فهرس الكتاب

الصفحة 2842 من 5777

خلق الإحسان

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب

خصال الإيمان, مكارم الأخلاق

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

الرياض

جامع الإمام تركي بن عبد الله

1-علو مرتبة الإحسان. 2- حقيقة الإحسان. 3- الإحسان في القرآن الكريم. 4- الإحسان فيما بين العبد وبين ربه. 5- الإحسان فيما بين العبد وبين غيره من العباد والبهائم. 6- الإحسان في العمل وفي الدعوة إلى الله تعالى.

أمّا بعد: فيا أيّها النّاس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى.

عبادَ الله، يقول الله جلّ جلاله في كتابه العزيز: إِنَّ ?للَّهَ يَأْمُرُ بِ?لْعَدْلِ وَ?لإحْسَانِ [النحل:90] .

أخبرنا تعالى أنّه يأمرنا بالإحسان. الإحسانُ خلقٌ كريم وعمل من أفضل الأعمال، بل مرتبةُ الإحسان في الدّين هي أعلى المراتب، فللإسلام مراتبُه الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان، فالإحسان أعلى مراتِب الإيمان.

أيّها المسلم، إنّ دينَ الإسلام جاء لينظِّم حياةَ المسلم حتى تكون حياتُه حياةَ خير، وحياةً ينعَم بها في دنياه ويسعَد بها يوم لقاء الله. دينُ الإسلام جاء ليرشِدَ المسلم إلى أن يكونَ مسلمًا حقًّا باعتقاده وقوله وعمله، ليكون عضوًا نافعًا في أمّته، وليسعد في نفسه، وليسعد به مجتمعُه المؤمن، بل تسعد به الخليقة كلّها.

هكذا دينُ الإسلام الذي بعثَ الله به محمّدًا ، جاء بكلّ خير وصدَق الله: ?لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ?لإسْلاَمَ دِينًا [المائدة:3] .

أيّها المسلم، فما حقيقة هذا الإحسان؟ الإحسانُ هو إتقان الشيء وإكماله، هو إتقان العمَل وإكماله على الوجه المرضيّ، وهذا الإحسانُ جاء ذكرُه في القرآن في آيٍ كثيرة.

فأوّلًا: أمر الله به فقال: وَأَحْسِنُواْ إِنَّ ?للَّهَ يُحِبُّ ?لْمُحْسِنِينَ [البقرة:195] ، وَ?بْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ ?للَّهُ ?لدَّارَ ?لآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ?لدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ?للَّهُ إِلَيْكَ [القصص:77] .

ثانيًا: جاء في القرآنِ بيانُ فضلِ المحسنين، وأنّ الله أحاطهم بعنايته وأيّدهم بنصره، فأخبر جلّ وعلا أنّه مع المحسنين: إِنَّ ?للَّهَ مَعَ ?لَّذِينَ ?تَّقَواْ وَّ?لَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ [النحل:128] ، معيّةٌ خاصّة تقتضي هدايتَهم وعونَهم وأن يمدَّهم بنصرٍ منه وتأييد. وأيضًا جاء في القرآن بيانُ حال المحسنين، وأنّ الإحسانَ سببٌ ينقذ الله به العبدَ من المهالك، فيجعلُ له من كلّ همٍّ فرجًا، ومن كلّ ضيق مخرجًا، ومن كلّ بلاءٍ عافية، ويخلّص مِن مكر أعدائه، قال يوسف عليه السلام: قَدْ مَنَّ ?للَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ ?للَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ?لْمُحْسِنِينَ [يوسف:90] . والمحسنون يمدّهم الله بعونِه، ويعطيهم فرقانًا يفرّقون به بين الحقّ والباطل، فلا يلتبس الحرام عليهم من الحلال، ولا طريقُ الحقّ من طريق الهدى، قال تعالى عن يوسف عليه السلام: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ?سْتَوَى? ءاتَيْنَـ?هُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِى ?لْمُحْسِنِينَ [القصص:14] .

الإحسانُ خلقٌ يكتسِب أهلُه الثناءَ من الله ثم الثناءَ من عباده، قال تعالى عن أنبيائه: سَلَـ?مٌ عَلَى? نُوحٍ فِى ?لْعَـ?لَمِينَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ?لْمُحْسِنِينَ [الصافات:79، 80] ، وقال: سَلَـ?مٌ عَلَى? إِبْر?هِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِى ?لْمُحْسِنِينَ [الصافات:109، 110] ، وقال عن موسى وهارون: سَلَـ?مٌ عَلَى? مُوسَى? وَهَـ?رُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ?لْمُحْسِنِينَ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ?لْمُؤْمِنِينَ [الصافات:121، 122] .

أيّها المسلم، وحقيقةُ الإحسان الكامِل ما بيّنه محمّد في حديث جبريل لمّا سأله قال: يا محمّد، ما الإحسان؟ قال: (( أن تعبدَ الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك ) ) [1] ، أن تعبدَ الله كأنّك تراه، أي: عبادةَ الموقن الجازِم الذي كأنّه يرى الله، وإن لم تراه فاعلم أنّه يراك ومحيطٌ بك، قال تعالى: وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءانٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ?لأرْضِ وَلاَ فِى ?لسَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذ?لِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ [يونس:61] .

أيّها المسلم، الإحسانُ فيما بينك وبين الله، والإحسان فيما بينك وبين عبادِ الله. فالإحسان فيما بينك وبين الله امتثال أوامر الله جلّ وعلا بتنفيذِها حسب ما أمرك الله، والابتعاد عن مناهِي الله وعن كلّ وسيلةٍ تقرّبك إلى ذلك، ثمّ إحسانك إلى عبادِ الله بأنواع البرّ والمعروف والإحسان. ومن الإحسانِ ما هو مفروض، ومنه ما هو كمال وعملٌ صالح، يزداد به العبد قربةً إلى الله جلّ وعلا.

أيّها المسلم، فعلُ الإحسان ضدّ الإساءة، لِيَجْزِىَ ?لَّذِينَ أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى ?لَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِ?لْحُسْنَى [النجم:31] . وإنّ للمحسنين ثوابًا عظيمًا عند الله، هَلْ جَزَاء ?لإِحْسَـ?نِ إِلاَّ ?لإِحْسَـ?نُ [الرحمن:60] ، إِنَّ ?لْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـ?تٍ وَعُيُونٍ ءاخِذِينَ مَا ءاتَـ?هُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات:15، 16] ، وقال: إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف:30] .

أيّها المسلم، فأعظمُ الإحسان عليك إحسانُك لأعمالك فيما بينك وبين الله، أن تخلصَ لله عملَك، فتبتغي بعملك وجهَ الله والدارَ الآخرة، ثمّ تحسن العملَ فيكون عملك على وفق ما شرع الله ورسوله، فإنّ الله لا يقبل عملَ عامل إلا إذا كان عمله خالصًا لوجه الله، وكان عمله على وفق ما شرع الله، فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـ?لِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا [الكهف:110] .

إحسانُك في توحيدِ الله بأن تعبدَ الله وحده لا شريك له، لا تجعل له شريكًا ولا ندًّا، تعلم أنّ العبادةَ بكلّ أنواعها حقّ لربّنا جلّ وعلا، ذَلِكَ بِأَنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ?لْبَـ?طِلُ وَأَنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لْعَلِىُّ ?لْكَبِيرُ [لقمان:30] ، لَهُ دَعْوَةُ ?لْحَقّ وَ?لَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْء [الرعد:14] . فالموحّدون لله المخلِصون لله توحيدَهم هم المحسِنون حقًّا، الذين قالوا:"لا إله إلا الله"بألسنتِهم، وعمِلوا بمقتضاها بجوارحهم، واعتقدوا معناها بقلوبهم، فعبدوا الله وحده وأخلَصوا له الدين.

أيّها المسلم، إحسانُك في صلاتك أداءُ أركانِها وواجباتِها واستكمالُها بأداء سننِها، أداؤها في الوقتِ الذي أوجب الله عليك أن تؤدّيها فيه، أداؤها في المسجِد والجماعة، فكلّ هذا من إحسان العبادةِ لله، كَانُواْ قَلِيلًا مّن ?لَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِ?لأَسْحَـ?رِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17، 18] . إحسانُك العملَ في صلاتك بأدائها على الوجهِ الذي يرضِي اللهَ عنك، ثم تكمّل هذا الإحسانَ بنوافل الصلوات الخمس، وما يزيد [على] ذلك من النوافل التي تكون زادًا لك يوم قدومك على الله.

إحسانُك في زكاتِك إخراجُها وإحصاؤها وإيصالُها إلى مستحقّيها لتكونَ ممّن قال الله: وَ?لَّذِينَ فِى أَمْو?لِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لّلسَّائِلِ وَ?لْمَحْرُومِ [المعارج:24، 25] .

إحسانُك في صيامك وحجِّك بإكمالهما على الوجه المرضيّ الذي شرعَه الله ورسوله.

أيّها المسلم، ثمّ إحسانُك فيما بينك وبين عباد الله، فقد أوجب الله عليك الإحسان إلى الوالدين: وَقَضَى? رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـ?هُ وَبِ?لْو?لِدَيْنِ إِحْسَـ?نًا [الإسراء:23] ، وَ?عْبُدُواْ ?للَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِ?لْو?لِدَيْنِ إِحْسَـ?نًا [النساء:36] . وأمر بالإحسان للرّحم بصلتها كما أمرك الله به، ورغّبك بالإحسان إلى الجيران والإحسان إلى المساكين والإحسان إلى الأيتام والإحسان إلى الأرامل، فكلّ ذلك من المعروفِ الذي تنال ثوابَه يومَ قدومِك على الله. بَل أمرك نبيّك بالإحسان حتّى للبهائم، يقول: (( دخلَت امرأة النارَ في هرّة؛ لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خَشاش الأرض ) ) [2] ، وأخبَر أنّ في البهائم أجرًا في سقيِها وإطعامها ولو كانت غيرَ مأكولة اللّحم. أخبرنا أنّ رجلًا ممّن قبلنا كان يمشي في البرّيّة فاشتدّ به الظمأ، فرأى بئرًا فنزل وشرِب، ثم لمّا صعد رأى كلبًا يأكل الثّرى من الظمأ، فقال: لقد بلغ بالكلب من الظّمأ مثلُ ما بلغ بي، فنزل البئرَ وملأ خفّيه من الماء، وأمسكَهما بفيه، ثمّ سقى بهما الكلب، قال النبيّ: (( فشكر الله له فأدخله الجنّة ) )، قالوا: أوَلنا في البهائم مِن أجر؟! قال: (( إنّ في كلّ كبدٍ رطبة أجر ) ) [3] ، وأخبر أنّ بغيًا من بني إسرائيل سقت كلبًا على ظمأ فشكر الله لها فغفر لها ذنبها [4] .

أيّها المسلم، وحتى الإحسان إلى البهائم في قتلِها، يقول: (( إنّ الله كتب الإحسانَ على كلّ شيء، فإذا قتلتم فأحسِنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذِّبحة، وليحدَّ أحدكم شفرتَه، وليرِح ذبيحتَه ) ) [5] . وحتى قتل الإنسان في الحدود الشرعيّة أو القصاص أُمرنا بالإحسان، فنصوص الشريعة تنهى عن المُثلة، ونهى النبيّ عن قتل الحيوان صبرًا [6] ، كلّ ذلك رفقًا وإحسانًا حتى في تنفيذ الحدود.

أيّها المسلم، فأحسِن إلى الأبوين خدمةً ونفقةً وطاعةً وسمعًا لهما ومخاطبةً لهما بأحسن الخطاب، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ?لْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَ?خْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ?لذُّلّ مِنَ ?لرَّحْمَةِ وَقُل رَّبّ ?رْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا [الإسراء:23، 24] .

أيّها المسلم، أحسِن إلى الجار بكفِّ الأذى وبَذل المعروف، أحسِن إلى الرّحم بالصلة والإحسان إليهم، أحسِن إلى الأيتام والمساكين، فارحم ضعفَهم وعجزَهم، واسعَ لهم في الخير لتكونَ من المحسنين.

أيّها المسلم، أحسِن إلى أولادِك بتربيتهم على الخير وبتوجيهِهم لطرقِ الهدى وحملهم على الأخلاقِ الفاضلة والنأيِ بهم عن كلّ الأعمال الرذيلة والرديئة. أحسِن إليهم بالإنفاق عليهم. أحسِن إليهم بتزويجهم وإحصانِهِم عمّا حرّم الله عليهم. أحسِن إلى الزّوجة بالإحسان إليها ومعاشرتِها بالمعروف، بل قد أمَر الله المسلمَ أن يكونَ إحسانه لامرأته حتّى في فراقها: ?لطَّلَـ?قُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـ?نٍ [البقرة:229] ، أي: فليكن فراقك إذا أردتَ الفراقَ يكون بإحسانٍ بلا عنفٍ ولا شقاق ولا نِزاع.

أيّها المسلم، أحسِن إلى النّاس في تعاملك معهم، فاصدُقهم في التّعامل، وإيّاك والكذبَ والغشّ والخيانة.

أيّها المسلم، أحسِن إلى النّاس حتى في مخاطبتهم، فكما أنّ الإحسان في الأعمال فالإحسان أيضًا في الأقوال، قال تعالى: وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83] ، وقال جل جلاله: وَقُل لّعِبَادِى يَقُولُواْ ?لَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ ?لشَّيْطَـ?نَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ ?لشَّيْطَـ?نَ كَانَ لِلإِنْسَـ?نِ عَدُوّا مُّبِينًا [الإسراء:53] . ابتعِد عن فاحش القول، فإنّ ذلك ضدّ الإحسان، فليس المؤمن بالسّبّاب ولا باللعّان ولا بالفاحش ولا بالبذيء.

أيّها المسلم، أحسِن التعاملَ مع الناس، فأعطِ أهلَ الحقوق حقوقَهم، وأعطِ المؤجّرين أجرتَهم، وأعطِ العمّالَ حقّهم، وأحسِن في التعامل مع الآخرين، فإنّ التعاملَ بالإحسان خلُق أهل الإيمان.

أيّها المسلم، أحسِن في العمل الذي عُهِد إليك به، أحسِن [فيه] أداءً، وأحسِن فيه وقتًا، وأحسِن تعاملَك مع مَن تتعامل معه، فتعطي الناسَ حقوقَهم وتعامِلهم بالعدل والإحسان فيما بينهم، لتكونَ من المحسنين حقًّا.

أحسِن إلى اليتيم فارحَم ضعفَه وعجزَه ويُتمه، وارفق به. أحسِن إلى كلّ إنسانٍ على قدر حالِه، فالإحسان خُلق المسلم، يسير به في حياته؛ لأنّ حياة المسلم حقًّا حياةُ خضوعٍ لشرع الله، قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162، 163] . فحياة المسلم لله، يعمَل فيها بشرع الله، ويسير فيها على وفق ما بيّن الله له في كتابه وما بيّنه له رسوله ، فإذا استعمل الإحسانَ في كلّ شيء في موضعه كان من المحسنين الذين وعدهم الله الثوابَ العظيم.

بارك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه البخاري في الإيمان (50) ، ومسلم في الإيمان (9، 10) عن أبي هريرة رضي الله عنه. وأخرجه أيضا مسلم في الإيمان (8) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

[2] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3318) ، ومسلم في السلام وفي البر والصلة (2242، 2243) عن ابن عمر وعن أبي هريرة رضي الله عنهما.

[3] أخرجه البخاري في المساقاة (2363) ، ومسلم في السلام (2244) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[4] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (3467) ، ومسلم في السلام (2245) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[5] أخرجه مسلم في الصيد والذبائح (1955) عن شداد بن أوس رضي الله عنه.

[6] أخرج مسلم في الصيد والذبائح (1959) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله أن يقتَل شيء من الدوابّ صبرًا.

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أمّا بعد: فيا أيّها النّاس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى.

عبادَ الله، إنّ الإحسانَ خلُق المؤمن في أعماله التي رُبطت به، فهو ينفِّذ العملَ الذي أنيط به خيرَ أداء، إحسانًا في العمل فلا تجده ضجرًا ولا قلِقًا من أعمالٍ يؤدّيها، ولا تجده غاشًّا ولا خائنًا ولا مرتشيًا، ولا تجده مماطِلًا بالنّاس، ولا ظالمًا للناس، ولا مفضِّلًا أحدًا على أحد لقرابةٍ أو صداقة أو نحو ذلك، وإنّما طريقُه طريقٌ مستقيم في إحسانِه وتعامله مع عباد الله، ناهجًا قولَ الله: يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِ?لْقِسْطِ شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ ?لْو?لِدَيْنِ وَ?لأقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَ?للَّهُ أَوْلَى? بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ ?لْهَوَى? أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ ?للَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:135] .

الدعاةُ إلى الله وإلى رسولِه هم مِن أولى النّاس أن يكونوا في دعوتِهم محسنين، محسنين للجاهِل، يعلمون جهلَه، ويعلمون قلّة علمِه، فيرفقون به ويتلطّفون به، ويوضّحون له الحقّ بدليله، قاصدين هدايتَه واستصلاحَه، قال جلّ وعلا لموسى وهارون: فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى? [طه:44] . وسيّد الأولين والآخرين وإمامُ الأنبياء والمرسلين محمّد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه كان أعظمَ الخَلق إحسانًا للخَلق، قال الله عنه: فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ?للَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ ?لْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] ، فكان محسِنًا في دعوتِه، يصيبُه البلاء والأذى ويقول: (( اللهمّ اغفِر لقومي فإنّهم لا يعلمون ) ) [1] ، يستأذِنه ملكُ الجبال أن يطبق على قريش أخشبَيها [2] فيقول: (( أتأنّى بهم؛ لعلّ الله أن يخرجَ من أصلابهم من يعبده لا يشرِك به شيئًا ) ) [3] ، يخاطبُ أهلَ مكّة عامَ الفتح: (( ما أنتم ترَونَ أنّي فاعلٌ بكم؟ ) )قالوا: أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، قال: (( اذهَبوا فأنتم الطلقاء ) ) [4] .

رأى الخَلقُ من سيرته النبيلةِ وأخلاقه الكريمة وتعامله الجمّ ما دعا الخلقَ إلى الإيمان به والاقتناع به، وأنّه رسول الله حقًّا صلوات الله وسلامه عليه؛ حلمٌ على الجاهل، ورفقٌ به وعطفٌ وإحسان إليه، وهكذا الدّاعي إلى الله، يقصِد بدعوته وأمرِه ونهيِه محبّةَ الخلق والرّحمةَ بهم والإشفاق عليهم ومحبةَ وصول الخير إليهم، لا يريد انتقامًا منهم، ولا يريد تعاليًا عليهم، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر كذلك، يقصد الرحمة والإحسانَ والإشفاق، فليس شامتًا ولا عائبًا ولا مستهزِئًا، ولكن رحيم بالأمّة، محسن إليهم، يحبّ الإحسانَ وإنقاذَهم من جهالات الضّلال.

القاضي في محكمتِه يحسِن لخصومِه بالعدل بينهم، واستماعِ حججِ الطّرفين، والحكم فيما يظهَر له بما يوافق الشرع، فلا يميل بهِ الهوى لواحدٍ دونَ الآخر، ولا يحاول إلحاقَ الضررِ بالآخر، وإنّما هو عدلٌ ومحسِنٌ في قضائه، يحسِن إلى الشهودِ فلا يلحِق الضررَ والأذى بهم، بل يمكّن كلاًّ من أداء شهادتِه، ويهيّئ له المجال، فلا يلحق به ضررًا.

وهكذا كلّ مسؤول عن قطاع من قطاع الأمّة، فإنّه واجب عليه الإحسانُ إليهم وحملُهم على الخير والقيام بما أوجب الله، هكذا المؤمنون حقًّا، أهلُ إحسانٍ فيما بينهم وبين ربّهم، وأهلُ إحسان فيما بينهم وبين عبادِ الله.

أسأل الله لي ولكم التوفيقَ السداد والعونَ على كلّ خير، وأن يهديَنا صراطَه المستقيم، وأن يجعلنا وإيّاكم ممّن عرفَ الحقَّ فعمِل به وسار على نهجه، إنّه على كل شيء قدير.

واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنّ أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمّد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإنّ يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.

وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على محمّد بن عبد الله كما أمركم بذلك ربكم، قال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وارضَ اللهمّ عن خلفائه الراشدين...

[1] أخرجه الطبراني في الكبير (6/120، 162) ، والبيهقي في الشعب (1448) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، وصححه ابن حبان (973) ، وقال الهيثمي في المجمع (6/117) :"رجاله رجال الصحيح".

قال الحافظ في الفتح (11/ 196) :"المراد بالمغفرة في قوله في الحديث الآخر: (( اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) )العفو عمَّا جنوه عليه في نفسه لا محو ذنوبهم كلها، لأن ذنب الكفر لا يمحى، أو المراد بقوله: (( اغفر لهم ) )اهدهم إلى الإسلام الذي تصحّ معه المغفرة، أو المعنى: اغفر لهم إن أسلموا. والله أعلم".

[2] الأخشبين بالمعجمتين، قال ابن حجر في الفتح (6/316) :"هما جبلا مكّة أبو قبيس والذي يقابله وكأنّه قعيقعان... وسمّيا بذلك لصلابتهما وغلظ حجارتهما, والمراد بإطباقهما أن يلتقيا على من بمكّة, ويحتمل أن يريدَ أنّهما يصيران طبقًا واحدًا".

[3] أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة (3231) ، ومسلم في الجهاد، باب: ما لقي النبي (1795) من حديث عائشة رضي الله عنها بنحوه.

[4] أخرجه ابن إسحاق كما في السيرة النبوية (4/412) فقال:"حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله قام على باب الكعبة فقال:..."فذكره في حديث طويل، وهذا سند معضل. وروي عن قتادة السدوسي مرسلًا، أخرجه الطبري في تاريخه (2/161) من طريق ابن إسحاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت