فهرس الكتاب

الصفحة 2953 من 5777

حكم إهباط آدم إلى الأرض

الرقاق والأخلاق والآداب

آثار الذنوب والمعاصي

ناصر بن محمد الأحمد

الخبر

النور

1-سجود الملائكة للمخلوق العالم (آدم) وتكبر إبليس. 2- إبليس يشن الحرب على بني آدم. 3- حكم إهباط آدم إلى الأرض. 4- عبر من قصة آدم مع إبليس.

أما بعد: فيا أيها الإخوة المسلمون، إن الله جلت قدرته بعد ما أخبر الملائكة قائلًا لهم: إِنّي جَاعِلٌ فِى ?لارْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ?لدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة:30] ، ولكي يثبت لهم بأن آدم يتميز بميزة عنهم وَعَلَّمَ ءادَمَ ?لاسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ?لْمَلَـ?ئِكَةِ [البقرة:31] ، فقال لهم وهو العليم بهم وبضعفهم وبخصائصهم: أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَـ?دِقِينَ [البقرة:31] ، ووقفوا أمام هذا السؤال مبهوتين فعرفوا ضعفهم وأنهم ليسوا بقادرين على الذي يقدر عليه هذا المخلوق الجديد، فاعترفوا وقالوا: سُبْحَـ?نَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ ?لْعَلِيمُ ?لْحَكِيمُ وبعدها: قَالَ يَاءادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ ?لسَّمَـ?وَاتِ وَ?لأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة:33] ، وتكريمًا لهذا المخلوق الجديد، نادى الله بالملائكة وكان الأمر شاملًا للشيطان اسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين، ويسأل الله جل جلاله الشيطان عن امتناعه عن السجود قال له: مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف:12] ، فانبجست عيون الحقد والكبر من أغوار نفسه فرد على الله خالقه بكل جرأة ووقاحة: أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [الأعراف:12] ، وهل يرضى الله عز وجل أن ينازعه أحد في كبريائه وهو القائل على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: (( العز إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني في واحد منهما فقد عذبته ) )فقال له: فَ?هْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَ?خْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ?لصَّـ?غِرِينَ [الأعراف:13] ، ولكن هل يصمت عدو الله أمام هذا ويقف مكتوف الأيدي وآدم يتمتع هو وزوجته بالجنة، لا فلا بد من الانتقام من ذلك المخلوق الذي كان سببًا في طرده وراح يوسوس لهما لكي يزحزحهما مما كانا فيه، وقام يدليهما رويدًا رويدًا بغرور، حتى وصل الدلو إلى القاع الذي يريد، النتيجة أن عصيا أمر ربهما، فناداهما ربهما: أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ?لشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ ?لشَّيْطَـ?نَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ [الأعراف:22] ، ولكن ماذا يفعلان بعد أن عصيا ربهما، وما المصير الذي ينتظرهما؟ ولم يكن أنسب من أن يعترفا بذنبهما ويطلبا من مولاهما العفو فقالا: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ?لْخَـ?سِرِينَ [الأعراف:23] ، وقبل أن يأمرهم الله بالهبوط إلى الأرض قال عدو الله طالبًا من الله أن يؤجله فَأَنظِرْنِى إِلَى? يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الحجر:36] ، ويطلب منه الله النظرة إلى يوم البعث كي يمكن أكبر وقت يستطيع فيه أن يجذب بني آدم بتزيينه، ويرمي بهم في جهنم، فهو لا يرضى بوقت قصير يجذب به القليل، إنما يدعوه حقده إلى أن يطلب من الله النظرة إلى يوم البعث، فهو لا يرضى أن يكون لوحده بجهنم كما أنه لا يرضى بأن يكون مع عدد قليل، بل لا بد من أمم تكون معه من سلالة عدوه الذي كان سببًا في طرده، ولكن الله يرد عليه قائلا: فَإِنَّكَ مِنَ ?لْمُنظَرِينَ إِلَى? يَوْمِ ?لْوَقْتِ ?لْمَعْلُومِ [الحجر:37، 38] ، وما أن إذن له بالبقاء حتى قام يسرد على الله بكل وقاحة وحقد، دون استحياء من الله ولا خوف، خطته لإضلال البشرية قائلًا: فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صِر?طَكَ ?لْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـ?نِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـ?كِرِينَ [الأعراف:16، 17] ، إنه سيدخل على ابن آدم من كل مكان ومن كل اتجاه، ليصهره في بوتقة الضلال، ويشاء الله أن يهبطوا فيها جميعًا ويبدأ الصراع بين عدو الله وآدم ويعلنها عدو الله حربًا لا هوادة فيها، ويضع عدة الحرب ويلبس لباس المعركة ولا ينزعه حتى اليوم المعلوم، حرب شاملة تسير على خطة متشعبة ويقوم بتنفيذها جيوش الباطل في كل مكان بقيادة إبليس، حرب الهدف منها إطفاء نور الله وإلقاء بني آدم في جهنم، وها هم الآلاف المؤلفة يتساقطون أمام إغواء الشيطان ويخرون في وحل الضلال، وها هي جيوش الشيطان تسير وكل يوم ينضم إليها الكثير من بني آدم بسبب إحكام إبليس تنفيذ مخططه بالإغواء هذا ملخص سريع لقصة آدم مع الشيطان واهباطه إلى الأرض.

أيها المسلمون، استطاع الشيطان أن يخدع أبينا آدم، فأكل من الشجرة المحرمة عليه، وكان ذلك سببًا في إهباطه إلى الأرض، ولا شك أن المسلم يتمنى أن لو بقي آدم عليه السلام في الجنة، لتكون ذريته من بعده هناك، لكن لحكم أرادها الله عز وجل، شاء وقضى أن يحصل هذا الأمر، وله سبحانه الحكمة البالغة، ولله الأمر من قبل ومن بعد، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

فنقول أيها الإخوة، إن من وراء إهباط آدم من الجنة حكم كثيرة، منها، أن الله عز وجل أراد أن يذيقه وولده من نصب الدنيا، وغمومها وهمومها وأوصالها، ما يعظم به عندهم مقدار دخولهم إليها في الدار الآخرة، فإن الشيء أحيانًا لا يعرف إلا بضده، ولو تربوا في دار النعيم لم يعرفوا قدرها.

نعم أيها الإخوة، فإن بني آدم، لو تربوا في الجنة، ما عرفوا قدرها، وهذا حال كثير من أبناءنا في هذا الزمان، فإن الغالب أنهم تربوا في ترف ونعيم، لذا تجدهم لا يعرفون قدر هذه النعمة، ولا يشكرونها حق شكرها، نجد الشاب يبلغ من العمر العشرين أو فوق العشرين، ولا يستطيع والده الاعتماد عليه، لماذا، لأنه تربى في نعمة زائدة، ورفاهية مفرطة، فلنحذر هذا؟ ولنحاول أن نعود أبناءنا على خشونة الحياة شيئًا ما، لا كل ما طلبوا وجدوا. فربما يأتي اليوم الذي يطلبون فيه الضروريات فلا يجدون، فكيف يقاومون، وكيف يتحملون وقتئذ.

حكمة أخرى من إهباط آدم من الجنة، هو أنه سبحانه وتعالى، له الأسماء الحسنى، فمن أسمائه الغفور الرحيم العفو الحليم الخافض الرافع المعز المذل المحيي المميت الوارث الصبور، ولابد من ظهور آثار هذه الأسماء، ما اقتضت حكمته سبحانه أن ينزل آدم وذريته دارًا يظهر عليهم فيها أثر أسمائه الحسنى، فيغفر فيها لمن يشاء ويرحم من يشاء ويخفض من يشاء ويرفع من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء وينتقم ممن يشاء ويعطي ويمنع إلى غير ذلك من ظهور أثر أسمائه وصفاته، ولم يكن لأثر هذه الأسماء أن تظهرهم في الجنة.

ومن الحكم أيضًا، أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، والأرض فيها الطيب والخبيث، والسهل والحزن، والكريم واللئيم، والعادل والظالم، فعلم سبحانه أن في ظهره من لا يصلح لمساكنته في داره، فأنزله إلى دار استخرج فيها الطيب والخبيث من صلبه، ثم ميزهم سبحانه بدارين، فجعل الطيبين أهل جواره ومساكنته في داره، وجعل الخبيث أهل دار الشقاء دار الخبثاء قال تعالى: لِيَمِيزَ ?للَّهُ ?لْخَبِيثَ مِنَ ?لطَّيّبِ وَيَجْعَلَ ?لْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى? بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ ?لْخَـ?سِرُونَ [الأنفال:37] ، فلما علم سبحانه أن في ذريته من ليس بأهل لمجاورته أنزلهم دارًا استخرج منها أولئك وألحقهم بالدار التي هم لها أهل. حكمة بالغة، ومشيئة نافذة، ذلك تقدير العزيز العليم، فاحرص أخي المسلم، أن تكون من الطيبين الكرماء، العادلين في أقوالهم وأفعالهم المؤدين لحقوق الله، وحقوق عباد الله لتعود إلى دار الكرامة، وابتعد، واحذر أن تكون من الخبثاء، الذين اللؤم طبعهم، وظلم الناس هوايتهم، وأكل حقوق عباد الله مهنتهم، والشر وظيفتهم. فمن كان من هذا الصنف فلا يلومن إلا نفسه وَيَجْعَلَ ?لْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى? بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ ?لْخَـ?سِرُونَ.

أيها المسلمون، ومن الحكم أيضًا، أن الله سبحانه جعل الجنة دار جزاء وثواب، وقسم منازلها بين أهلها على قدر أعمالهم، وعلى هذا خلقها سبحانه لما له في ذلك من الحكمة التى اقتضتها أسماؤه وصفاته، فإن الجنة درجات، بعضها فوق بعض، وبين الدرجتين كما بين السماء والأرض، وحكمة الرب سبحانه مقتضية لعمارة هذه الدرجات كلها، وإنها تعمر ويقع التفاوت فيها بحسب الأعمال. كما قال غير واحد من السلف، ينجون من النار بعفو الله ومغفرته، ويدخلون الجنة بفضله ونعمته، ويتقاسمون المنازل بحسب أعمالهم.

لذا كان من الحكمة أن ينزل بنو آدم إلى الأرض، إلى دار يتنافسون فيها بالأعمال الصالحة، ثم يوم القيامة، إذا دخلوا الجنة بفضل الله عليهم، نزل كل منزلته، ووضع كل في مكانته ودرجته حسب أعماله التي عملها في الدنيا. وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ?لْمُتَنَـ?فِسُونَ [المطففين:26] . فاجتهد أخي المسلم بالإكثار من الأعمال الصالحة، يرفع درجتك في الجنة.

أما بعد: فإنه من المهم جدًا عند الإنسان أن يعرف تاريخه، والذي لا يهتم بتاريخ ما مضى ويحاول أن يستفيد منه، فإنه يتعب ويواجه المشاكل والمصاعب في مواجهة مستقبله.

وإن من تاريخ الإنسان الماضي، الذي لابد أن يفهمه ويعرفه جيدًا، قصة آدم مع الشيطان فإن تاريخ البشرية تبدأ من ذلك الزمان، إن قصة آدم مع الشيطان يحدد للبشر مبدأهم ومنتهاهم ودورهم في الأرض وخطة سيرهم فيها، والعقبات التي تقابلهم في أثناء رحلتهم وطريقة تجنب هذه العقبات وتخطيها.

أيها المسلمون، تعرضنا لبعض الحكم التي تجلت في إهباط آدم عليه السلام إلى الأرض، وقصته مع إبليس وهناك من القضايا الأخرى المهمة، التي لابد أن لا نغفلها ونحن نسترجع هذه القصة.

منها:

خطورة المعصية وما يترتب عليها من نتائج، آدم عليه السلام أيها الإخوة، لم يخالف أمر ربه إلا في قضية واحدة، وآدم لم يعص الله إلا في مسألة واحدة لو عرضت علينا، لرأينا أنها أمر يسير وتافه. لكن القضية ليست كذلك. القضية أنها معصية، ومخالفة لأمر المولى جل وعلا. وهي الأكل من الشجرة.

ثم تأملوا رحمكم الله ما ترتب على هذه المخالفة، ترتب عليها إنزاله وإهباطه إلى الأرض، بعد أن كان في الجنة، وهذه شملته وذريته من بعده.

فلنحذر من المعاصي أيها الإخوة، فإن شأنها عظيم، وخطورتها ليست سهلة، لا تهاونوا في مخالفة أمر الله عز وجل. إذا كان مخالفة واحدة من آدم عليه السلام ترتب عليه ما ترتب، ماذا نقول نحن، الله المستعان نرتكب الكبائر تلو الكبائر، ونعب من الصغائر عبًا، فنسأل الله عز وجل أن يرحمنا برحمته.

قضية أخرى يا عباد الله، لا تقل خطورة عن سابقتها، ألا وهي التكبر على طاعة الله إبليس عندما أمر بالسجود لآدم، عصى أمر ربه خالف تكبرًا وأبدى وجهة نظر تخالف ما أمر به الله، أو بعبارة أخرى الحكم في أمر من الأمور بغير ما أنزل الله به من تعاليم، الله أمره بالسجود، لكن إبليس لم يحكم ولم يطبق ما أمر الله به، وأبدى وجهة نظر مخالفة لحكم الله، وهذه هي التي سماها الله كفرًا بالنسبة لإبليس. وكفرًا كذلك بالنسبة للإنسان الذي يقع في ذات ما وقع به إبليس، فلا يحكم بما أنزل الله عليه. ولا يحكم بما أمره الله به، فيخالف الله تكبرًا على طاعته أو يبدي وجهة نظر له تخالف ما أمر به الله أو يحكم في أمر من الأمور بغير ما أنزل الله، لأنه لا يعتبر أن ما أنزل الله واجب التنفيذ. قال الله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ?للَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ?لْكَـ?فِرُونَ [المائدة:44] ، وقال سبحانه: أَفَحُكْمَ ?لْجَـ?هِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ?للَّهِ حُكْمًا لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] .

إضافة إلى أن التكبر في ذاته كبيرة من الكبائر، وقد صح عن رسولنا صلى الله عليه وسلم قوله: (( بأنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من الكبر ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت