نهاية مجتمعات استشرى فيها الفاحشة. إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ.
اللهم طهر مجتمعات المسلمين من الفواحش، ما ظهر منها وما بطن...
ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا...
أقول هذا القول... وأستغفر الله لي ولكم...
أما بعد:
الأمة التي تليها في سلسلة هذه الأمم كما تعرضها هذه السورة، فرعون وقومه وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُر كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ. أرسل الله إليهم موسى الكليم، وأيده بالآيات البينات، والمعجزات الباهرات، وأشهدهم من العبر ما لم يشهد غيرهم، فكذبوا بآيات الله كلها، وحاربوا دعوة موسى عليه السلام وضيقوا عليه، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فأغرق الله فرعون وجنوده في اليم، ونجى موسى وقومه.
أيها المسلمون: ما المراد من ذكر هذه القصص، لماذا عرض الله علينا هذه السلسلة من مواقف أولئك الأقوام من دينه سبحانه، ولماذا هذا التوضيح وهذا التفصيل في كيفية إنزال العذاب، كل ذلك أيها الأحبة لتحذير الناس، وأن لا يسلكوا مسالك أولئك القوم، فيصيبهم ما أصابهم، ولهذا جاءت الآية الفاصلة المانعة بعد سلسلة هذه الآيات.. نوح ثم عاد ثم ثمود ثم لوط ثم فرعون. وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ قال بعدها مباشرة سبحانه وتعالى: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ ، أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ. الكفر ملة واحدة، وأولئك القوم ما أصابهم ما أصابهم إلا بسبب كفرهم، ونحن إذا كفرنا والعياذ بالله وخالفنا وعصينا، حل بنا ما حل بغيرنا، أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ ، أبدًا والله، فليس كفار العرب أحسن عند الله من كفار الغرب، وليس نصارى العرب أحسن عند الله من نصارى الغرب، وليس يهود العرب أحسن عند الله من يهود غيرهم، بل إن ما يعانيه المسلمون اليوم في بعض الجهات من نصارى العرب ويهود العرب أشد مما يعانون من نصارى ويهود غير العرب والله المستعان.. فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله تعالى، فليس كفارنا بخير من كفارهم، وليست مخالفتنا وعصياننا لشريعة ربنا أهون بمخالفة وعصيان أولئك لشريعة الله.
اعلموا أيها الناس، بأن كل ما يصيبنا وكل ما ينزل بنا إنما هو سبب منا، فعلى سبيل المثال، وهذا شيء يسير من عقوبات الله، ارتفاع الأسعار، الذي ضجت به مجالس الناس هذه الأيام، يتحدثون بالساعات الطوال حول هذه القضية، ويعلقون أسبابها لكذا أو كذا.. وقد يكون كلامهم فيه شيء من الصحة، لكن أيضًا هذا السبب لماذا حصل؟ هذه النقطة التي يغفل عنها الكثيرون، ألا وهو معاصينا ومخالفاتنا وتقصيرنا في جنب الله.. لماذا نزعت البركة في معيشتنا، ولماذا قلت وشحّت المادة في أيدي الناس، ولماذا يرتفع كل شيء يوم بعد يوم، لتفريط الناس في أوامر الله، لمخالفة الناس لأمر الله، ثم نريد بعد ذلك يسر العيش ووفرة المال والبركة، هذا أقل ما يصيبنا إذا تأملنا في واقعنا، ونسأل الله جل وتعالى ألا يكون مقدمة لسيل من العذاب ينزل بنا لا ندري ما هو.. المنكرات زادت، والفواحش كثرت، والمجاهرة بالمعاصي عمت وطمت، أين المصلين في صلاة الفجر، أين الذين يؤدون زكاة أموالهم، أين الذين يطهرون بيوتهم مما حرم الله، وأين وأين وأين؟؟؟ كل هذا نفعله، وكل هذا نرتكبه، ثم نتضايق ونتضجر بعقوبة يسيرة.
فاتقوا الله أيها المسلمون أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ.
ثم ذكر بعدها عز وجل مصير كل المجرمين الذين يحاربون دعوة الله، والذين يضيقون على دعوة الله. إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ.. ثم قال بعدها سبحانه: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. أي أهلكنا من الأمم السابقة، الذين عملوا كما عملتم. وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ. ثم ختم جل وتعالى بمصير المتقين المطيعين المتبعين لشريعة الله فقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.
نسأل الله جل وتعالى أن يجعلنا منهم، وأن يجعلنا وجميع أخواننا المسلمين الأحياء منا والميتين في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.